الشعب المغربي مدعو أكثر من أي وقت مضى إلى هبة وقومة وسخطة عارمة على الأوضاع بهذا البلد، هبة و يقظة بلا فوضى، وقومة مسؤولية بلا عنف، وسخطة هدم للباطل بلا عجل.. يوافق كل ذلك نهضة بناء بلا خلل..

لقد طال أمد الظلم، والشعب المغربي يتقهقر من دركة إلى أخرى في مهاوي الذل والتفقير والتجهيل، ولا شيء يلوح في الأفق ويبشر بأن هذا المخزن لديه رغبة حقيقية وصادقة في طي صفحة الماضي، والكف عن البطش بالناس، والتلاعب بمصيرهم وإتلاف ثرواتهم والتضييق في معيشتهم.. المخزن لا يريد شريكا في السيادة على هذا البلد.. ولا يرغب في أن يتقاسم ثروات وخيرات هذا الوطن مع أحد مهما أخلص له وتقرب وخدم..فما بالك بمن نازع واعترض وغضب ؟

الشعب المغربي ليس في حاجة إلى المصالحة مع هياكل المخزن النخرة..بعد لم يبق للأمة أخضرا ولا يابسا، إنما يريد رحيل هذا المخزن بكلكله وبعقليته المتحجرة الظالمة.. واستبدال هذا الواقع الظالم العنيف المتجبر.. بآخر يسوده العدل ويزينه الرفق وتغشاه الرحمة.

أوان اليقظة

آن الأوان أن يستفيق المغاربة من هذه الغفلة التي تلفهم وتحجب عنهم حقيقة ما بهم وما هم إليه صائرون.. آن الأوان أن يقوم الشعب ويرتب أمر بيته ينظف ويكنس في هدوء وتؤدة، وينزع فتيل الفتنة برفق، ينبري إلى حفظ أمنه وصون كرامة وسلامة أهله، كل أبناءه وكل الأطراف الفاعلة والمؤثرة فيه، كي لا تفاجئه لحظة تعمل فيها أيادي الشر عملها – وقد قلت هذا قبل أحداث 16 ماي  وتوقع بعض أهله في بعض، ثم تتوارى لتترقب ساعة الحسم والتدخل ” للتسوية ” وعقد صفقات إعادة الإعمار وتأمين تهريب أموال وثروات الشعب..!

لم تعد البيانات والاستنكارات والاحتجاجات وحتى المسيرات تجدي نفعا أو تدفع ظلما فالقوم لا يرعوون، ولا يبالون بغضب الشعب ؛الذي لا يلبث أن يسكن ضجيجه ويخمد لهيبه.

يد المسعف الغيور المهتم بأمر هذا البلد ممدودة، ولسان حاله يقول : هل من راغب في إنقاذ هذا الوطن الحبيب ؟ هل من صادق في تغيير واقعنا البئيس ؟

عنوان اليقظة

جماعة العدل والإحسان تبسط اقتراحها ومبادرتها، وتدعو إلى ميثاق وطني يجمع المغاربة، ينطلق من دينهم وهويتهم، ينظم شتيت أفكارهم، ويقرب بين مختلف توجهاتهم، يعانق كل الإنتاج البشري في كل مناحي الحياة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والفنية… يختار منه وينتقي، لا يقبل عليه إقبال الزاهد فيما عنده المستغني المستخف فيما بين يديه.. المندفع المنبهر بما عند الغير ” الغالب “.. ولا يعرض عنه إعراض المتحجر الرافض لكل وافد جديد، المعطل لسنة الله التي قضت بأن يجعل الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا ويتفاعلوا..فما كان عطاء ربك محظورا.. ليرسو في النهاية على شاطئ الأمن والأمان وقد رويت رماله من معين كل مذهب، وسقيت من رحيق كل مشرب..فأما ما ينفع الناس ويثبت الأقدام فيمكث ويستقر، وأما الزبد فيذهب جفاء..!

إن حرص الجماعة على ضرورة جمع الأمة على ميثاق يشارك في بلورته الجميع ليس له إلا تفسير واحد؛ وهو أنها لا تدعي إطلاقا امتلاك ناصية الحقيقة ولا القدرة على إخراج البلاد من الأزمة الراهنة بمجهودها الفردي، وأنها تؤمن بأن هذا الشعب يزخر بطاقات فذة وإرادات قوية ونيات صادقة.. لو فسح لها المجال وذللت أمامها الصعاب لصنعت العجب وأثلجت الصدور وقرت بها الأعين، وبلغت بوطنها أحسن وأفضل المراتب ببركة الله وعونه وتأييده.

الميثاق المخرج.. الميثاق الملجأ.. الميثاق الحل..! هذه ليست ترنيمة سحرية.. إنما هي اقتراح ونداء ودعوة تحمل في طياتها كل أسباب النجاح والتوفيق .. وهي بعد ذلك تفتقر إلى من يبعث فيها الحياة بإخلاص النية، ويقيم عضدها بصدق وقوة الإرادة، ويرفع شأنها بعلو وسمو الهمة.

ما انفكت الجماعة تدعو إلى هذا الميثاق منذ مدة، والظاهر أن الأطراف المعنية بهذه الدعوة مازالت في حيرة من أمرها، أتقبل وتلبي ؟ أم تدبر وتعرض..؟ فمنها من لم تتخلص بعد من نظرتها المشوبة المشوهة إلى الجماعة، ولم تعمل بعد المعيار والمنظار المناسبين لتتبين حقيقتها ، لأنها لا تطلب الخبر من أهله.. ومنها من يحبسها الوهم من الخوض مع الجماعة في شأن الأمة وما قد يجره عليها ذلك من متاعب هي في غنى عنها.. ومنها من يمنعها رصيدها النضالي عن مد اليد إلى فاعل طارئ – في نظرها  في الساحة يريد أخذ زمام المبادرة.. ومنها من لا تريد التلبية تكبرا وتعنتا.. ويبقى مصير المغرب ضائعا بين هذا الطرف وذاك ولا حول ولا قوة إلا بالله.

لك الله أيها الشعب المسكين المسلوب، لا أحد يهتم بمصالحك، لا يتفقدون أحوالك إلا في مواسم توزيع الأدوار وتصميم الملابس وتركيب الأقنعة.. لا لينفعوك بشيء، بل ليكتمل بك المشهد، ثم يسدل الستار ويتركوك مشدوها، منزوع الإرادة والقدرة على مجرد التفكير والتدبر في ما حل بك، بله القيام بالتنديد واستنكار ما خلفوه من حسرة وضياع وإتلاف لخيراتك وخراب..!

اليوم اليوم أيها الأباة ! اليوم اليوم أيها الفضلاء ! الدنيا في انقلاب عظيم، والذين يملكون ناصية القوة والتقدم فيها، بما يمدهم الله به فيها ولا خلاق لهم في الآخرة، منهمكون في جمع حشودهم واستجماع بطشهم، يخططون ويمكرون بالليل والنهار، وجهتهم الفطرة النقية الطاهرة السمحة، يعملون لأجل طمسها وإطفاء نورها، وجهتهم النبتة الكامنة فينا، يريدون اجتثاثها من قرارها وحرق جذورها، وجهتهم وجودنا وكياننا، يرغبون في اقتلاعه والقذف به في اليم، وجهتهم الإسلام.. فهل بقي شيء منا لم يستباح بعد ؟ وهل سيبقى بعد الإسلام ما يستحق العيش لأجله ؟

جماعة العدل والإحسان لن تمل من توجيه ندائها إلى فضلاء الأمة لأجل العمل سويا لإنقاذ البلاد والعباد، وسبيلها في ذلك الحكمة والصبر اللازمان لبلوغ هذا الهدف وبناء صرح مغرب جديد محصن ومعافى من الأسقام، ولن تألو جهدا في تقريب البعيد وتأليف المتنافر، وتوضيح ما قد يبدو غامضا، وتفصيل ما يتسم بالعمومية.. لأن قناعتها ويقينها راسخان في أن النصر والسؤدد آت لا محالة، وفي أن الخير كله والأمل كله رهين بمدى تضامن أهل المغرب وتعاونهم وتضافر جهودهم.. فهل تبخل الجماعة عن إسداء هذا الخير إلى الوطن ؟ وهل يرضى أحد غيرها بحرمان الشعب من أسباب التقدم.. ؟ فيترك الوحدة والتضامن حيث القوة والمنعة والعزة، ويطلب الفرقة والتدابر حيث الضعف والمهانة والذلة ؟

(ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مومنين، إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا يتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين) سورة آل عمران الآيتان : 139  140.