 كيف نعرف جماعة العدل والإحسان اليوم؟ هل هي حركة سياسية ذات نفس دعوي أكثر منها حركة دعوية ذات نفس سياسي، أو كما يصفها الباحث محمد ضريف، حركة إسلامية تصرف مواقف سياسية تحت غطاء ديني؟

بداية لابد من التأكيد على أن في هذا النوع من التصنيف مغامرة غير مأمونة العواقب، وتجنيا على حقيقة الجماعة سواء من حيث المصطلحات أو من حيث آليات التحليل التي ستعتمد بناء على أي تصنيف تم اعتماده.

لذلك فأصعب مرحلة يواجهها الباحث حول الجماعة في بحثه هي هذا التصنيف، وللأسف هناك من يلجأ إلى تصنيف من عنديته، أو يضع قالبا معينا ويخضع له حركة الجماعة وفكرها متناسيا تعريف أصحابها لها، أو يلجئا إلى اعتماد المصطلحات الفضفاضة التي لا تساهم إلا في مزيد من الالتباس والغموض.

لهذا وانطلاقا من مكتوبات الجماعة يمكن أن نستنتج بأن العدل والإحسان هي:

– جماعة دعوة إلى الله عز وجل: حيث يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين “ونحن الدعوة مهنتنا، والدعوة وسيلتها التربية، وسيلتها التذكير، وسيلتها الإنذار، وسيلتها التبشير، وسيلتها الوعظ، وسيلتها التعليم، وسيلتها الإقناع، وسيلتها التي هي أحسن…” الشورى والديمقراطية ص 273.

– جماعة تربية وتوبة إلى الله عز وجل: لأنها ترى بأن جسم الأمة مريض، ومرضه يسمى فتنة، وهي بحاجة إلى تطبيب وتمريض وتربية “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” ولذلك لا يفتأ مرشد الجماعة يذكر بأن التربية أولا ووسطا وآخرا، والتربية قبل وأثناء وبعد.

– جماعة تدافع: لأن الهم السياسي جزء لا يتجزأ من فكر الجماعة وعملها، ولكنه بالمقابل ليس كل شأنها، بل كما قال الأستاذ المرشد في ندوته بعد رفع الحصار الظالم الذي طاله أكثر من عقد من الزمن “السياسة بعض شأننا” وهذا مصداقا لقوله تعالى “الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور”.

العدل والإحسان هي هذه الأمور كلها، ومجالات عملها هي هذه الواجهات كلها، ومخطئ كل من يريد حصرها في مجال معين أو يعطي الأولوية لواجهة على أخرى، لأنها لا ترضى بهدف اجتماعي سياسي دون العدل على شريعة الله، ولا ترضى بغاية تتطلع إليها همم المومنين والمومنات دون الإحسان، ولهذا جعلت من العدل والإحسان أم القضايا وأبا هما في الدين والدنيا، وفي الدعوة والدولة، وفي المصير الدنيوي والأخروي.

 أمام الحركية السياسية التي يشهدها مشهد الجماعات الإسلامية بالمغرب، ما بين الإنجازات التي حققها حزب العدالة والتنمية والمبادرات التي صدرت عن البديل الحضاري والشورى والاستقلال.. أين تتموقع جماعة العدل والإحسان في ظل هذه المتغيرات؟ وهل نعتبر دروس المسيرة التضامنية ليوم 28 نونبر بمثابة رسالة حركية من لدن الجماعة اتجاه ما يصدر عن باقي الحركات الإسلامية؟

منذ بدايات جماعة العدل والإحسان حاولت أن تخط لنفسها مسارا معينا سواء على مستوى التفكير أو الحركة، أو التفاعل مع الواقع، أو صياغة الأولويات، وربما هذا صار ما يعرف من العمل الإسلامي بالضرورة، حيث لم تستسلم للعديد من الأفكار التي كانت تعد آنذاك من المسلمات من مثل العالمية والسرية والعنف والتكفير والجاهلية و…، وهذا ما انعكس على مسيرة عملها حيث ظلت محصنة بحكم حرصها منذ البدايات على تسطير منهاج يحصنها من تموجات الواقع، وكذا من الخضوع لإكراهات التدبير اليومي للواقع وأمزجة الأشخاص وضغوطات السلطة.

لكل ذلك من الصعب فصل ما يجري اليوم عن هذا السياق التاريخي، ومن الصعب كذلك استخلاص حكم على الجماعة بتاريخها ومواقفها ومبادئها من خلال حدث معين مهما بلغت قيمته.

لكن الأكيد أن جماعة العدل والإحسان اختارت لنفسها مكانا بعيدا عن اللعبة السياسية كما هي مرسومة سلفا من قبل السلطة التي ترسم الحدود وتترك المجال للراضين بقواعد اللعبة للاجتهاد وفق تلك الحدود، وهذا أسبابه مختلفة لا يسع المجال للحديث عنها في حوار عام.

 كيف قرأتم الانتقادات التي صدرت عن حزب العدالة والتنمية بخصوص موقف الجماعة في المسيرة التضامنية الأخيرة، والحديث عن إمكانية مراجعة خيار دعوة الجماعة مستقبلا إلى مثل هذه المبادرات؟

حسب اطلاعي الشخصي لم أسمع أي انتقاد رسمي مسؤول من قبل حزب العدالة والتنمية ولا من غيره من الأطراف، وكل ما طالعته انتقادات شخصية تنقلها في الغالب وسائل الإعلام عن مصادر مجهولة أو رفضت الإفصاح عن اسمها، وأنا لا يمكنني، من منطلق المسؤولية وعفة اللسان والقلم الذي يجب أن يتحلى بها المسؤول السياسي، أن أرد على كلام لم أتأكد من صحته ولا من نسبته إلى فلان أو علان. لكنني أغتنم المناسبة لأؤكد بأن جماعة العدل والإحسان لم تخرج إلى مسيرة 28 نونبر 2004 بطرا ولا رياء ولا استعراضا للعضلات ولا حتى من منطلق سياسي، بل كانت مشاركتها تحقيقا لواجب النصرة وهو منطلق شرعي بالأساس، وكذا تقديرا منها لحساسية الظرفية التي تمر منها القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب العراقي ولذلك كانت مشاركتها بتلك القوة والتميز والإبداع، وأعتقد بأن الجماعة منزهة عن توظيف حدث بهذه القيمة لتصفية حساب مع السلطة أو استعراض عضلاتها. أما المؤاخذات المرتبطة بطريقة المشاركة وعددها فهذا أمر أخجل من طرحه لأن على الذي ينتقد العدل والإحسان أن يتوجه باللوم إلى نفسه ويحاسب ذاته على ما قدم لهذه المسيرة، وللجميع أن يتساءل حول مصير هذه المسيرة لو لم تشارك جماعة العدل والإحسان؛ فماذا فعل الآخرون في تحفيز عامة الشعب للمشاركة والتواصل معهم وتعبئتهم، وماذا فعلوا، على الأقل، لحضور مناضليهم، أم أن ذلك يعكس حقيقة عددهم؟ ولابد من الإشارة إلى أن الجماعة لم تخرق أي بند من بنود الاتفاق داخل مجموعة العمل الوطنية، بل من منطلق المسؤولية والوضوح أخبرت بتحفظها على البند المتعلق بحرمان مكونات المجتمع من المشاركة التلقائية بأعلامهم وشعاراتهم ولافتاتهم عكس الجاري به العمل في كل بلدان العالم، والأفضل لهؤلاء أن يتذكروا القضية الأساس التي من أجلها كانت المسيرة ويعلموا أنهم بهذه النقاشات الهامشية يشوشون على نجاح المسيرة وعلى هذه القضية، وأنهم لن يضروا الجماعة بشيء لأنها تعودت على هذه الحملات الإعلامية المضادة وأثبتت التجارب أنها لا تزيدها إلا قوة وتماسكا، والعدل والإحسان أكبر من تستغل هذا الحدث لتصفية حساب مع أي كان والكل يتذكر 8 ماي 1990 أو 10 دجنبر 2001 أو غيرها حيث نزلت للشارع وحدها في قضية تخصها وحدها.

 كان من نتائج إدماج السلطة لحركة التوحيد والإصلاح في العمل السياسي أن تقلص دور العمل التربوي والدعوي، بحيث أن الحركة وهي التي تشكل هياكل حزب العدالة والتنمية، أصبحت منهمكة بالدرجة الأولى مع العمل السياسي.

هذه المعطيات دفعت ببعض الباحثين لأن يتحدثوا عن نهاية الإسلام السياسي.

هل يمكن اعتبار موقف جماعة العدل والإحسان الرافض للاندماج في العمل السياسي، كونه مرتبطا بهذه المعطيات التي تهدد بنية العمل الدعوي والدور التربوي التي يميز الجماعة اليوم عن باقي الحركات والجماعات الإسلامية بالمغرب؟

مصطلح الإسلام السياسي فضفاض، ويصعب أن أسلم بما قلته عن نهاية الإسلام السياسي لأن العمل الإسلامي والدعوة إلى الله عز وجل لن تتوقف وهي مستمرة بوجود المسلمين وبخلود رسالة الإسلام، وقد تقع أخطاء لبعض الدعاة تؤدي إلى نهايتهم أو احتجابهم ولكنها لا تنعكس على الدعوة، فللبيت رب يحميه، وصدق الله العظيم إذ يقول “إن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين”.

لذلك لا نفتأ نؤكد بأن صدق الداعية وحده وإخلاصه لا يكفي، بل لابد له من منهاج ينير له الطريق ويعصمه من الخضوع لأسر إكراهات الواقع، وهذا ما تقتنع به الجماعة ولذلك تحاول تحقيق توازن بين التربية والدعوة والسياسة، وعدم تزييف الواقع أو النظر إليه بمنظار الآخرين، بل تحرص على التعامل مع الواقع كما هو بميزان الشرع، ولذلك ترفض الاندماج في لعبة قذرة هدفها شرعنة الاستبداد وتقنين الظلم والتطبيع مع الظلمة والمستكبرين والتآمر على عامة الشعب.

كما تستحضر أن الداعية ليس مجرد لباس أو خطاب أو تحزب متعصب ولكنه تربية إيمانية دائمة وصعود في مراتب التقرب إلى الله عز وجل بالفرض والنفل حتى يكون من المحسنين “يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم”.

 هل يمكن قراءة تأسيس الدائرة السياسية عند جماعة العدل والإحسان بمثابة إجابة من قبل قيادة الجماعة، على تصاعد الهواجس السياسية عند قواعد الجماعة؟

العمل السياسي لم يفارق الجماعة وتفكيرها منذ التأسيس، بل واكبها طيلة كل مراحل تطورها، ومراجعة بسيطة لتاريخها تؤكد صحة ما أقول، ولكن للجماعة رؤيتها لما يجري ولكيفية التعاطي معه بما ينسجم مع منهاجها وبرامجها وأولوياتها، والجماعة ما زالت في طور البناء ولذلك تحدث بين الفينة والأخرى تحولات في تنظيمها بما يناسب حركيتها ونموها، وفي هذا السياق جاء تأسيس الدائرة السياسية استجابة لحاجة داخلية تتجلى في مواكبة تطور الجماعة ونموها، ولحاجة مجتمعية صارت تتطلبها ضرورة المرحلة واستحقاقات المستقبل، أما مضمون عملها  أي الاهتمام بالشأن العام، فقد كان دوما من صلب اهتمامات الجماعة-.

 تشير العديد من المعطيات الميدانية إلى أن الجماعة تعيش انتظارية مبهمة بخصوص طبيعة مشروعها الإسلامي مقابل وضوح رؤية باقي الجماعات والحركات الإسلامية، والتي يتجه أغلبها نحو التركيز على العمل السياسي الصرف. هل يمكن القول أن قيادة الجماعة حسمت مع طبيعة مشروعها المجتمعي بشكل يضمن احترام القواعد لأدبيات الجماعة في ظل تعدد الإغراءات التي يجلبها الاندماج في العمل السياسي عند باقي الجماعات؟

الجماعة لا تعرف انتظارية ولكنها تعتمد أسلوب عمل يتناسب مع طبيعة رؤيتها للواقع الذي تتحرك فيه ومع طبيعة المشروع الذي تحمله، فالعدل والإحسان تحمل مشروعا مجتمعيا تغييريا لا يقتصر على إصلاحات شكلية أو جزئية، وتتبنى مشروعا دعويا شموليا لا تريد أن تنزلق في أحد جوانبه دون آخر، كما أنها تحافظ على تميزها ولا ترضى بأنصاف الحلول، وهذا أمر عليه إجماع داخلها وتتبناه كل مؤسساتها وأجهزتها.

 كيف تقرأون مبادرات وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، والتي تهدف إلى إعادة هيكلة الحقل الديني، وخاصة وأن هذه المبادرات تركز كثيرا على البعد التربوي والأخلاقي والصوفي، وهي نفس مميزات جماعة العدل والإحسان، بحكم تجربة الشيخ عبد السلام مع الزاوية البوتشيشية التي ينتمي إليها وزير الأوقاف. ألا يمكن الحديث عن تقاطع إيجابي بين أدبيات الجماعة ومبادرات وزير الأوقاف بشكل قد يخفف من حدة الحصار الرسمي القائم ضد الجماعة؟

لا يمكن تبسيط الأمور إلى هذه الدرجة، وحتى إن وقع الاتفاق في بعض الجوانب والأولويات فلا يمكن نسيان السياقات والخلفيات والأبعاد، وكلنا يتشوق إلى اليوم الذي يعز فيه العلماء وترفع الوصاية عنهم وتعطاهم المكانة اللائقة بهم.