نؤَصِّل بحول الله “القومة” بلا لَجلجة في المعاني القرآنية لكي نراجع ما سبق من فصول هذا الكتاب ولكي نؤسس ما بين أيدينا منها. ونبني نظرنا وتدبرنا على حقيقةِ أن صلاح آخرة الفرد هو الغاية من القومة، وأن صلاحَ آخرة الفرد مرتهن بصلاح دنياه بمقتضى أن الفقر يكاد يكون كفرا وأن الظلم فتنة عن الدين. ونبني على أن صلاح دنيا الفرد مرتهن بصلاح دنيا المجتمع. ونبني على أن مرور الفرد من هذه الدنيا له مغزى ومعنى هو الابتلاء بالشر والخير، والعرض على مِحَكِّ “ليبلوَكم أيكم أحسنُ عملا”. ودار الابتلاء هذه الدنيا قاعدتُها وشرطها التناقض والتدافع والسببية والمسؤولية. ثم الانتقال بالموت، وبعد الموت الدار الآخرة دار الجزاء، إما إلى جنة عرضها السماوات والأرض أو إلى نار وَقودُها الناس والحجارة أعِدَّت للكافرين. اللهم أجرنا من النار وأدخلنا الجنة بفضلك.

بعد هذا نُجمل مضمون “القومة” ومنهاجها في سبع نقط أصلها ثابت في لفظ القرآن ومعناه، وتستقي المادة العملية من النموذج النبوي. صلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

1) قومة الداعي تبتدِئ بقومة الرسول في قومه يخاطبهم بلسـانهم على الرفق لا على العنف. وكل داع بعد الرسول لم يبدأ ميسرا لا معسرا، مبشرا لا منفرا، جامعا لجهد الصادقين لا مشتتا فما هو من القوة في شيء.ومن شأن القائم بالدعوة أن تعترضه عقبة المعارضة ممن ألِفوا ماضيَ الجاهلية وترَبَّوْا على ذهنيتها وأُشْرِبوا في قلوبهم أنانيتها والعبودية للهوى. تلك سنة ماضية نعرفها من سيَر الرسل عليهم السلام كما قال الله تعالى عن عبده محمد صلى الله عليه وسلم: “وإنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لِبَداً”.جاءت الآية في سياق حديث الجن للجن عن البِعثة والمبعوث. لِبَداً: أي متلبِّدين مُتَمالِئين على المقاومة والعِداء.

2) قومة الشاهد التي يدعو إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: “كونوا قوامين لله شهداء بالقسط”، “كونوا قوامين بالقسط شهداء لله”، “والذين هم بشهادتهم قائمون”، “وأقيموا الوزن بالقسط”. قومة لإحلال العدل محل الجوْر. عدليَّةٌ نموذجية تخاطب الإنسان مِنْ قِبَلِ همومه الدنيوية من حيثُ تخاطبه دعوة القائم العبْدِ الرسول أو التابع “المبعوث” المبلغ من قبَل روحانيته.

3) قومة إلى الصلاة.وإقامة الصلاة.وما أمر الله عز وجل بالصلاة أو مدح المصلين إلا جاءت كلمة الإقامة.فالصلاة عماد الدين. هي العمودُ الفقري للدين. وأداؤها في المسجد والجماعة أساس البناء النفسي للمومن. لا يمكن إعادة ترتيب حياة المسلمين ولا تقعيد السياسة والاقتصاد والأخلاق على الأُسِّ الصحيح دون إقامة الصلاة. وإقامتها الوفاء بشروط الإسلام، والاغتباط بفرائضه، يجد في ذلك المسلمُ رَوْحَه وراحته، ومرتكَزَ أوقاته، وضابط ليله ونهاره، وناهيه عن الفحشاء والمنكر.

4) قومة الإحسان التي تزيح عن وجه الفطرة وعن صفحة القلب ما علق بها في الماضي وما يعلَقُ بها في المعافسات اليومية من غيْن الذنْبِ ومُلاحاة الخلق ومغريات الشهوات. “فأقم وجهك للدين حنيفا فِطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله. ذلك الدين القيِّمُ”.

إقامة الوجه لله عز وجل والطلب القلبي الدائم، الذكر الدائم، لله عز وجل والخضوع له ومناجاتُه هي علائم اكتمال الدين. الإسلام تأسيس للأركان، والإيمان بناء وتشييد، والإحسان هو القبة. ومن مجموع الإسلام والإيمان والإحسان يتكون الدين. الدين مراتب ودرجات. يا من يستحلي السطحية الثقافية النضالية باسم الإسلام!

5) إقامة حدود الله. وذلك هو السياج الصائن لبناء الدين.ليس معنى إقامة الحدود تنزيل العقوبات على الناس في فراغ من المسؤولية عن هداية الناس، وتربية الناس، وتوفير الضروريات للناس، وتأمين حياتهم. إقامة حدود الله وحفظ البناء عملية لا معنى لها إلا في سياقها التربوي العدلي العمراني الأخوي الدالَّة عليه آياته تعالى: “التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله”.

6) القيام بأمر الله. قيام الدعوة على الدولة. على الشورى لا على العض والجبر. قيام أولي الأمر منا، العلماءُ الذين يخشَوْن الله ولا يخافون في الله لومة لائم. وفيهم يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: “لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيَ أمر الله وهم على ذلك”. رواه الشيخان عن معاوية بن أبي سفيان.

7) إقامة الوحدة. وهي القاعدة الضرورية لإقامة دين الفرد ودين الأمة للانطلاق في تبليغ الرسالة الرحيمة للعالمين، تأبيداً مبعوثيا تبليغيا لرسالة الأنبياء والرسل عليهم السلام، وائتِماراً بأمره تعالى: “شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه”.

هذه ملامح “القومة” كما نقرأها في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. أبْرَزُها في عين السياسي الذي يقرأ ليعرفَ ما يريده الإسلاميون الشورى والعدل والوحدة. لكن هذا المراقبَ يُخطـئ الفهم إن تجاوز الدعوة إلى الله، والإخبار بالآخرة، والإيمان بالله وباليوم الآخر، والصلاةَ تقام في المسجد والجماعة، والحدودَ تُسَيِّجُ الحِمَى، والنموذجية الشهادية بين الأمم تُعلِنُ عن العمران الأخوي، والإحسانَ يتوج الدين. يخطئ الفهمَ من لاَ يشمَلُ تدَيُّنُه كل هذه الصالحات من العقائد والسلوك والأعمال. ويقعد لا يستطيع قياما. ويثور فلا تكون قومةً.

نجد الفهم الجامع، والقومة الشاملة، عند معلم البشرية محمد صلى الله عليه وسلم. ونجد عند الصحابة رضي الله عنهم التحلِّيَ بما شاء الله من خصال القومة، في حدود بشريتهم وأخطائهم وذنوبهم التي يستغفرون منها ويتوبون فيدخلون بالتوبة في سياق “التائبون… الحافظون”. وفي بشريتهم وذنبهم وتوبتهم وخطإهم لنا من الدروس ما يشجع ولا يثبط. فإن جئنا بمثالية نظرية للقومة غائبين عن الواقع الممانع وعن النقص فينا فلن تكون قومة، والقومة مجهود، القومة مراحل، القومة مهمة أجيال.

كنا قرأنا في الفقرة الفارطة عن الاستنقاع باسم السلفية، وفي ركاب التيمية النفطية، في تبديع المسلمين لتثبيت عرش السلاطين. وتلك قعدة ليست أخفَّ ما يتربص بالقومة الإسلامية.

ونقرأ هنا عن قاعدين لهم نفس المنطق وإن كان الموقفُ مغايرا. إنهم المتصوفة الهاربون من الدنيا،الخائفون على ضياع العقيدة كما يخاف ابن تيمية، المسالمون للغالب بالسيف كما يسالم.

قال الإمام الغزالي رحمه الله: “فالذي نراه أن الخلافة منعقـدة للمتكفـل بها من بني العباس رضي الله عنه. وأن الوِلاية نافـذة للسلاطين في أقطار البلاد.(…) ولو قضَينا ببطلان الوِلايات الآن لبطلت المصالح رأسا. فكيف يُفوَّتُ رأس المال في طلب الربح؟ بل الوِلاية الآن لا تتبع إلا الشوكة. فمن بايعه صاحب الشوكة فهو الخليفة”.

أين من يبايعه المسلمون باختيارهم؟ بل أين “جماعة المسلمين” القائمة بأمر الله؟ لِمَ مبايعة الظالمين؟

أجاب الإمام ضِمْناً، وأعرض عن المشكلة تصريحـا عندما فصل أمر المخالفين لأمر الله سبحانه إلى مخالفين في “العقد” (نقول اليوم: العقيدة) وإلى مخالفين في العمل. فهو يرضى رِضَى المُعْرضِ المتطهِّر بالظَّلَمَة العاصين ليدفع عن الأمة خطر الزندقة والباطنية. قال رحمه الله: “ما يتضرر به الناس كالظلم والغضب وشهادة الزور والغيبة والنميمة، فهؤلاء الأَوْلَى الإعراضُ عنهم وتَرْكُ مخالطتِهم والانقباضُ عن معاملتهم (…). والإعراضُ عنهم مؤكد جدا”.

هكذا يعتبر إمام عظيم من أئمة المسلمين الظلمَ معصيةً من المعاصي في حجم الغيبة والنميمة. وهكذا تقلد الأجيال الناظرة في كتب الأقدمين مواقف أملاها هم ثقيل حمله رجال عظماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وحجة الإسلام الغزالي رحمهم الله. والقومة من التقليد المُغْمَض، وإزاحةُ هيمنة النص الموروث ما دون قال الله وقال رسول الله أولوية من أولويات القومة. خاصة فيما يرجع للحكم. والله أحكم الحاكمين لا رب غيره.