نزلت جماعة العدل والإحسان بثقلها التنظيمي خلال مسيرة التضامن مع الشعبين الفلسطيني والعراقي، ليتحدث البعض عن رسالة وجهتها الجماعة من خلال هذا الحضور القوي إلى النظام والمشهد السياسيين، مفادها أن الجماعة ما تزال بنفس القدرة على التأطير والتنظيم الكميين وبالتالي رقما كبيرا يجب أن يحسب له حساب، ما رأيك؟

بسم الله الرحمن الرحيم، إن نزول الجماعة بثقلها في المسيرة التضامنية يوم الأحد الماضي كان الغرض منه أساسا إذكاء روح التضامن مع الشعبين الفلسطيني والعراقي، ذلك لأنه لوحظ في الآونة الأخيرة سكوت مطبق سواء على مستوى الأحزاب والشارع العربي، وكأن هناك تواطؤا على المجازر والمذابح التي تعرض علينا صباح مساء، وبالتالي أرادت الجماعة أن تقول للغرب بأنه إذا كان قد أسكت الصوت الإسلامي عقب ما حدث يوم 11 شتنبر، فإن الصوت الإسلامي مازال حيا ومازالت شرارة الإيمان تتقد تحت الرماد، وأن الأمة ما زالت حية، وعليه أن يحسب حسابه وفق هذه المعطيات.

الأمر يتعلق بحضور قوي في المسيرة عدديا وتنظيميا وهذا معناه إظهار مباشر لقوة الجماعة؟

أؤكد أن الرسالة الأساسية هي التضامن مع الشعبين الفلسطيني والعراقي، غير أن هذا لا يمنع أنه قد يستنبط النظام والأحزاب وغيرهما ما ذهبت إليه، والواقع يؤكد أن الجماعة مازالت حاضرة وموجودة بقوة تنظيمها وكثافتها العددية وهذه أشياء لا تحتاج إلى فراسة خاصة لقراءتها.

وجهت لكم قيادة مجموعة التنسيق الوطني للتضامن مع فلسطين والعراق، انتقادات بصدد عدم انضباطكم للشعارات الموحدة خلال المسيرة؟

لقد حدث مرارا أن الأطراف الأخرى المشاركة في المسيرة لم تكن تلتزم بما يتفق عليه سواء من حيث الشعارات أو حول من يتصدر المسيرة، فمثلا في المسيرة السابقة حدثت هذه التجاوزات، ومن تم ارتأت الجماعة أن تستقل بنفسها في المسيرات المقبلة، وقد أشعرنا مجموعة التنسيق المذكورة في اليوم الثاني بعد إعلان قرار تنظيم المسيرة بأننا سنشارك ولكن على أساس أن يكون كل مكون مستقل بنفسه، بالنظر إلى عدم التزام الآخرين بما يتفق عليه، فمن غير المعقول أن يبقى الواحد نائما حتى الساعة الحادية عشرة صباحا في منزله، ثم يأتي ليتصدر المسيرة، مع أنه ليس له دور لا في الإعداد ولا في التنظيم، ولا امتدادا شعبيا، في حين أن الإخوة اشتغلوا طيلة أسبوع، فهناك من جاء من العيون ومن باقي أقاصي المغرب ولا يؤتى على ذكره حتى في بيان ينعدم فيه أي وجود للحركة الإسلامية وللصوت الإسلامي، إذن لماذا نستعمل نحن دائما كمطية ليركبوا على ظهورنا؟ يجب أن يفهموا أنه لنا وجود، ويمكن أن أقول بأن الخروج القوي للجماعة في المسيرة أنقذ هذه الأخيرة، لو صح التعبير، إذ كان سيكون فضيحة للمغرب أن يخرج في المسيرة عدد لا يتجاوز الألف.

إذن فالأمر يتعلق برسالة قوة الجماعة إلى باقي الأطراف سيما إلى النظام؟

نعم صحيح، إن الجماعة لها قوة تنظيم وبإمكانها تعبئة الشعب، سيما أن الأحزاب توجد في مرحلة الشيخوخة (يضحك).

انتقلت جماعة العدل والإحسان مما أسمته بالقومة ثم إلى الدعوة إلى إصلاح النظام السياسي، وبعد هذين الخطابين جاء صمت لاعتبارات ما بعد 16 ماي، التي أحرجت الجماعة واضطرتها إلى إعلان تنديد واضح، ويبدو الآن أنكم بصدد إعداد خطاب جديد للتعامل مع النظام السياسي وفق المتغيرات والظروف الحالية هل يمكن أن تحدثنا عن الخطوط العريضة لهذا الخطاب؟

إننا ما زلنا في مرحلة الإعداد والتهييء، لأننا لا نريد أن نزاحم الآخرين على الكراسي البرلمانية أو الانتخابات البلدية وغير ذلك، إن مشروعنا أوسع وأكبر من هذا، نحن نستهدف الإتيان ببديل لما هو قائم، وبالتالي نحتاج إلى تنظيم محكم وقاعدة صلبة، أي إلى أناس تعاد صياغتهم من جديد عقليا وشخصيا، إننا نركز على الجانب التربوي، إن مشروعنا طويل المدى، ولا نراهن على الوقت الحاضر لأننا لا نستهدف المغرب فقط بل العالم الإسلامي بأسره.

غير أن البعض تحدث عن قبول الجماعة المشاركة في المشهد السياسي من خلال انتخابات 2007، بل وصرح وزير الدولة في الداخلية السابق إدريس البصري بأنه كان على وشك إدماج جماعة العدل والإحسان، على غرار ما حدث مع حزب العدالة والتنمية، غير أنه لم يطل به العهد في الحكم؟

كانت هناك محاولات من هذا القبيل استغرقت مدة طويلة …

محاولات من طرف من؟

من الدولة.

من بالتحديد؟

وزارة الأوقاف.

ووزارة الداخلية؟

ممكن، كان هناك محامون يتصلون، غير أن الاتصال بنا كان من طرف وزارة الأوقاف أساسا، وانتهت هذه المحاولات بالفشل …

لماذا؟

لأننا لم نرد التنازل عن مبادئنا.

ما هي الشروط التي وضعت أمامكم؟

طلبوا منا أن نقدم رسالة العفو، نحن لا نطلب العفو.

العفو من ماذا؟

هذا سؤال يطرح عليهم وليس علينا، إننا لا نمانع في مسألة المشاركة السياسية ولكن بشروط.

ما هي هذه الشروط؟

إعادة النظر في الدستور، وما فيه من بنود وما يمنحه من صلاحيات، فنحن نتحرك في هامش بسيط جدا بالنظر إلى الدستور الموجود.

تقصد الصلاحيات الواسعة الممنوحة للملك؟

نعم إنها صلاحيات كثيرة جدا.

هل تعني بكلامك الفصل 19 الذي يركز السلطات في يد الملك؟

إن الدستور عبارة عن تناقضات كثيرة، فالفصل الأول مثلا الذي يقر بأن المغرب بلد إسلامي نجد أن الكثير من البنود الموالية فيه تطعن وتتعارض مع الفصل المذكور، إننا نطمح أن يكون الدستور منبثقا عن الأمة والشعب وليس أن يكون ممنوحا، إنه واحد من شروطنا.

وما هي باقي الشروط؟

الشفافية، ذلك لأن جميع الانتخابات على الدستور التي جرت في المغرب ونتائجها الشهيرة بنسب 99,99%، تعتبر مهزلة لا يقبلها لا عقل ولا منطق، لقد كان هناك دائما تزوير، بالرغم مما قيل في كل مرة عن الشفافية والمصاداقية، ليتبين أن هذه الادعاءات والشعارات ضرب بها عرض الحائط، إن المشكل ليس في القوانين بل في الالإنسان المخرب من الداخل، ومادام مخربا داخليا فإنه لا يمكن أن يمارس عملية الإصلاح والتغيير إلى ما هو أفضل وأحسن، إن مشكلتنا تكمن في إعادة بناء الإنسان، لهذا نحن نركز على هذا الأمر، أي إعادة تربية هذا الإنسان حتى يمكن أن نصنع به التاريخ، أما تغيير القانون والحكومة والبرلمان وغير ذلك فلا يفيد شيئا، إن الإنسان بنفسيته وعقليته الملوثين يمكن أن يظهر الحماس حينما يكون خارج الحكومة أما حينما يضع قدميه في المسؤولية فإنه يتخلى عن كل شيء؟

ألا يمكن أن يصدق عليكم نفس القول في جماعة العدل والإحسان، أي إنكم تقدمون خطابا مثاليا، ومن تم ألا يتضمن خطابكم ضمنيا عداوة للديمقراطية وتتحينون فقط الفرصة للوصول إلى السلطة لتحاربوها؟

إن هذا حكم على النيات، بل ورجم بالغيب، اتركونا نمارس الحكم ثم حاسبونا، افتحوا لنا المجال ثم احكموا علينا بعد ذلك، هل نستعمل الديمقراطية للوصول إلى الحكم بغاية القضاء على الديمقراطية أو نحمل هذه الأخيرة شعارا حقيقيا؟ نحن لدينا ملاحظاتنا على فلسفة الديمقراطية التي تنتزع حق التشريع من يد الله وتضعه في يد الإنسان، إن هذا نعتبره فكرا غربيا محضا لا نقول به، غير أن هناك وجوها للديمقراطية نحن مستعدون للأخذ بها مثل التناوب على السلطة وطريقة مرور الانتخابات، إن هذه آليات نقبلها.

هل ستقبلون بالعلمانيين إذا ما جئتم للحكم؟

ولم لا.

بالرغم من أنهم ينادون بضرورة فصل الدين عن الدولة؟

ولو، لقد كان هناك دائما كفار، ومعارضون، وإذا كانت مشاركتهم تنحصر على الفكر دون أن يقوموا بأي فعل فإن الواجب هو تركهم حتى يموتوا ميتاتهم الطبيعية، ونحن لا ندخل معهم في الصراع، نحن لدينا رؤانا في توعية الشعب، ويجب أن يكون المجال واسعا ليطرح كل واحد برنامجه وفلسفته والحكم الأخير للشعب، فإذا قبل الشعب فكرهم فحينذاك سنعرف أننا قصرنا في توعية الشعب وفي بناء الأمة، إن الإسلام لا يصادر رأي الآخرين، والقرآن الكريم يحاور الشباب ويحاور الملاحدة والشرط الإقصائي أعوذ بالله منه ونتبرأ منه.

أعود بك إلى مسألة الاتصال بالدولة مضافا إليها مسألة لقائكم بمسؤولين بالسفارة الأمريكية بالرباط عقب تفجيرات 16 ماي التي نددتم بها علانية، ما هي تفاصيل هذين الأمرين؟

إن هذا لا أساس له من الصحة، إن السفارة الأمريكية استدعت بعض الإخوة لتبرر ما قامت به الإدارة الأمريكية في أفغانستان، كما قدم الإخوة موقف الجماعة في الموضوع، والشعارات التي رفعناها في مسيرة الأحد الماضي أظهرت موقفنا من الظالمين ومن الظلم والعالم الاستكباري، وأننا لا نهادن رغم قوة هذا العالم الاستكباري، بالرغم من أننا لسنا في مستوى مواجهة أمريكا، إننا مشغولون بترتيب بيتنا الداخلي، وإعادة بناء أمتنا من جديد لتتحمل مسؤولية حمل راية الإسلام، كما أننا قدمنا نصائحنا للدولة ومن أنذر فقد أعذر، فقد قدمت الجماعة على لسان الأخ المرشد الرسالة الأولى “الإسلام أو الطوفان” والرسالة الثانية “مذكرة إلى من يهمه الأمر” ونعتبر أننا أدينا واجبنا تجاه الدولة ..

هل ما زالت الجماعة تتبنى لحد الآن مضمون “مذكرة إلى من يهمه الأمر” التي وجهها الشيخ عبد السلام ياسين للملك محمد السادس؟

نحن نجد الآن أن المحاذير التي طرحت في “مذكرة إلى من يهمه الأمر” وتضمنت ما كنا نحذر منه مازال يقع.

مثلا؟

مثل حالة الإفلاس التي وصل إليها المغرب على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما ينذر بعواقب وخيمة وبالخراب وهو ما حذرنا منه، إن شبابنا يموتون في البحار، والفوضى العارمة في المؤسسات ونهب أموال الشعب. إنه الخراب على جميع المستويات.

وما هو الحل الذي تقدمونه للخروج مما أسميته بالخراب؟

إننا نهيء بالنسبة للشق السياسي من خلال دائرتنا السياسية ملفات، فهناك هيئات ولجن متخصصة، ونفس الشيء في المجال الفلاحي والاقتصادي والتعليمي وغير ذلك، أي أننا نقوم بدراسة للواقع ونستعين بما عند الآخرين في نفس المواضيع، وسنطرح في المستقبل القريب برنامجنا السياسي المتكامل الذي يرى أنه يمكن أن يساهم في تغيير الواقع إلى ما هو أحسن.

تحدثت عن رفضكم لفلسفة الديمقراطية وقبولكم بآلياتها، وهذه الأخيرة تتضمن مسألة التداول على السلطة، ألا ترى أنكم تفتقدون لهذه الآلية من خلال بقاء الشيخ ياسين على رأس الجماعة منذ التأسيس إلى الآن؟

حينما انتخب مجلس الإرشاد طرح الأخ المرشد نفسه ليعاد انتخابه فوقع عليه الإجماع، ثم إن هناك فرقا بين هذه المرحلة وما سنستقبله من مراحل، فالجماعة تعيش الآن مرحلة الدعوة ومعناها التربية، وهذه الأخيرة لا تأتي من القواعد بل من الأعلى، فلا يمكن لأي كان أن ينتخب من يربيه، ولكن عندما تنتقل الدعوة إلى الدولة فستكون هناك مسألة أخرى لها قوانينها .. أما الآن فالأخ المرشد هو رمز بالإجماع.

ألا تطرح عليكم مسألة خلافة الشيخ ياسين سيما أنه مسن وثمة حديث عن حالته الصحية .. وهل تسيير جماعة بتم بالشخص الرمز وهو على هذا الكبر والصحة المعتلة؟

إن الجماعة تسير على شكل مؤسسات، والآن الأخ المرشد يتابع أمور الجماعة من بعيد ولا يتدخل إلا في حالات نادرة وملاحظات بسيطة،فالإخوان يعرضون عليه ما قاموا به من أنشطة، لكنه لا يتدخل كما قلت بل يترك المجال للجماعة، ويقول بأنه يجب أن نحارب في صفوفنا العقلية الرعوية، لأن أمتنا عانت معاناة كبيرة جدا من هذه العقلية التي تجعل الزعيم يقبض في يده كل شيء، مثل: هو الأول في كذا وكذا وكذا .. فتربت الأمة على ذهنية القطيع، يجب أن نحارب هذه الذهنية في صفوفنا بالتشجيع على أخذ المبادرة. وإذا قدر الله أن ينتقل الأخ المرشد إلى جوار ربه فالجماعة لها مسطرة وقانون ومنهاج تسير عليها، كل ذلك مسطر ومتفق عليه ويمكن الرجوع إليه.

هل هناك اتصال بالجماعة من طرف الدولة من أجل مشاركتكم في انتخابات 2007؟

ليس هناك اتصال بنا.

ولو بشكل غير مباشر؟

ولا بشكل غير مباشر على حد علمي.

من سيبث في مثل هذه المسألة لو حدثت، هل الشيخ ياسين أم مجلس الإرشاد؟

إذا حدث ذلك فسيتم إخبار الأخ المرشد، غير أنه لحد الآن ليس هناك اتصال بنا.