+ نزلت جماعة العدل والإحسان بكل ثقلها في مسيرة الرباط التضامنية مع شعبي العراق وفلسطين، مما أثار ردود أفعال متباينة عكست بعضها الصحف الوطنية. بماذا تفسرون ردود الأفعال هاته، خصوصا أنها بدرت عن مكونات مجموعة العمل الوطنية، وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية الذي خصص الصفحة الثالثة من جريدة التجديد (ع. 1036) لتوجيه انتقادات لاذعة لما أسماه عدم التزام جماعة العدل والإحسان بعدم رفع اللافتات الخاصة؟

بسم الله الرحمن الرحيم. تعبئتنا للمسيرات التضامنية مع قضايا الأمة كانت دائما كبيرة، وكنا نحرص كل الحرص على الحضور القوي لا لشيء إلا لمكانة هذه القضايا في قلوبنا ووجداننا. فالاهتمام بأمر المسلمين ونصرتهم من الدين، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكثيرا ما كانت السلطة تمنع حضورنا بشكل أو بآخر، بحيث تضع الحواجز البوليسية وتعرقل الحافلات، وكان الإخوة والأخوات يؤدون ثمن ذلك غاليا من أوقاتهم وأموالهم، ويمكثون الساعات الطوال تحت حر الشمس محاصرين مضطهدين في الطرقات، ومع الأسف الشديد لم يكن أحد من المنظمين يلتفت لذلك أو يحتج عليه، ولا يسألنا أحد عن الأضرار التي تعرضنا لها بعد المسيرة، ولا يقدر شيئا من تضحياتنا وجهودنا.

فيما يتعلق بالمسيرة الأخيرة فتعبئتنا كانت قوية كالعادة، بل مما دفعنا للتعبئة القوية والحرص على المشاركة الواسعة هو المشاركة الضعيفة جدا للأطراف الأخرى في المسيرات السابقة، والتي تكاد تكون منعدمة بالنسبة للبعض، سواء فيما يتعلق بالتعبئة أو التنظيم، المعطى الذي تغير هو تعامل السلطة معنا في هذه المسيرة وذلك يعود لحساباتها الخاصة، مما فسح لنا المجال بذلك الحضور المشهود يوم المسيرة. وللتذكير فالمدن البعيدة عن محور القنيطرة – الجديدة اكتفت الجماعة بحضور تمثيلية رمزية لها نظرا لبعد المسافة ولما يتطلبه ذلك مما لا سبيل له في مثل هذه المناسبات إلا التطوع الخاص للأفراد، فلا نتصور أبدا أنه حضر كل إخوتنا في فكيك وبوجدور والعيون وأكادير .. بل حتى في محور القنيطرة  الجديدة لم يحضر كل أعضاء الجماعة وهذا طبيعي جدا نظرا للالتزامات الخاصة.

أما فيما يتعلق برفع اللافتات الخاصة، فذلك هو المتعارف عليه في كل مسيرات العالم، والسؤال الذي ينبغي أن يطرح هو ما المانع في رفع اللافتات الخاصة مع أن ذلك من شأنه أن يرفع من الوزن التنظيمي والسياسي للمسيرة؟

وللتذكير فموقفنا من رفع اللافتات ليس جديدا، فقد طالبنا به مرارا لكن كان الجواب هو التسويف، وكانت تفرض علينا في كل مرة قيود تحدد الشعارات والمواصفات والأشكال بشكل يذوب هويتنا عوض أن يقدر مجهوداتنا، الشيء الذي جعل الإخوة لم يعودوا مستعدين للاستمرار في هذا الحيف فقمنا بمراجعة ذلك، وكنا واضحين كل الوضوح في السكرتارية الوطنية لمجموعة العمل الوطنية لمساندة الشعبين الفلسطيني والعراقي.

+ ما هي الرسالة التي أرادت جماعة العدل والإحسان توجيهها من وراء حشد أتباعها وأنصارها بكثافة للمشاركة في المسيرة؟

الرسالة الأساسية، والهدف الرئيس المتوخى من المسيرة هو التعبير عن تضامننا مع إخوتنا في فلسطين والعراق ونصرتهم والتنديد بما يرتكب في حقهم من تقتيل وتنكيل، فبهذه المسيرة نقول لهم إننا معكم وإننا نقدر جهادكم وتضحياتكم.

ورسالة أخرى أردنا توجيهها بهذه المسيرة لقوى الاستكبار وللصهيونية مفادها أن أمتنا ما تزال بخير رغم كل البلايا والنكبات، وأنها حية لم تمت ولن تموت بإذن الله رغم كل أشكال التكالب عليها، وأنها لا تفتأ تعبر عن إسلامها وعن رفضها لكل أشكال الاستخفاف والاضطهاد كلما أتيحت لها إمكانية ذلك.

أما الرسالة الثالثة فهي إلى حكام العرب، كل حكام العرب، تقول لهم كفاكم تهاونا في حق قضايانا المصيرية، كفاكم خذلانا لشعوبكم، كفاكم خدمة وولاء غير مشروط للاستكبار العالمي، كفاكم اختيارات لا توافق اختيارات شعوبكم.

والرسالة الرابعة للشعوب الإسلامية والعربية من أجل المزيد من التضامن المادي والمعنوي مع إخواننا المسلمين في فلسطين والعراق ومع المسلمين والمستضعفين في كل بقاع العالم.

+ بعض المراقبين والمهتمين أرجعوا نزول الجماعة بكثافة إلى شوارع الرباط إلى كونه مجرد حركة استعراضية وتذكيرية بـ”القوة الهادئة” التي انكمشت على نفسها بعد أحداث 16 ماي. ما هو ردكم؟

باعتبار أننا قوة سياسية واجتماعية فمن الطبيعي أن نكون محط مراقبة ومتابعة من قبل كل المحللين والمتتبعين، ومن الطبيعي أن تعرف مواقفنا وحركاتنا تفسيرات وتأويلات تختلف بحسب خلفيات المحللين ومرجعياتهم الإيديولوجية وحساباتهم السياسية، التي لا ننفي أنها في بعض الأحيان تكون حسابات سياسوية ضيقة، وأعتقد أنه طالما لم ينطلق المحللون من فهم لطبيعة الجماعة، ومن فهم لمنهاجها باعتبارها جماعة عدل وإحسان وليست جماعة عدل فقط، ما لم ينطلقوا من ذلك فإنهم سيحاولون كل مرة إسقاط أحكام، وسيظلون متخبطين في تحليلاتهم وتأويلاتهم دون أن يلامسوا في كثير من الأحيان الصواب.

لذلك فعدم المعرفة بطبيعة الجماعة وبرؤيتها التغييرية يجعل بعض الناس إذا ما لاحظوا قيام الجماعة برباطات ومحطات تربوية يقولون إن الجماعة مالت إلى الدروشة والانعزال وانحصرت وابتعدت عن هموم الشعب وقضاياه، وإذا ما أنجزت الجماعة موقفا سياسيا قالوا إنها تستعرض العضلات أو تريد بعث رسائل أو تعبر عن الخروج من استراحتها، إلى غير ذلك من الكلام الذي لا يليق بالمحللين الموضوعيين المنصفين الذين ينطلقون قبل كل شيء من معرفة طبيعة موضوع تحليلهم.

والذي يتتبع حركة الجماعة عن كثب يلحظ بما لا يدع مجالا للشك أن الرباطات والمحطات التربوية لم تكن غائبة في تاريخ الجماعة منذ تأسيسها، والمواقف السياسية هي الأخرى لم تكن غائبة، وكل ذلك ينسجم مع شعار الجماعة ومع منهاجها ذي البعدين الكبيرين العدل والإحسان.

+ هناك من يعتبر أن أكبر مستفيد من مسيرة الرباط، ليس هو الشعب العراقي والفلسطيني، وإنما الجماعة التي استغلت الوضع (الترخيص للمسيرة) لإحراج الجميع، بمن فيهم حلفاؤها داخل “الحركة الإسلامية” بماذا تعلقون على هذا الوضع؟

أقول مرة أخرى إن الغاية من المسيرة كانت تتمثل في التضامن مع إخواننا في فلسطين والعراق، وأن رسالة المسيرة كانت موجهة إليهم بصفة خاصة ثم إلى كل المعنيين بصفة عامة. ولكم كان فرح وابتهاج الإخوة في فلسطين والعراق بهذه المسيرة، كما سابقاتها، وقد عبرت عن ذلك وسائل إعلامهم.

أما ما دون ذلك فنتركه لاستنتاجات المستنتجين ولتحليلات المحللين، فمن حقهم أن يستنتجوا ما شاؤوا من مشاركتنا القوية في المسيرة ومن تعبئتنا ومن أشكالنا التنظيمية &

+ مهتمون بالحركة الإسلامية المغربية يذهبون إلى أن عودة العدل والإحسان القوية تعكس، على واجهة التنظيمات الإسلامية المغربية، ضعف حزب “العدالة والتنمية” الذي كان يختفي وراء قوة أتباع الأستاذ عبد السلام ياسين؟

هذا سؤال يجب أن يوجه إلى الإخوة في العدالة والتنمية، ويبقى من حق المحللين والمراقبين أن يحللوا ويراقبوا. وللتذكير فنحن لا ننافس أحدا، ولا ننتهز سقطات الآخرين، ولا نية لنا في دخول اللعبة السياسية المدجنة، ومواقفنا بهذا الشأن واضحة ولا تتغير ما دامت الشروط العامة التي كثيرا ما تحدثنا عنها لم تعرف أي تغيير.

إننا جماعة تربوية دعوية نرجو بكل أعمالنا، بما في ذلك المسيرة، التقرب إلى الله والدعوة إلى الله عز وجل، ولا يحكمنا بحمد الله تعالى أي أفق سياسي محدود، ولغيرنا أن يجتهد لكن ليس له أن يقوم اجتهادنا من منطلقات اجتهاده.

+ بموقفكم في هذه المسيرة ألا تسعون إلى ترسيم الفارق داخل الحركة الإسلامية وإنهاء هيمنة العدالة والتنمية عليها؟ وما هو مستقبل الجماعة داخل الحركة الإسلامية؟

ليكن واضحا كل الوضوح أننا حينما نتحدث عن الحركة الإسلامية فالحديث يتجه لحركة التوحيد والإصلاح وليس لحزب العدالة والتنمية، مع أننا نحترم أعضاء الحزب ونقدرهم ولكن في نفس الوقت نختلف معهم في بعض القضايا جملة وتفصيلا.

ونعتقد جازمين أن هذه الحساسيات لا تهمنا ولا تشغلنا، ونعتبر أن الإسلاميين جسم واحد تجمعنا رابطة الأخوة والمحبة. وإذا كنا الآن نختلف بسبب بعض الظروف وبعض الإكراهات ونختلف في بعض الاختيارات فإن المستقبل لابد وأن يؤلف بيننا أكثر. وإذا كنا نتعرض لمناوشات من حين لآخر من بعض إخوتنا فإننا نحرص أن لا يثير ذلك الحزازات بيننا. نعم تختلف الاختيارات لكن لا تختلف القلوب، هذا ما نرجوه.

+ إذا كانت الجماعة تريد، من خلال مشاركتها المكثفة في المسيرة، بعث رسالة إلى الملك محمد السادس (القرار السياسي المركزي)، فما هي دواعي وخلفيات هذه الرسالة؟ وماذا تنتظرون من الملك؟ وماذا سينتظر المغاربة من الجماعة في مستقبل الأيام؟

الرسالة للملك بعثناها منذ مدة، منذ توليه العرش، وتقدمنا فيها باقتراحات عملية كان من الممكن، لو تم التجاوب معها، أن تحدث تغييرا تاريخيا في المغرب، تغييرا نحو نهاية الاستبداد بكل أشكاله، وتكريس الحرية والكرامة لهذا الشعب المقهور المحقور. واختلف معنا الناس وانتقدونا، ولعله الآن بعد مرور خمس سنوات تقريبا على تاريخ بعث الرسالة إلى من يهمه الأمر قد تغيرت آراء الكثير من الغيورين الصادقين في مبادرتنا تلك وفي شكلها ومضمونها وإن كنا نفهم سبب صمتهم وسكوتهم.

الرسالة بعثناها ولا زلنا متشبثين بما ورد فيها، فمشاكل الفقر والبؤس والبطالة والهجرة بكل أصنافها والتهميش ونهب المال العام وتبديد ثروات الأمة وتعطيل كفاءات المغاربة وقتل طموحاتهم بما يمارس عليهم من “حكرة” يوميا في العمل والإدارة والمستشفى وغيرها & لائحة هذه المشاكل التي لا حصر لها لا تحل بخطب مذوية في البرلمان أو غيره، ولا تحل بالقوانين الشكلية، ولا تحل بإجراءات مناسباتية تظهر من حين لآخر تحت تأثير ضغوط معينة.

حل هذه المشاكل لابد له من فعل تاريخي مؤسس، فعل يعبر عن إرادة صادقة في التغيير الجذري للأوضاع، وما دون ذلك في اعتقادنا هو محاولة لشغل الناس بالأعراض دون ملامسة الأسباب الحقيقية لهذه الأعراض، وماذا يعني حذف شوكة من هنا أو هناك مع بقاء جذر الشوكة قائما متجذرا.