كيف يتم إعلام الله وإيحاؤه لرسله بالكلمة الإلهية التي نسميها “وحيا”؟:

إن الإبلاغ للرسل يتم بطرق متعددة:

1_ فيكون بالإلهام للرسول بشيء ينصب في قلبه وروحه، حتى يصير متأكداً منه منساقاً إليه، فيحس أنه من الله فينفذه، ويقرب من هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم (إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)..

2_ وقد يكون بوساطة الرؤيا الصادقة في المنام ، فيقوم الرسول بتنفيذ ما رآه كما حدث لإبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام: “فَلمَّا بَلغَ مَعهُ السَّعيَ قَالَ يَا بُنيَّ إِنّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانُظرْ مَاذَا تَرَى قَالَ ياَأبَتِ افْعلَ مَا تُؤْمرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرينَ فَلمَّا أَسْلمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَاديْنَاهُ أَن يَإ إبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المُحْسِنينَ) فقد اعتبر إبراهيم رؤياه أمراً من الله، وقام بتنفيذه، وظهر إخلاصه، فأكرمه الله وابنه: (وَفَديْنَاهُ بِذبْحٍ عَظِيمٍ).

وروى عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (أول من بدئ به النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح).

ولم يثبت ثبوتاً قاطعاً أن شيئاً من القرآن نزل عن طريق الرؤيا المنامية، وإذا كانت هناك أحاديث يفيد ظاهرها ذلك، فمردها الحقيقي إلى حالة من الحالات الروحية التي كانت تعتري الرسول عند نزول الوحي، وربما ظنه الحاضرون نائماً.

3_ وقد يكون وصول الموحى به للرسول عن طريق كلام يسمعه، ولا يرى المتكلم، متأكداً أن هذا الكلام من الله، كما قال الله عن موسى:

“وَكَلَّم اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً”

وقد جاء في موضع آخر من القرآن ما يفسر ذلك مخاطباً الرسول:

“فَلَمَّا أَتَاهَا نودي يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَأخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالوَادِ المُقَدَّسِ طُوىً وَأَنا اخْتَرتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّني أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إلاَّ أنَا فَاعْبُدنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِى”.

وكما حصل لنبينا عليه الصلاة والسلام وهو في معراجه:

“ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى”.

وكلمه الله دون أن يراه، ولكن رأى نوره، وفرض عليه الصلاة..

4_ وقد يكون إيصال الكلمة الإلهية “الوحي” للرسول بوساطة جبريل عليه السلام، ولذلك يسمى “ملك الوحي”، لأنه حامل الوحي لرسل الله أجمعين. وقد نزل القرآن كله بوساطته على رسول الله، كما يخبر الله عن ذلك:

“نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبيٍّ مُّبِينٍ”.

وقوله:

“قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ أَمَنُوا”

والروح الأمين وروح القدس، هو جبريل عليه السلام، ملك الوحي، ورسول الله إلى رسله من عباده..