لم يعد يخفى على أحد من المغاربة ولا من الأجانب ما عانته البلاد منذ عقود من الزمن من انتكاسات وانتهاكات طالت فئات واسعة من المواطنين فأنزلت بهم سوء العذاب وسامتهم كل أنواع العقاب ولم يستيقظ الجميع إلا بعد أن أزهقت أرواح وشوهت أجساد وشردت عائلات، وبسبب ضغط من الخارج قادته منظمات ودول وجدت السلطة نفسها أمام ماض أسود يطاردها ويلاحق خطواتها ويحول دون اندماجها في المنظومة الدولية ودون استفادتها من المساعدات، ويقف حجر عثرة في وجه ترتيبها الدولي فكان لزاما تبييض هذا الماضي مهما كلف الثمن، المادي طبعا!! لذلك أفرج عن العديد من المعتقلين وأحدثت هيئة التحكيم، وصرفت التعويضات، وكثر القيل والقال، وبدأ المسؤولون يتحدثون عن طي صفحة حقوق الإنسان في سابقة من نوعها لم نسمعها في أي دولة من الدول المتقدمة في مجال حقوق الإنسان. لكن الملاحظ أن كل تلك الخطوات ظلت ناقصة وسرعان ما بان عجزها عن بلوغ المراد لأنها تصطدم بوقائع متجددة يستنتج منها الصغير قبل الكبير أن دار لقمان ما تزال على حالها. وأن من شب على شيء شاب عليه.

ففي كل مرة يتم فيها الإفراج عن معتقلين يصدر البيان الرسمي بأن العفو شامل ثم لا تلبث الأيام تبين أنه مائل هامل، وتكرر هذا الأمر مرات.

وفي كل مرة يتداول فيها جبر الضرر يخرج فيها المسؤولون بإبداعات آنية يثبت قصورها بعد حين.

ونفس الأمر يخص الأشخاص والمؤسسات المكلفة بهذا الملف. فلماذا لا ينطبق نفس الأمر على هذا الجديد / القديم: جلسات الاستماع العمومية. هذا سؤال بديهي يهجم على أي مواطن.

ها قد مرت الجلسات الأولى وربما كون حولها الجميع ارتسامات أولية، ففي أي سياق يمكن إدراجها؟

1-حاول البعض إدراج هذه الجلسات ضمن المبادرات الرامية إلى رد الاعتبار للضحايا وهذا وهم سرعان ما سينكشف زيفه لأن ما عاناه الضحايا وذويهم خلال سنين لن تصلحه دقائق من الحكي، وما ذاقوه من عذاب وما قاسوه من ويلات لن ترفعه جلسة تلفزية.

2- حاول البعض إدراج هذه الجلسات ضمن الجلسات الاستتشفائية التي سيكون لها وقع إيجابي على نفسية الضحايا الذين سيفرغون ما بداخلهم، وهذا تبسيط لمعاناة هؤلاء الضحايا واستهجان لهم، بل هو احتقار. فالمسؤولون أعرف من غيرهم بالذي يمكن أن يشفي هؤلاء الضحايا، وحتى إن نسوا فلا بأس من تذكيرهم، والذكرى تنفع المومنين.

إن إصلاح الأوضاع الفاسدة والقضاء على الظلم والاستبداد الذي من أجله سجن هؤلاء، هو وحده الكفيل بشفائهم لأنهم آنذاك سيحسون بأنهم خدموا قضية كبرى وضحوا من أجلها بأعز ما لديهم: حريتهم وآدميتهم، أما ما دون ذلك فمن شأنه فقط امتصاص معاناة بعضهم لبعض الوقت فقط وثم سرعان ما يستفيق أمام ما يراه من استمرار نفس الأشخاص ونفس العقليات في السلطة وبنفس المنهجية القديمة وهذا ما يذكره في كل لحظة وحين بالذي مضى.

3- حاول البعض كذلك إدراج هذه الجلسات ضمن مسلسل كشف الحقيقة، وهذا وهم، إذ كيف لشهادة مقيدة ومنتقاة وغير كاملة أن تجلي الحقيقة. إن الشكل الذي مرت به الشهادات يساهم في طمس الحقائق وإضفاء برودة على هذا الملف الساخن، وامتهان كرامة الضحايا وما تعرضوا له من تعذيب.

إن الحقيقة مرهونة بالحرية، والكل يعرف أن هذه الحرية لم تكن مضمونة للجميع، والذين قدموا الشهادة انتقوا من بين المئات وفق معايير مزاجية وغير موضوعية. وهذا لن يخدم الحقيقة في شيء، إضافة إلى أن للحقيقة أركان تنتفي بانتفاء أحد أركانها، وأركانها: من اعتدى؟ ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟ وأين؟ أما نسبة الاعتداء إلى مجهول فهذا لا يفيد الحقيقة في شيء، وأما ذكر الفعل والمفعول به دون الفاعل فهذا لا يستقيم.

4- حاول بعضهم الهروب إلى الأمام فوصف بث هذه الشهادات أمام الملأ إشراك الرأي العام في هذا الملف وتعميما لجناياه، ولا أدري كيف يتم الاستهانة بهؤلاء المواطنين وكأنهم يعيشون في كوكب آخر، والكل يعلم أن أبسط مواطن باستطاعته أن يحكي مما جرى حكايات وحكايات لأن تلك الفظائع لم تسلم منها عائلة ولا مدينة ولا حي، وكون المغاربة لا يتحدثون عن ذلك أمام الملأ فهذا مرجعه إلى الخوف من بطش السلطة فقط وليس لأنهم يجهلون ذلك. ولذلك فما قيل في جلسات الاستماع لن يضيف إلى ذاكرتهم جديدا. بل ربما أصيب بعضهم بصدمة لأن ما سمعه وما تكون لديه من اقتناع حول تلك الفظاعات أخطر مما ذكر في تلك الجلسات.

5- بقي احتمال آخر وهو المرجح لدي، وملخصه أن المسؤولين يريدون تلميع صورتهم، وربح نقط جديدة يحسنون بها وضعهم ويكسبون من خلالها عطف ورضى الأسياد. وهذا وهم آخر يكذبه واقع الحال، وهو ما تنشره المنظمات الحقوقية من حقائق حول الانتهاكات والخروقات التي يندى لها الجبين.

لكل ما سبق يتضح أن مفعول هذا المسكن الجديد “جلسات الاستماع” لن يطول، وكل مسكن آخر سيلقى نفس مصير سابقيه، وصدق الله العظيم إذ يقول: “فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.

وأول الطريق للمصالحة وجبر الضرر القطع مع الرؤية الانفرادية والتشاور مع كل المعنيين في الملف وإشراك الرأي العام وهذا لن يكون إلا بما يلي:

1) توفر الإرادة السياسية: وأول مؤشر لها عدم تكرار هذه المآسي. وهذا للأسف غير متحقق لأن ذاك الماضي الأسود يتكرر اليوم بشكل أفظع. ولذلك لابد من الإفراج عن كل معتقلي الرأي الذين ما زالوا يقبعون في السجون، وعلى كل المختطفين، والإعلان عن مكان مجهولي المصير ووضع الضمانات الكافية لعدم العودة (دستورية وقانونية وإدارية ومؤسساتية) وبدون هذا سنكون مضطرين لهيئة جديدة بعد كل دورة زمنية تعيد نفس السيناريو الذي تخطه اليوم هيأة الإنصاف والمصالحة لأن الملف لن يطوى مرة واحدة.

2) إجلاء الحقيقة بكل تفاصيلها وجزئياتها من خلال الإجابة على الأسئلة المحورية: من؟ متى؟ كيف؟ ولماذا؟ وأين؟

3) الاعتذار: حتى لا ندخل في فتنة، ولأن الجلادين مجرد أعوان منفذين يمكن الاكتفاء باعتذار رسمي من الدولة في أعلى مستوياتها تتبنى فيه ما جرى وتتحمل مسؤوليتها حوله لأن منطق التسلسل الهرمي يفرض ذلك، وتتعهد بعدم تكرار ذلك.

ولأن أولئك الجلادين بلا ضمير ولا إرادة فيكتفى بعزلهم عن تولي أي منصب عام لأنهم ليسوا أهلا لذلك، وينبغي أن يسري هذا الأمر حتى على أولئك الذين كانوا يعلمون ولم يحركوا ساكنا ومنهم قادة أحزاب ووزراء وموظفون سامون وإعلاميون وباحثون وسياسيون و… إذ كيف نستأمنهم على مصيرنا وهم لا مروءة لهم ولا إرادة.

4) ننطلق من مسلمة مفادها أن تلك المحاكمات لم تكن عادلة والقضاء لم يكن مستقلا ولا نزيها. ولهذا يفترض أن تعاد محاكمة الضحايا محاكمة عادلة تثبت فيها براءتهم، أو إدانتهم وبهذا فقط يستردون كرامتهم ويجبر ضررهم المعنوي، على الأقل، ويرد الاعتبار لهم.

5) بعد كل هذا ومعه يفتح حوار مجتمعي تكون غايته تحديد طبيعة المغرب الذي ننشده، وكيف الوصول إليه من خلال ميثاق جامع نرفقه بالضمانات الكافية لتنظيم الاختلاف حتى لا تطغى الأكثرية على الأقلية، وبالشكل الذي يخدم فيه الكل عملية البناء من أي موقع كان فيه.

هكذا فقط نكون خطونا في المسار الصحيح ومن كانت بدايته صحيحة تكون نهايته سعيدة. نسأل الله تعالى أن يختم لنا بالسعادة الأبدية: رضوان من الله وفتح قريب.