الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبيٍ أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد؛ صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم ـ أيها المسلمون ـ ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.

أما بعد، فيا عباد الله:

إنما صلح أمر هذه الأمة عندما صلح بالحب، وإنما فسد أمرها عندما فسد بالحب أيضاً، فلح أمرها عندما اتجهت هذه الأمة بأفئدتها إلى محبة الباقي، إلى محبة الله سبحانه وتعالى، ثم إلى محبة اليوم الآخر، وفسد أمرها عندما اتجهت بأفئدتها إلى محبة الفاني، إلى محبة الدنيا وزخارفها وأهوائها وشهواتها.

هذه خلاصة ينبغي لكل مسلم أن يتبينها أما تفصيل هذه الخلاصة، فأقول لكم: أيها الإخوة عندما وعت هذه الأمة كتاب الله عز وجل، وأصغت إلى وصايا حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، عرفت حقيقة هذه الدنيا التي نعيش فيها، وعرفت معنى البقاء والفناء، فاتجهت بأفئدتها إلى محبة الله عز وجل، واتجهت بأفئدتها إلى التعلق باليوم الآخر، وقد استقر في وعيها، كلام حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ يقول فيما رواه البخاري لعبد الله ابن عمر وقد أخذ بمنكبه: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وقد استقر في أذهانهم ووعيهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه ابن ماجة وأحمد والترمذي والحاكم من حديث عبد الله ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((ما لي وللدنيا أنا في الدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها)) أصغوا بوعيهم إلى كلام الله سبحانه وتعالى القائل: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً} [الكهف: 18/45] فرغت محبتهم من محبة هذه الدنيا التي تعرفوا على فئاتها وضحالتها من كلام الله وبيان رسوله، ثم اتجهوا بوعيهم إلى كلام الله القائل: {وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} [البقرة: 2/165] ففاضت أفئدتهم – وقد فرغت وطهرت من محبة الدنيا وزخارفها – وفاضت بحب الله عز وجل، ساروا وقد خف ثقلهم وقد نشطوا من عقال، ساروا في الطريق الذي أمرهم الله عز وجل به فتحوا الدنيا أشادوا الحضارة، لم يستطع العدو الذي جاءهم عن يمينهم وعن شمالهم ومن فوقهم ومن تحتهم، لم يستطع العدو أن يسكرهم بزخرف الدنيا، لم يستطع العدو أن يشغلهم ويلهيهم بزخارفها وأهوائها، لم يستطع العدو أن يرشوهم بالذهب والشهوات المختلفة المتنوعة، فكان الحب الذي اتجه إلى الله عز وجل هو سر صلاح أمرهم، وهو سر نجاحهم، وهو سر الظفر الذي أكرمهم الله سبحانه وتعالى به، ثم خلف من بعدهم خلف تحولت أفئدتهم من التوجه إلى الأعلى إلى التوجه إلى الأدنى، تحولت أفئدتهم إلى محبة الشهوات والأهواء، وإلى التعلق بزخارف الدنيا وشهواتها وأهوائها، بعد أن فرغت من محبة الباقي، بعد أن فرغت من محبة الله سبحانه وتعالى، ثقل حملهم وبطلت حركتهم، ورأى العدو نقطة الضعف في حياتهم، أسكرهم العدو من الدنيا بكل ما يلهي، وبكل ما يطغي، وبكل ما ينسي، أسكرهم العدو بالشهوات والأهواء، رشاهم العدو بالمزيد والمزيد مما يحبون، وهكذا ثقلت حركة هذه الأمة بسبب الأحمال الثقيلة التي حملوها من جراء محبتهم للفاني، وتحولهم مما كان عليه سلفهم الصالح من محبة الباقي ألا وهو الله سبحانه وتعالى، فآلى أمرهم إلى هذا الذي ترون، أنا أتحدث هذه الحقيقة البدهية التي ينبغي أن يعلمها كل إنسان عاقل، فضلاً عن كل إنسان مؤمن بالله سبحانه وتعالى، أتحدث عن هذه الحقيقة لأن من أهم المصائب التي حاقت بأمتنا الإسلامية، أنهم أصبحوا بعيدين عن هذه الحقيقة، لا يذكرونها ولا يتمثلونها ولا يخطر في بالهم أن يتحدثوا عنها عندما يتلاقون بالتساؤل عن أمراضهم التي توضعت فيهم، وعن السوء الذي أحاط بهم، هذه الظاهرة مصيبة من أخطر المصائب.

وُجِدْتُ أيها الإخوة في مؤتمرات كثيرة، واشتركت في ندوات متنوعة شتى، كلها يدور حول محور ما أصاب المسلمين اليوم، كلها يدور حول محور العلاج الذي ينبغي أن يتخذه المسلمون اليوم لمعالجة أدوائهم وأمراضهم، فما وجدت فيهم من جمع المؤتمرين أو المتحدثين في يوم من الأيام ليتذكروا هذه الحقيقة. ما وجدت فيهم من يتذكر ويذكِّر بقول حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)). ما وجدت فيهم من يضع يده على مكمن هذا الداء، الكل وفي كل المناسبات يتحدثون عن المظاهر، إذا تحدثوا عن الأمراض تحدثوا عن ظواهرها، وإذا تحدثوا عن العلاجات تحدثوا عن ظواهر الحركات الإسلامية والخطط والأفكار والمؤلفات والاجتماعات والتلاقي. أما ما وراء ذلك من الداء الْمُسْتَكِنّ في الباطن، والذي يُحِسُّ به كل منا عندما يعود إلى كيانه، فلا والله ما رأيت فيهم من أشار إلى هذا الداء الذي توضع في كيان الأمة من قريب أو بعيد. وأنا لا أتحدث عن أناس تائهين عن صراط الله، أو عن أناس تطوف بذهنهم أحلام الحداثة أو أفكار العلمانية، وإنما أتحدث عن أناس يعلنون الغيرة على الإسلام، أناس مفكرين يجمعون الناس للتشاور في أمر هذه الأمة وما قد حل بها. لم أجد فيهم من وقف عند هذه الحقيقة الواضحة الساطعة.

الفكر أيها الإخوة أساس لابدَّ منه، العقل الذي ينبغي أن يحتضن مبادئ الإيمان بالله أساس لابدَّ منه، ولكن الأساس خفي في باطن الأرض، لابدَّ بعد ذلك من إشادة البناء، والبناء الإسلامي لا تتم إشادته إلا بالجب، وقد قلت أكثر من مرة: إن القيادة في حياة الإنسان ليست بيد العقل وإنما هي بيد القلب، أي بيد الحب. العقل مهمته الإضاءة، مهمته الإنارة وتنتهي مهمته عند ذلك. أما الوقود المحرك في كيان الإنسان فهو الحب، فانظر ما المحبوب الذي تعلق به فؤاد هذا الإنسان لابدَّ أن يكون اتجاهه إلى ذلك المحبوب، العقل يريك الضوء ثم يقول: أنا آسف لا أستطيع أن أُعِيْنَك بأكثر من ذلك. وقد قلت وأقول: أرأيتم إلى السيارة عندما تضيء بمصباحها الطريق إلى الأمام لأمتار طويلة، إنها تريك الطريق المتعرجة والمستقيمة تماماً، لكنها لا تستطيع بهذا الضياء أن تتحرك إطلاقاً، إنما الذي يحركها الوقود، هذه الأمة صَلَحت بالحب الذي اتجه بها إلى الله سبحانه وتعالى، ثم إن هذه الأمة فسدت بالحب عندما اتجه بها هذا الحب إلى الأدنى إلى الفاني، ليت أن مؤتمراً من المؤتمرات يُعْقَد في عالمنا العربي والإسلامي لبحث هذه الحقيقة، وللوقوف عند قول الله سبحانه وتعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ، وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} [الأعراف: 7/175-176]. ليت أن أمتنا تقف عند هذا الخطاب الرباني الذي يُجَسِّد هذه الحقيقة في مثال هو مثال واقعي: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها} آتيناه علومنا، تركزت هذه العلوم في عقله، احتضنها عقله، علوم شتى، لكنها لم تفده {فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ} ما الذي جعله ينسلخ منها؟ الحب عندما اتجه إلى الأدنى {وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها} بهذه العلوم {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ} أخلدَ إلى الأرض بعقله أم بقلبه؟ أخلد إلى الأرض بقلبه، تعلق قلبه بزخارف الدنيا بأهوائها، بشهواتها فانحطّ إلى هذا الدون فأهلكه الله سبحانه وتعالى، هذا المثل الذي يضرب الله عز وجل لنا به حديث فرد ينطبق على أمة، أمتنا اليوم تعيد سيرة هذا الإنسان. لا ينبغي لنا أن نعتب على القضاء، وما ينبغي لنا أن نتساءل عن وعد الله عز وجل أين غاب مصداقيته؟ لا، ينبغي أن نعود إلى أنفسنا، وينبغي أن نتبين المرض العضال الذي توضع لا في عقولنا، ولكن في عواطفنا وقلوبنا. العدو إطلاقاً لم يتغلب علينا بأسلحة فتاكة كما قد يخيل إلى البعض، وإنما تغلب علينا بالمرض العضال الذي نعاني، العدو وجد أنا مغرمون بالدنيا وشهواتها وأهوائها، العدو وجد أننا سكارى بملذاتنا وأهوائنا، فجعل من ذلك سبباً للتفريق، سبباً لتشتيت الأمة، سبباً لبث أسباب الفُرقة فيها. ثم إن هذه الأمة كلما ازدادت تعلقاً بالأرض وإخلاداً إليها كلما ازدادت ذلاً وكلما ازدادت هواناً.

ما العلاج؟ العلاج شيء واحد، هو أن تتحول أفئدتنا من التوجه إلى الأرض وزخرفها إلى السماء إلى الله سبحانه وتعالى.

أقول قولي هذا وأسأل الله عز وجل أن يلهمنا جميعاً الرشد وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه!

ربنا اغفر لنا ولوالدينا، ولإخواننا الحاضرين ووالديهم، ولمشايخنا ولأرباب الحقوق علينا ولسائر المسلمين أجمعين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

آمين آمين آمين.