شكلت تظاهرة 28 نونبر 2004 التي دعت إليها “”””””””””””””””” مجموعة العمل الوطنية لدعم الشعبين العراقي والفلسطيني” محطة تاريخية ونقلة نوعية في الفعل السياسي ببلدنا ، أسالت الكثير من المداد وطرحت عدة تساؤلات، خاصة حول مشاركة جماعة العدل والإحسان، عكست إلى حد بعيد مدى أهمية التواصل والحوار اللذين ما فتئت الجماعة تدعو إليهما..وبينت ضرورة وحتمية التوافق والتراضي على ميثاق وطني يجمع المغاربة في صعيد واحد ، يلم شعثهم ويوحد جهودهم ويؤسس لمرحلة لاحت في الأفق تباشيرها يكونون فيها يدا واحدة تدفن الماضي بكل سواده وتردم عليه التراب في رفق وتؤدة .. وتتطلع إلى المستقبل بكل آماله وتبني صرح الديمقراطية والتنمية والتحديث بما يلزم من نضج ومسؤولية وقوة.

تابعت التغطية الإعلامية لمسيرة 28 نونبر كما عكستها مختلف المنابر الإعلامية الوطنية وخاصة المقروءة منها ، وقرأت تصريحات وتعليقات واستنتاجات بعض الفاعلين السياسيين والجمعويين والإعلاميين بخصوص مشاركة جماعة العدل والإحسان ، والشكل الذي ظهرت به لأول مرة على المستوى الوطني ..وقد تمحورت تلك التعليقات على فكرتين أساسيتين :

قوة الجماعة :

الفكرة الأولى اعتبروا فيها أن تظاهر الجماعة بذلك الشكل هو محاولة منها لعرض عضلاتها وإظهار قوتها ناسين أو متناسين بأن الجماعة ليست في حاجة إلى مثل هذه المناسبات لإبراز قوتها والتحدث بما أنعم الله به عليها ، وبأن الزمان والواقع قد أعطيا ما يكفي من الإشارات لكل متتبع بأن الجماعة قوية فعلا .. وقد تأكد ذلك منذ مدة وفي مناسبات عدة لا مجال لذكرها هنا ، لكن أود أن ألفت عناية القارئ والمتتبع إلى معطى أساسي ومحوري وهو أن هذه القوة العددية الرقمية وهذا الهيكل التنظيمي الهائل الزاحف الذي يبهر ليس هو المقياس الوحيد والأوحد والمعيار الأساسي للقوة في تصور الجماعة ، قوة الجماعة ليست رقما ولا امتداد جسمها في الداخل والخارج ولا عدد المتعاطفين والمناصرين لها ، ولا لافتاتها وأبواقها وصياحها .. قوة الجماعة هي أعمق من ذلك وأسمى ، قوة الجماعة هي توبة قذفها الله في قلب رجل وعناية خصه بها..قوة الجماعة هي أوبة وتوبة واتباع وصحبة .. قوة الجماعة هي قيادة ربانية مؤمنة مدركة لواقعها وحيثياته وواعية بمطلبها وأولوياته.. قوة الجماعة هي كلمة حق صدعت بها وهي ما زالت في جنينيتها بل في قلب رجل علم فلزم وعزم فتوكل .. قوة الجماعة هي دعوة رفعتها فلبى الناس وتنادوا أن هلموا إلى داع الله .. قوة الجماعة هي موقف واختيار وثبات على المبدأ واستمرار.. وهي صبر وتحمل وتؤدة .. وبذل للمال والمهج وتضحية.. قوة الجماعة هي وحدة منهاج ووحدة تصور والتفاف على القيادة في غير إمعية ولا تهور.. قوة الجماعة تتمثل في سعيها إلى جبر ما انكسر بعد الخلافة الراشدة ومحاولتها جمع ما افترق و فتل ما انتقض من عرى الإسلام.. هذه هي قوة جماعة العدل والإحسان ، بهذا تعتز وتفخر وبهذا تسعد وتسر،

سؤال المرحلة :

أما الأمر الثاني الذي تضاربت حوله الاستنتاجات والآراء وكثرت عنه التساؤلات ..هو ماذا بعد مسيرة 28 نونبر2004 ؟ أي مرحلة ستدشنها الجماعة ؟ وهل ستجد نفسها في عزلة وفي مأزق سياسي بعد الخطوة التي أقدمت عليها والمتمثلة في انفرادها بالخروج إلى الشارع بذلك الشكل..؟

لاشك أن الجماعة مقبلة على مرحلة جديدة وتحديات كبرى..و تعتبر مشاركتها في المسيرة الشعبية بذلك التميز أحد مؤشراته ، ويمكن تلخيص معالم هذه المرحلة في ثلاث عناوين هي :

1- الحوار دائما:

الجميع الآن يدرك أن الوقت قد حان ، إن لم يكن قد تأخر ، كي نسجل تقدما واضحا وجادا في مبدأ الحوار الذي تجمع مختلف الأطراف على أهميته ، يبقى أن نعطي لهذا الحوار ميزته ومصداقيته ، ونوفر له شروط النجاح والاستمرار التي أجملها في ثلاثة أمور :

– أولا: أرضية الحوار والتي لا تعني شيئا آخر سوى الانطلاق من واقع المغاربة وثقافتهم ودينهم لتحقيق تطلعات الشعب وطموحه في التحديث والتنمية وأسباب الحياة الكريمة.

– ثانيا : أطراف الحوار، وهي كل مكونات الشعب المغربي من أحزاب ومنظمات وهيئات وجمعيات ..التي تمثل المواطنين وتسهر على تأطيرهم وتوجيههم ، بدون إقصاء أو وصاية.

– ثالثا : الغاية من الحوار : وهي عند جماعة العدل والإحسان غاية تعبدية وخضوع لله عز وجل الذي أمرنا بضرورة التعاون على البر والتقوى والجدال بالتي هي أحسن والتشاور فيما بيننا

والتآمر بالمعروف والإصلاح بين الناس والسعي في قضاء حاجاتهم ورفع الظلم عن المظلومين والضرب على يد الظالم والوقوف في وجه المستبد المستكبر وسد رمق الجائع والرفق باليتيم وإجابة السائل.. الغاية إذن هي التوافق على خطة وكيفية ومنهاج كفيل لإخراج المغرب من أزماته وتجاوز هذه المرحلة العصيبة من تاريخه بأقل الخسائر والتضحيات الممكنة .. وهذا بما يلزم من تدرج في غير استعجال ولا اتكال ، وبما يكفي من قوة في غير عنف ولا ضعف..

– 2 تأهيل الصف:

لقد مر على تأسيس عمل الدائرة السياسية في جماعة العدل والإحسان ما يقارب ست سنوات ، وقد تحقق بفضل الله خلال هذه الفترة من الإنجازات والمكاسب ما أعطى للجماعة مكانتها اللائقة بها في المغرب ، بل وتعدى صيتها وسمعتها حدود الوطن وأضحى اسمها دليلا على العمل الجاد والمسؤول ، ومنارا لكل سائل وباحث في الشأن المغربي ومستقبل الأمة جمعاء ..

رغم الحصار الذي مورس على الجماعة وما يزال ، ورغم قلة ذات اليد وحداثة جهاز الدائرة السياسية ، إلا أن الجماعة بفضل من الله وبركة حققت حضورا سياسيا متميزا . وهي ،منذ أن انخرطت في مسؤولية تبليغ رسالة الله إلى عباده ، وتذكيرهم بأيام الله ، ومنذ أن تحملت عبء إنقاذ هذه الأمة وجمع شتاتها وتأليف شتيتها والسعي إلى إقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة ..أدركت أن الأمر جد وليس بالهزل ، وبأن دونه عقبات وتحديات ..فهل تتخلى عن هذه المسؤولية ؟ وهل تتراجع ؟ أم تقبل ؟

و كيف يكون ذلك الإقبال ؟ بأي إمكانات وطاقات ومعارف يتقدم صف العدل والإحسان ليكون في الريادة وفي طليعة الأمة ؟ وبأي عدة وعدد يزحف إلى إقامة الحق وإزهاق الباطل؟

– ارتباط الصف بالله وبمنهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين وهدي السلف الصالح هو عصمة أمر صف الجماعة لا يحيد عنه ولا يبدل.

– والاجتهاد بما يوافق العصر والواقع في سياسة الأمور وتدبير الشأن العام وتسيير دواليب الحكم وتوجيه وترشيد العلاقات الدولية ، السياسية منها والاقتصادية والثقافية .. هو عدة الصف.

– والانفتاح على الشعب بكل شرائحه وحيثياته وفئاته ، يصاحبه ويبلغه خبر الآخرة ، ويخبره أن الله لا يضيع أجر المحسنين ، وأنه تعالى لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى ، وأنه يغفر الذنوب جميعا و أنه ينصر من ينصره و يورث الأرض لعباده الصالحين.. حتى يطمئن ويقترب .. ويثق في موعود الله ورسوله ويرسخ يقينه في الله فينخرط في تحديات التغيير.. هو عدد الصف.

لهذا يجب على الصف أن يستعد ويعد .. لهذا يجب أن يِتأهل ويتهيأ .. لما ينتظره اليوم و لما ينتظره غدا..

3 – ترسيخ الولاء:

إن المستجدات العالمية والمحلية تكاد أحيانا تزعزع وتزلزل يقين الناس في موعود الله بالنصر والتمكين للمومنين ، وما نستقبله من أيام وما قد يحدث من أحداث قد ينخر في عزائم المتطلعين إلى التغيير ، خاصة في ظل الخطاب الانهزامي الذي تروجه له الآلة المخزنية بكل أبواقها ، وتدفعهم إلى التراخي واليأس..لذا فإن المرحلة تتطلب مجهودا جبارا لتثبيت ولاء المغاربة ، وأعضاء الجماعة منهم ، لله ولرسوله وترسيخ يقينهم في موعوده وتأكيد ارتباطهم بصف المومنين القائمين لطلب العدل والإنصاف والحرية لهذا الشعب.

لابد إذن من رفع الهمم وتقوية العزائم فالأمر جد والغد إسلام .. ودونه جهد جهيد وعمل دؤوب وعقبات كأداء ونيات وأهواء وأخذ وعطاء ..

ثلاثة عناوين إذن تميز المرحلة القابلة وتستشرف غد الإسلام المشرق الذي يبشرنا بالعزة والكرامة للأمة الإسلامية قاطبة ، فلنعمل جميعها ، كل من جهته ومن زاويته ، لكن من منطلقات واضحة ومتفق عليها لكي نكون في مستوى هذه المرحلة ولكي ننهي أمد وطول مكوث القهر والظلم على شعبنا ، ونفتح أمامه فرصة للنهوض والازدهار حتى يصبح في مصاف الأمم والدول المتقدمة وما ذلك على الله بعزيز ولا على الشعب المغربي بصعب أو كثير..