تحية صادقة لأسرة صحيفة “الأيام” الذين عودونا على المصداقية والموضوعية والجرأة في التعامل مع القضايا التي تشغل الرأي العام وبذلك اكتسبت موقعا متقدما في مجال الصحافة نرجو أن لا تتراجع عنه في مستقبل الأيام غير أنه كثيرا ما تثار بعض القضايا العلمية التي تحتاج للتحقيق العلمي وليس للاستهلاك الصحافي مما يزيد في تعتيم الصورة بدل استجلاء الحقائق لدى القارئ، وقد أثرتم موضوع الرؤى والبشارات في علاقته بجماعة العدل والإحسان في أكثر من عدد من صحيفتكم وأعطيتموه  زائد الصورة المشوشة للرؤيا في ذهنكم- أبعادا سياسية مما زاد الطين بلة ولذلك أبعث بهذا المقال التوضيحي لعله يبدد بعض الغموض.

الناس في حديثهم عن الأحلام أو الرؤى كمجال فسيح من ذلك الفضاء الأرحب الذي تملأه النفس والروح أصنافا مختلفة باختلاف البيئات التي نشأوا فيها والثقافات أو الأديان أرضية أو سماوية التي تشبعوا بها أو تربوا عليها في العالم والعالم العربي والإسلامي خاصة:

نجد الصنف الأول من عامة ممن تلقوا إسلامهم عبر الوراثة يوشك أن يكون الدين في تصورهم أقرب إلى الأساطير والغرائب والنوادر، فتراهم مقبلين بشغف يصدقون في غير تمييز بين الحق والخرافة، وصنف مال بها إلى طرف نقيض وهم من أشربوا ثقافة الغرب الجاهلي ورضعوا ألبانه واستحكمت فيهم  بفعل الغزو الفكري المكثف- فلسفاته وعقلانيته فكانوا تلاميذ نجباء بين يدي الحضارة المادية التي ألقت بظلالها الفكرية على عقولهم ونفسيتهم حتى أصبحوا يعيشون إسلاما عصريا يرد الغيب لأنه لا مكان له في تفسيراتهم الفلسفية للوجود والكون والحياة حسب ما لقنوا في مدارس أو جامعات ضائعة الهوية والتاريخ، بل حتى بعض من يحسبون على الدعوة إلى الله وحقل الفكر الإسلامي من ذوي مركب النقص والانبهار بالتفوق المادي للغرب الغالب يعتبرون الرؤى من الخزعبلات بل من ترهات الصوفية التي تفتح الباب للقول والادعاء بالإلهام والكشف والفتح وهلم جرا .. ثم صنف أصاب في تقديره وخضوعه للحق الأبلج وبعده عن الباطل اللجاج، وتمسكه بالنصوص الشرعية القطعية الثبوت، الصريحة الدلالة والتي لا يجادل فيها إلا مكابر معاند.

وأعتقد جازما أن سبب التردد الذي يبدو على معارضينا من ذراري المسلمين وبعض نخبهم ممن تقلدوا مناصب الفكر والثقافة يرجع أساسا إلى جهلهم بالإسلام حتى ولو حصلوا على الدكتوراه، جهلهم بالإسلام الجوهر واللباب، وقلة اطلاعهم على تراثنا الغني واكتفاؤهم بالثقافة الجرائدية والمجلاتية، وغياب العمق العلمي، والحصانة الإيمانية في التعامل مع تراث الفكر الإنساني لكي يميزوا بين الصالح والفاسد والأصيل والدخيل والحكمة التي يطلب إلينا أن نأخذها من أي وعاء خرجت ونسعى لتحصيلها ولو في الصين وبين الضلال المبين الذي يناقض عقائد الإيمان والدين إضافة إلى طغيان الإسلام الفكري والسياسي على العقول … فإذا كنا ننتقد الفكر الإسلامي في مرحلة ما من مراحله بأنه أغفل وقلص من الإسلام الجوانب الاقتصادية أو السياسية، فإنه في عصرنا نوشك أن نلغي ما هو معلوم من الدين بالضرورة الذي لا يعذر فيه الجاهل بجهله، فكيف بمن يزعم هداية الخلق والدعوة إليه وحمل مشعل الدين، وهكذا أصبحنا مطالبين بإيراد الأدلة على الواضحات، وهل يحتاج النهار إلى دليل، نحن في النهار وتقول اعطني الدليل على أننا لسنا في الليل والغيب هو لب الدين وجوهره، والرؤيا غيب، والقرآن الكريم امتدح المومنين المتقين وجعل أول صفة من صفاتهم في مستهل سورة البقرة الإيمان بالغيب يقول جل وعلا “ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب” (البقرة الآيتان 1-2) فالذين لا يؤمنون بالغيب لا يمكنهم أن يهتدوا بالقرآن العظيم. فما هي حقيقة الرؤى والأحلام؟ وما الفرق بينهما في مختلف حقول الفكر والمعرفة ومرجعية المسلمين؟!

1) تعريف الرؤيا والحلم:

الرؤيا في اللغة: هي ما يراه النائم في منامه، والرؤيا والرؤية لها تقريبا نفس المعنى، فالرؤية النظر بالعين وبالقلب، وقد جاءت الرؤيا في اليقظة، قال الراعي: “فكبر للرؤيا وهش فؤاده، وبشر نفس كان قبل يلومها.

وفي ذلك قوله تعالى “وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس” (الإسراء الآية 60)” (1).

والحلم: الرؤيا والجمع أحلام، وحلم به أو عنه، رآه في المنام، وفي الحديث من تحلم ما لم يحلم كلف أن يعقد بين شعيرتين، أي تكلف حلما لم يره (2).

وفي الاصطلاح: قال ابن حجر “.. وأما الرؤيا فإنها ما يراه الشخص في منامه، قال الراغب، والرؤية بالهاء إدراك المرء بحاسة البصر، ويطلق على ما يدرك بالتخيل نحو رأى أن زيدا مسافرا، وعلى التفكير النظري نحو “إني أرى ما لا ترون” (الأنفال الآية 45)، وعلى الرأي وهو اعتقاد أحد النقيضين على غلبة الظن” (3) وذهب القرطبي في فهم قوله تعالى “وما جعلنا الرؤية التي أريناك إلا فتنة للناس” أن المقصود الرؤية بما هي إدراك بحاسة البصر فما رآه النبي ليلة الإسراء كان جميعه في اليقظة وهو مذهب ابن عباس في تفسير سورة الإسراء “إنها رؤيا عين”، وجعلها البعض الآخر حجة لمن قال إن الإسراء كان مناما وختم ابن حجر القول “يحتمل أن تكون الحكمة في تسمية ذلك رؤيا لكون أمور الغيب مخالفة لرؤيا الشهادة فأشبهت ما في المنام”(4).

2) مذهب أهل الفلسفة والطب .. في الرؤيا والحلم:

في دوائر الفكر العالمي لا صوت يعلو على صوت رائد التحليل النفسي سيجموند فرويد الذي اعتبر تحليل الأحلام المدخل الرئيسي لاستكشاف اللاشعور “فالرغبات اللاشعورية تظهر في الأحلام بكيفية ما” وهو خلاصة ما طرحه في كتابه الشهير “تفسير الأحلام” الذي نشره في سنة 1900م. فهو يستبعد (التصورات القديمة) التي تعتبر الحلم خطابا من القوى الغيبية أو من الآلهة إلى البشر يحمل في طياته نبوءة عن المستقبل، إذ لا علاقة للأحلام بالمستقبل، بقدر ما هي تعبير عن ماضينا وشخصيتنا .. وتركيزه بشكل خاص على الدوافع الجنسية في تحديد السلوك وتشكيل المشاعر “فالحلم تحقيق مقنع للرغبات المكبوتة”. هناك أيضا التصور الفيزيولوجي الذي يعتبر الحلم مجرد اختلاط الصور الذهنية الموجودة في الخلايا الدماغية بعد أن تخف عنها رقابة الوعي أثناء النوم.

ومن الفلاسفة المسلمين الذين درسوا الرؤيا والحلم ابن سينا في كتابه “الإشارات والتنبيهات” و”كتاب الشفاء” كما تطرق إلى الموضوع العلامة بن خلدون في مقدمته ومن أعلام الصوفية محيي الدين بن عربي في “الفصوص” و”الفتوحات المكية” والسهروردي في كتابيه “التلويحات” و”حكمة الإشراف” دون أن ننسى إسهامات أهل الحديث والفقه والتفسير، ففضلا عن فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن حجر وغيره من الجوامع والسنن نشير إلى كتاب الفروق للقرافي والموافقات للشاطبي والتفسير الكبير للرازي ومدارج السالكين والروح لابن القيم الجوزية ومنتخب الكلام في تفسير الأحلام لابن سيرين وغيرهم.

وقد اختلفت زوايا النظر إلى الموضوع باختلاف الأصول العلمية والفكرية الدراسية، يقول عبد المنعم الخفي “ونخلص من الدراسة الانتربولوجية للأحلام أنه كانت هناك دائما نظرتان للحلم، إحداهما ترجع الأحلام كرؤى إلهية وتجسدها كتعبير عن القدر، والأخرى نظرة عقلانية تعامل الأحلام كرؤى خاصة بالأفراد وتصنفها كأنماط وتعمل فيها الرأي والاجتهاد بخلفية فلسفية” (5) ويقول المزوري “.. فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميع الرؤى إلى الأخلاط … وهذا وإن جوزه العقل وجاز أن يجري الله العادة به لكنه لم يقم عليه دليل ولا اطردت به عادة، والقطع في موضع التجويز غلط. ومن ينتمي إلى الفلسفة يقول إن صور ما يجري في الأرض هي في العالم العلوي كالنقوش فما حادى منها بعض النقوش انتقش فيها، قال وهذا أشد فسادا من الأول لكونه تحكما لا برهان عليه والانتقاش من صفات الأجسام وأكثر ما يجري في العالم العلوي الأعراض، والأعراض لا ينتقش فيها”(6).

3) موقف أهل السنة من المسألة:

وصفوة القول ما أورده المزوري وابن تيمية شيخ الإسلام وغيره من التقاه الراسخين في العلم، فقد جاء عن المزوري قوله “والصحيح ما عليه أهل السنة أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، فإذا خلقها فكأنما جعلها علما على أمور أخرى يخلقها في ثاني الحال. ومهما وقع منها على خلاف المعتقد فهو كما يقع لليقظان، ونظيره أن الله تعالى خلق الغيم علامة على المطر وقد يتخلف وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك فيقع بعدها ما يسر أو بحضرة الشيطان فيقع بعدها ما يضر والعلم عند الله تعالى”(7).

ويقول ابن تيمية “إذا نام الإنسان فإن له سببا تجري فيه الروح، وأصله في الجسد فتبلغ حيث شاء الله، ما دام ذاهبا فالإنسان نائم، فإذا رجع إلى البدن انتبه الإنسان فكان بمنزلة شعاع هو ساقط بالأرض وأصله متصلة بالشمس” (8). ويضيف في نفس السياق قائلا “قال ابن منده وأخبرنا عن عبد الله السمرقندي عن علي بن يزيد السمرقندي  وكان من أهل العلم والأدب وله بصر بالطب والتعبير- قال: إن الأرواح تمتد من منخر الإنسان، ومراكبها وأصلها في بدن الإنسان، فلو خرج الروح لمات، كما أن السراج لو فرقت بينها وبين الفتيلة لطفئت، ألا ترى أن تركب النار في الفتيلة وضوؤها وشعاعها ملأ البيت، فكذلك الروح تمتد من منخر الإنسان في منامه حتى تأتي السماء وتجول في البلدان وتلتقي مع أرواح الموتى، فإذا رآها الملك الموكل بأرواح العباد أراه ما أحب أن يراه وكان المرء في اليقظة عاقلا ذكيا صدوقا لا يلتفت في اليقظة إلى شيء من الباطل رجع إليه روحه فأدى إلى قلبه الصدق بما أراه الله عز وجل على حسب صدقه، وإن كان خفيفا نزيقا يحب الباطل والنظر إليه فإذا نام وأراه الله من خير أو شر رجع روحه، فحيث ما رأى شيئا من مخاريق الشيطان أو باطلا وقف عليه كما يقف في يقظته وكذلك يؤدي إلى قلبه فلا يعقل ما رأى، لأنه خلط الحق بالباطل” (9).

4) أنواع الرؤى بحسب نظرة الإسلام:

لقد فرق القرآن كما السنة بين أنواع ثلاثة من الرؤى أو الأحلام فجاء معنى الرؤيا بهذا اللفظ مستقلا عن غيره من المنامات في قوله تعالى “لا تقصص رؤياك على إخوتك” (يوسف الآية 5)، “أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا” (الصافات الآيتان 104، 105) وورد ما يرادفها وهو المنام “يا بني أني أرى في المنام أني أذبحك” (الصافات الآية 102) وقوله “إذ يريكهم الله في منامك قليلا” (الأنفال الآية 44) ثم ورد معنى الأحلام على لسان العزيز وملئه حين سألهم “يا أيها الملأ افتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون، قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين” (يوسف الآيتان 43، 44)، فميزوا بين الألفاظ واختلاف المعاني ونجد ذلك أيضا في قوله تعالى “بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر” (الأنبياء الآية 5)، فدل على أن الرؤيا غير الحلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة” (أخرجه الشيخان عن أنس)، وعن أبي سعيد الخذري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول “إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها وليتحدث بها وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره” (متفق عليه واللفظ للبخاري). وهكذا أكدت السنة على الرؤية التي يحب الله والحلم الذي من الشيطان وكيف أن الرؤيا الحسنة أو الصالحة جزء من النبوة “الرؤية الصالحة كرامة تتميز عن الاستدراج النفسي وعن التلاعب الشيطاني” (10) وقد وقعت كل التحاليل المادية المنقطعة عن عامل الإيمان بالغيب في أخطاء فادحة حين جعلت الرؤيا بكل أصنافها في سلة واحدة، وإن لامس بعض هذه التحاليل بعضا من الظواهر المنامية إلا أنها لا تفسر كل أنواع الرؤى. يقول الدكتور صالح عظيمة “والذي نراه ونكاد نحس به هو أن القرآن وضع الحلم في موضع الرؤيا وأعطاه معناها، لكنه ميز بينهما في شيئين اثنين، أولهما أن الرؤيا لا تقع إلا في المستقبل قريبا كان أو بعيدا، أما الأحلام فليست مرتبطة في المستقبل إلا على التخمين والتحميل وارتباطها كما يبدو في المعنى القرآني هو في الماضي والحاضر، ولذلك لا يقول عليها ولا تأخذ من الاهتمام ما يجوز للرؤيا أن تأخذ، وثانيهما أن الرؤى لم تذكر في القرآن إلا في معرض الوقوع المحقق والتصديق الصريح، أما الأحلام فقد قرنت إلى الأضغاث التي هي الأوهام والأخلاط والأحوال المتخيلة، والتي لا حقيقة لها، فكأنها اكتسبت منها المعنى بالمجاورة والاقتران فصارت مثلها لا واقع لها ولا أصل ولا حقيقة” (11)، “وقد كان المسلمون هم السباقين بفضل الوحي إلى تصنيف الرؤى إلى أنواع ثلاثة: الرؤى التي هي أثر في هواجس النفس وهي التي تسمى الرؤى النفسية … والرؤى التي يتدخل فيها الشيطان بأن يتسلط في نوم الإنسان على محل تداعي الفكر منه فيلقي إليه ما يلقي فتتوجه رؤاه نتيجة لذاك بهذه الإلقاءات وهذه هي الرؤيا الشيطانية ثم يأتي النوع الثالث من الرؤى الروحية الربانية وهذا النوع شيء مهم جدا لأنه يكون مبشرا أو منذرا أو مخبرا أو محذرا إلى غير ذلك من معان هي في الذروة من توجيه الإنسان والتأثير في سلوكه أو في توجيهاته”.

أرأيت كيف يدور كلامهم حول نوع واحد من الرؤيا خلاف تقسيم من استمسك بالقرآن وكانت السنة هديه، فهو إما تقسيم ثلاثي أو ثنائي بإدماج اثنين من الأٌقسام في واحد وكلا التقسيمين له أدلته (12) فالرؤيا تضاف إلى الله تعالى والحلم يضاف إلى الشيطان والأضغاث تضاف إلى النفس.

5) عناية الرسول صلى الله عليه وسلم بالرؤيا الصالحة وتعظيمها لأصحابه:

الرؤيا الصادقة وفي بعض الروايات الصالحة وهي رؤيا الأنبياء والصالحين وقد تقع لغيرهم وهي التي تقع في اليقظة وفق ما وقعت في المنام وهي جزء النبوة كما سبقت الإشارة إليه وقد أفرد لها المحدثون كتبا وأبوابا في جوامعهم وصحاحهم ومن مظاهر العناية بها أن يكثر عليه السلام من السؤال عنها حين انصرافه من صلاة الغداة، روى البخاري بسنده إلى سمرة بن جندب رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه هل رأى أحد منكم من رؤيا؟ قال فيقص عليه ما شاء الله أن يقص” (أخرجه البخاري في كتاب التعبير باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح)، وقال ابن عبد البر “وهذا الحديث يدل على شرف علم الرؤيا وفضلها لأنه صلى الله عليه وسلم إنما كان يسأل عنها ليقص عليه ويعبرها ليعلم أصحابه كيف الكلام في تأويلها” (13) ويقول سعيد حوى في هذا الصدد “إذا كان يسأل أصحابه يوميا تقريبا عما إّذا كان أحدهم رأى رؤيا إذا عرفنا هذا أدركنا جهل الذي لا يعطون للرؤيا أهمية” (14).

ويكفي للتنبيه عليها وتأكيد صلتها بالوحي والنبوة كونها ما تبقى من مبشرات النبوة وذلك “أن النبي صلى الله عليه وسلم كشف الستارة ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه والناس صفوف خلف أبي بكر فقال “أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له” (أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن أبيه عن ابن عباس)، وقد يراها غير المسلم للمسلم. وفي رواية البخاري في باب المبشرات يقول صلى الله عليه وسلم “لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة”، قال ابن حجر في شرح الحديث “قال ابن التين معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا …” (15) ولهذا ظل المسلمون يحتفلون بالرؤيا الصالحة عبر العصور ويشتاقون لرؤية الحبيب صلى الله عليه وسلم، واعتبر فن تعبير الرؤيا علما قائما بذاته له رجاله، ومن الصحابة الذين برعوا فيه أبو بكر الصديق ومن التابعين جعفر الصادق وابن سيرين وغيرهم.

على سبيل الختم: إذا ثبت لدى القارئ الكريم الفرق البين بين الرؤى والأحلام، وأهمية الرؤيا الصالحة في حياة المسلمين سلفا وخلفا ووجوب تصديقها على سبيل البشارة أو النذارة … فينبغي لنا التأكيد على أن هذه الرؤيا لا يمكن أن يترتب عليها عمل ولا حكم شرعي ولا ينبني عليها بالتالي ما يناقض الشريعة أو يخالف النصوص لأن الإنسان لا يأمن على نفسه الشيطان ولأنها غالبا ما تأتي على شكل رموز تحتاج في تعبيرها لأربابها من أهل القلوب جعلني الله وإياكم من المحسنين، وإن كان أحمد الراشد قد ذهب إلى الركون إليها في نطاق التخطيط والمواقف والقرارات، (16) لعله يقصد تواطؤ الرؤيا التي قال فيها ابن القيم “… فإذا تواطأت رؤى المؤمنين على شيء كان كتواطئ روايتهم لها، وتواطئ رأيهم على استحسانه واستقباحه وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح” (17). والحمد لله رب العالمين.

الهوامش:

(1) لسان العرب مادة رأى 1537.

(2) لسان العرب مادة حلم .

(3) فتح الباري لابن حجر ج 14 ص 374.

(4) المصدر نفسه ص 375.

(5) التحليل النفسي للأحلام ص 12.

(6) فتح الباري ج 14 ص 375.

(7) المصدر نفسه.

(8) مجموع الفتاوي المجلد 5 ص 456، 457.

(9) المصدر نفسه.

(10) كتاب “الإحسان” للأستاذ عبد السلام ياسين، ج 2.

(11) مصطلحات قرآنية: الرؤيا  مجلة العالم عدد 214 السنة 5  88 ك.

(12) تربيتنا الروحية سعيد حوى ص 189.

(13) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأساند لابن عبد البر ج 1 ص 313.

(14) تربيتنا الروحية ص 209.

(15) فتح الباري ج 14 ص 403.

(16) صناعة الحياة ص 14.

(17) الروح ص 9.