إن مهندسا وبناء يحدثان نفسيهما بعمل جليل ولا يطرحان على نفسيهما هذا السؤال قبل أن يجدا نفسيهما أمام المادة المبعثرة، والأرض الملغومة، والسيول الجارفة، لرجلان أحمقان.

في زحفنا إلى النصر إن شاء الله، وقبل أن تفجأنا الأحداث مثلما فاجأت العالم بقومة إخوتنا بإيران، نشرع في جهاد البناء من داخل الصف على الخطوط التالية :

1- إعادة الثقة لنفس الأمة: موضوع التغيير، وهو جسم الأمة كلها وجسوم الشعوب القطرية، نطلق عليه اسم “المجتمع المفتون” وهو اسم عام. علينا أن نحصي، ونضبط المعلومات والأرقام، وتطور الأحداث والعلاقات.

هذا يساعدنا على فهم الواقع، وفهم الواقع يمكننا من تخطيط المستقبل، ووضع خطة التغيير، وهذان إن وضحنا هما لأنفسنا وللأمة ورسمنا لها ولأنفسنا خطوات العمل يساعداننا على أن نثق بأنفسنا، وتثق الأمة بكفاءتنا، لتحمل المسؤولية.

معرفة موضوع التغيير، وحجمه، وكمه، وكيفه، وتطوره، وقوى الصراع فيه ومن حوله، مقدمة وباب ليدخل جند الله بإرادته الإيمانية على المستقبل من باب العلم. وحول هذا الداخل بثبات من يعرف مواقع خطاه، وهو مستعد لبذل النفس والمال والجهد، تلتف الأمة وتستعيد ثقتها في القيادة وفي نفسها.

هذا الشرط النفسي ضروري. وبدونه تكون محاولة بطح الواقع على مشرحة تغيير الهياكل صناعة في حرفة تحنيط الجثث.

شعب يتفرج على حكام يمارسون بهلوانية الغوغائية، والدوران على محطات التهريج، شعب مقهور شامت متربص.

نريد أن يكون الشعب معنا يشارك، يناقش، ينتقد، يتعلم، يعلم، يجاهد إلى جانبنا. ولا يفعل ذلك إلا إذا وثق بأننا منه ومع المستضعفين بلا قيد ولا شرط، إلا قيد الشريعة وشرط الإيمان.

2- الصرامة والمستقبل: لا يكفي أن نعلم الأمة، قبل الحكم الإسلامي وأثناءه، أن ما بها من ويلات ليس الإسلام مسؤولا عنه، إنما يسأل عنه من عطلوا حكم الله ولعبوا بشعارات الإسلام. تأمل الأمة فينا أن نبذل بؤسها رخاء، والظلم الذي يمارس عليها عدلا، والذلة المضروبة عليها بهزيمة المغربين أمام النموذج الجاهلي وهزيمة غيرهم بالهروب من ساحة الجهاد عزا. تأمل ذلك وأكثر، فلا ينبغي أن نصور الطريق سهلا ناعما، ولا أن نبرر صعوبات الطريق بطرح المسؤولية على من قبلنا. إنما ينبغي أن نضرب المثل بالتشمير، يواجه الشعب معنا صرامة شروط المستقبل التي تتراءى مكفهرة في أفق الأزمة العالمية العامة، وأفق تدهور اقتصاد عالم المستضعفين، وأفق التضخم السكاني والنقدي، وأفق التبعية الغذائية، وأفق الصراع بين القوى الجاهلية على مواردنا الطبيعية ومواقعنا الاستراتيجية، وأفق تطاول الرأسمالية العالمية أكثر من أي وقت مضى، وأفق السباق إلى التسلح، وأفق لعبة استقطاب أنظمة الحكم المتخلفة، وإفقادها توازنها واستقرارها.

أمل الأمة مطالبة فسيحة على قدر ما هي فيه من ضيق. فلا يكاد الشعب يرى وقد اعتاد الوعود الكاذبة، فيما يمكن أن يعترض المؤمنين من صعوبات غداة الإسلام إلا نوعا مما ألفه من حكام الجبر. لذلك نتعلم نحن ونعلم الشعب الحدود بين ما ينبغي وما يمكن، بين ما تصبو إليه العواطف وما تتيحه الوسائل المتوفرة.

إذا وضعنا أنفسنا مع الشعب، فسيضع الشعب نفسه وطاقاته معنا. إن كانت في قلب الشعب نواة صالحة فسيلتف حولها الشعب ويتعبأ. وإن كان النداء إسلاميا، والسلوك في الطبيعة سلوكا إيمانيا، فسترى إن شاء الله الشعب بما فيه من مهاجرين ذوي السابقة، وأنصار ذوي الغناء، ومؤمنين ذوي الحظ من الله، وأعراب سمعوا النداء، فانعطفوا إليه، فتحمسوا، فتبعوا الصف على مثال ما ذكر الله في سورة التوبة. قال عز من قائل: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه. ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح. إن الله لا يضيع أجر المحسنين. ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم. ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون). (سورة التوبة، الآيتان: 120-121).

بهذه الذهنية ذهنية الواجب، وهذه الإرادة إرادة الجهاد، يسأل جند الله أنفسهم ماذا قدمنا من خدمة، ماذا صبرنا، ماذا ظمئنا ليروى الناس، وماذا جعنا ليشبع الناس، وماذا نصبنا ليرتاح الناس، وماذا أرغمنا أنف الأعداء، ليأمن الناس، وماذا أنفقنا ليستكفي الناس، وماذا قطعنا من أودية الفتنة عبورا للمجتمع الإسلامي والخلافة الإسلامية؟

عندما يكون سلوكنا هكذا، ونتصدر الأمة، ونحمل همها، ستتبعنا الأمة. وإن لا فلا.

3- صفحة تطوى: من هذه العبارات المجازية الدارجة في كلام الناس ما هو من قبيل السحر والكذب. يقولون: “طوينا الماضي” وكأنه صفحة بين أصبعين. فإذا كان وهم العامة وحماس الجماهير ينفتحان ليندس منهما وإليهما كذب الوعود الخلابة بعد كل انقلاب و”ثورة” و”تصحيح” في بلادنا البائسة المضطربة، فإن القومة الإسلامية يجب أن تقدم للعامة وللجماهير، وترسخ في عقولنا، على أنها فاتحة عهد طويل من البذل (التضحيات) والعمل الدائب.

من ماضينا الفتنوي مخلفات ثقال، جروح مثخنة في نفوس الأمة وعقولها وأحوالها. وفي حاضرنا الجبري تعتيم بالحفلات والمؤتمرات المسمات إسلامية على بؤسنا، وتخلفنا، وقزامتنا، وأمراضنا، وهزائمنا. وفاضلو الأمة منهم محوقلون عاجزون، وآخرون يتسلون بتقديم مساعدات من فضول وقتهم ومالهم، يوهمون ضمائرهم بذلك أنهم أدوا حق الله عليهم. واقع يجب تغييره يوم تنتقل الدعوة من كونها رفضا للفتنة والجبر والجاهلية إلى قضية إيجابية لا نفر من البذل من أجل إنجاحها، ولا من الموت في سبيل تحقيقها.

تغيير الفتنة بالإسلام حكما، وتنظيم مجتمع، واقتصاد، ووحدة، وقوة، مهمة كبيرة. والله أكبر نداء الجهاد هو مفتاح الموقف. إن كان الله معنا فسنكون أكبر من تلك المهمة. فهو وحده عز وجل قادر أن يطوي حوبتنا وآلامنا، إنه يطوي السماء كطي السجل للكتاب سبحانه.

يكون الله معنا إن أطعناه، ويكون نداء الجهاد عنوان حق وشعار صدق إن قاتلنا -وأقصد الجهاد بكل أبعاده وصوره بما فيه المقاتلة بالسلاح إن جهر العدو بكفره وقاتلناه بالسلاح- في سبيله مع المستضعفين كما أمرنا. قال جل ذكره: (ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا). (سورة النساء، الآية: 75).

استعادة الثقة إلى نفوس الشعب بنا، ومعايشته ومقاسمته همومه وآلامه، خطوتان لتعبئة الشعب حولنا، وحشده لتبني قضيتنا. ثم استثمار كل هذا للعملية الأساسية في البناء، ألا وهي تربية الشعب حتى يعنى بشأنه، حتى يرشد، حتى يتأهل لمسك زمام أمره والمشاركة إلى جنبنا في الجهاد.

مهمة تغيير ما بنا لا حل لها إن لم نغير ما بأنفسنا. قال الله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). (سورة الرعد، الآية: 11) فكما خذلنا حين تنكبنا شريعته ينصرنا إن رجعنا إليه. والرجوع إلى الله إنما يكون عن دعوة داع وتربية مرب. وإرجاع الأمة بكاملها إلى الله تعالى قضيتنا. فقبل أن نصل إلى الحكم تبذل الدعوة جهدها لتغيير وجهة سفينتنا الموحولة في المياه الفتنوية العكرة. وعندما يلتقي وازع القرآن بوازع السلطان يتاح للأمة أن تعيد ترتيب السفينة وأجهزتها من داخل، وأن توجهها الاتجاه الصحيح وأن ترحض المياه العكرة، وتنزح الأوحال.

السفينة من داخلها خراب: خراب ضمائر، أجهزة مرصودة لخدمة مصالح المستكبرين الذين احتوشوا المال، وتسلطوا على الحكم، وانتهكوا الأعراض، وأباحوا ما حرم الله، ومالؤوا أعداء الإسلام على الأمة، وتفاوضوا معه لبيع حرية الأمة وخيراتها وأرضها وكرامتها.

الوجهة يجب أن تقلب رأسا على عقب: من محالفة الجاهلية والإعجاب بها وتقليدها والتذلل لها إلى الله ورسوله والمؤمنين. من ماركس وروسيا، من الليبرالية وأمريكا، إلى الله ورسوله والمؤمنين. من ولاية الطاغوت إلى ولاية الله ورسوله والمؤمنين.

أوحال الفتنة المتراكمة في طريقنا، والمترسبة في نفوسنا، خلفها فينا ومن حولنا قرون تعود الشعب فيها أن يعتبر نفسه رعية كالغنم يجز صوفها، تظلم وتهان، تسخر، تسكت، تتجرع المرارة بابتسام، تركع أمام الطاغوت، لا تنبس بكلمة أمام المستكبرين، لا تأمن على حياتها، تجهل ولا تعلم، تفتقر ولا تواسى، تمرض ولا تعالج.

في رفق الإسلام سعة، وفي باب التوبة انفتاح ليرجع أعداء الشعب المسؤولون أمس الفتنة عن توحيل الشعب وظلمه إلى الله في غد الإسلام. جسم الأمة مريض، لكن آثرنا أن نعبر إلى ما نريد بقصة سفينة يعاد ترتيبها، وتصحح وجهتها، وترحض مياهها، لكي لا نتحدث عن العملية الجراحية، وعن العنف الذي لا تنفك عنه ثورة الثائرين، وتريد قومتنا أن تتجنبه.

استعادة الثقة، والنزول إلى الشعب، وتربية الشعب. مع المستضعفين قتالا في سبيل الله نريد بناء الدولة الإسلامية، والخلافة الموحدة، والمجتمع الإسلامي، والحضارة الأخوية اللائقة بخير أمة أخرجت للناس.

أمر ضخم، مشروع كبير. والله أكبر~!

نعمل نحن المؤمنين، أمرنا شورى بيننا!

نعمل في طاعة الله ورسوله، وهذا يقضي أن يكون لنا أولو أمر منا نطيعهم ونعصي من عصى الله ورسوله.

على هذا الفهم، وبهذه النية، ولهذا المشروع، نربي أنفسنا، ونربي الشعب. ننظم أنفسنا ونعبئ الشعب حتى يعنى الشعب بمشاكله الجزئية على كل المستويات، وحتى يشارك في الجهاد العام.

بدل أن يسير المؤمنون بعد القومة على خطى من سبق بفتنة، لا نكل إلى الأجهزة الإدارية الصماء التي عششت فيها عادات المحسوبية، والرشوة، وبيع الخدمات، واحتقار المسلمين، مهمة بناء الأمة قبل أن نغير هياكل الإدارة ومنهاجها ومن أبى الصلاح من رجالها.

في كل قرية ومجلس بلدي ومدينة وجهة واقليم، ننادي المؤمنين رجال الدعوة والدولة ومعهم الشعب الواثق الباذل المعبأ، ليتخذوا المبادرات، وينفذوا، ويراقبوا.

لا نجعلها ديمقراطية “إسلامية”، ولا اشتراكية “إسلامية”، ولا ما شابه هذا الخلط. ولا نقلد، بل نخترع لزماننا، وبوسائلنا، ولغايتنا وأهدافنا، الصورة المناسبة لنظام الحكم الإسلامي الخالد.

لا نجعلها رأسمالية نلبسها إسما إسلاميا، ولا نغتر بأن التأميم العام والبيروقراطية هي الحل. بل نبحث في سعة إسلامنا الصيغة الكفيلة بإنشاء اقتصاد نتحكم فيه، ونسخره لإقامة التكافل الأخوي بيننا، والكفاية، والأمن، والقوة. هذه أهداف واجبة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، بما في ذلك نزع ملكية الأثرين، بعد إعادة مظالم الفتنة برد الحقوق إلى أهلها.

لا نجعله تعليما لخدمة الفئة المترفة وتخدير الشعب بتعليم صوري وإعلام مسل مفسد، بل نقيم القرآن في قلوبنا وضمائرنا نورا يبدد حلك الفتنة. وإنها لساحة وحلة قاتمة ساحة التعليم التي احتلتها جيوش المرتزقة من دعاة الإلحاد والفكر الجاهلي!

وكم من ساحة غيرها تنتظر المكنسة الإسلامية!

ولن يأتي الحكم بما أنزل الله مع طلوع الفجر يوم القومة الإسلامية! يمضي زمان للكنس، واستصلاح العناصر التائبة، ومواجهة اضطرابات لا بد منها عند كل تحول. ثم زمان لصياغة منهاج للحكم والبناء الإسلاميين، بالجدية والصرامة الأخلاقية والفكرية اللازمين. ثم ترجمة الإرادة الإسلامية إلى مشروعات مخططة متناسقة. ثم تدوين وتقنين الأحكام الشرعية الكفيلة بتحقيق مقاصد تلك المشروعات. ثم النزول من القرار السياسي والاجتهاد والتنظيم التقنينين إلى توزيع المهام على الإدارة وأهل الخبرة التكنولوجية في ميادين التنفيذ.

وكل هذا لا يمكن وضعه وإحياؤه ولو كنا في ذرى الإيمان والقدرة على الإنجاز، بين عشية وضحاها. لا سيما والأرض محتلة بما سبق، لاسيما والعملية الجراحية التي تبتر الهياكل مع تعقيد العصر تطلب زمانا، والمؤمنون يومئذ في ضغط المشاكل اليومية، تطلب رجالا، وأين الكفاءات والرجال؟ لا سيما والحرب على الإسلام قائمة من خارج، والدس عليه لن يفتر من داخل. لا سيما والضغط السكاني يتزايد. لا سيما والعصر عصر سرعة وتحول وأزمات. والله أكبر!

الإصرار على السير لن يعوزنا إن شاء الله فزودنا التقوى. (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى). (سورة البقرة، الآية: 197)

والصبر على الجهاد لن يعوزنا إن شاء الله فألهمناه. (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا. إن الله بما يعملون محيط). (سورة آل عمران، الآية: 120)

الله أكبر! و(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له. وما لهم من دونه من وال). (سورة الرعد، الآية: 11) شاهت الوجوه! وانكسرت التضامنات ضد الإسلام! ومضى عهد الجبر إن شاء الله! وتطوى الصفحة بإذن الله. فعلا لا تعبير مجاز.