ما الذي حصل يوم 28 نونبر؟ بصيغة أدق، لماذا لجأت جماعة العدل والإحسان إلى الانفراد بتنظيم مسيرة خاصة بها؟

لقد كان الهدف من اختيار جماعتنا الخروج بلافتات وأعلام وشعارات تبرز هويتها نابعا من تقديرها أنه آن الأوان للخروج من هذا الاستثناء الذي ظلت تعرفه مسيرات المغرب، إذ أن كل المسيرات التي تنظم في مختلف بلدان العالم ترفع فيها أعلام المنظمات والهيئات المشاركة فيها أو الداعية لها.

ولكن لماذا هذا الموقف في هذا الظرف بالذات؟

إن موقفنا هذا ليس جديدا.

لم يسبق لكم أن اتخذتم مثله منذ الإعلان عن تأسيس مجموعة العمل الوطنية لدعم العراق وفلسطين.

صحيح، ولكننا كنا دائما نعبر عن رأينا في هذا الاتجاه. وفي آخر مسيرة، سبقت مسيرة يوم 28 نونبر طرحنا هذا الأمر بإلحاح، ولكن كانت هناك اعتبارات موضوعية دفعتنا إلى التنازل عن موقفنا. ولكننا في هذه المسيرة قلنا كفى ولابد من الخروج فيها بما يعكس هويتنا وتصوراتنا للقضايا التي نظمت المسيرة من أجلها.

ومع ذلك، فإن موقفكم يثير أكثر من علامة استفهام حول حقيقته.

نحن بدورنا نطرح أكثر من علامة استفهام كبرى حول الخلفيات الكامنة وراء الحرص على أن يستمر هذا الاستثناء قاعدة في المسيرات التي تنظم في المغرب فقط. ولمصلحة من يراد تذويب الجميع وطمس هوية الجميع وما الهدف من ذلك. وإذا كان هناك من أسئلة ينبغي أن تطرح، فهي هذه التي طرحتها.

ولكن المثير في ما حصل لم يكن فقط انفراد العدل والإحسان بتنظيم مسيرة خاصة بها، وإنما قوة حضور أفراد الجماعة في وقت غاب فيه ذلك في المناسبات التي عرفتها السنوات الأخيرة.

لقد ظلت مشاركة العدل والإحسان في كل المسيرات التضامنية التي عرفها المغرب متميزة. وإذا كانت السنوات الأخيرة قد عرفت بعض التراجع، فإن ذلك يرجع إلى عزوف بعض المواطنين عن المشاركة ولم يكن مرتبطا بقرار ما. فالمواطنون أدركوا أن تلك المسيرات أصبحت تدجنهم أكثر وتقيد حريتهم في التعبير عما يختلج في صدورهم من مواقف تهم العراق وفلسطين.

هناك من يربط موقفكم هذا بأوضاع أخرى من قبيل أنه إذا كان الحديث قد كثر في الفترة الأخيرة عن ضعف الجماعة، وعن فقدانها لجماهيريتها، فإنكم أردتم من خلال استعراض يوم الأحد إبراز العكس.

لم يكن هذا الاعتبار هو المتحكم في الاختيار الذي اتبعناه خلال مسيرة الأحد الماضي، لأن هذا الاختيار، وكما قلت ذلك سلفا، لم يكن جديدا، فقد عبرنا عنه في اجتماعات مجموعة العمل، ويمكنكم أن تسألوا أعضاء سكرتاريتها، فهم يعلمون ذلك جيدا. إنه لأمر محير حقا أن تثار مثل هذه الأسئلة. فإذا ما سكتت العدل والإحسان تتناسل الأسئلة حول ما وراء هذا السكوت وما الذي تخطط له، وإذا بادرت فإنها تواجه أيضا بالسؤال. وهذا ما يبرز أن تلك القيود الممارسة المقصود بها بالدرجة الأولى جماعة العدل والإحسان وليس غيرها. وما يؤكد هذا الأمر أكثر هو الطريقة التي تصرفت بها وسائل الإعلام في تغطيتها ومتابعتها لمسيرة يوم 28 نونبر، إذ حرصت على التقليل من حجمها، وعلى عدم إظهار حقيقتها. وهذا يقودنا إلى القول إنه إذا كان هناك من يعتبر أن موقفنا تحكمت فيه اعتبارات سياسية، فإن الذي ظهر هو أن إرادة تكبيلنا وتحجيمنا هي التي تحكم فيها الموقف السياسي وليس العكس. وقد تأكد هذا من نوع المتابعة الإعلامية المواكبة للمسيرة.

ولكن خروجكم في مسيرة لم تدعوا لها، ألم يكن فيه نوع من الاستغلال. فإذا كنتم تريدون التحرر مما تعتبرونه قيودا مفروضة عليكم، فلماذا لا تدعون إلى مسيرة خاصة بكم وتفعلون ما تشاؤون؟

لسبب بسيط وهو أن خروجنا بهذه الكيفية في مسيرة 28 نونبر لم تكن الغاية منه توجيه رسالة ما للسلطة، لأنه عندما تكون للجماعة أية رسالة تريد أن توجهها في هذا الاتجاه أو ذاك، فإنها لم تكن تتخفى تحت أية صيغة، بل تفعل ذلك بشكل مباشر ومسؤول. فعندما قررنا تنظيم وقفة 10 دجنبر التي ووجهت بالقمع نظمناها بمفردنا. وكذلك كان الأمر حين تم توجيه رسالة “الإسلام أو الطوفان” أو “رسالة إلى من يهمه الأمر”. إن هدفنا كان محصورا فقط في إيصال صوت التضامن مع الشعبين الفلسطيني والعراقي. ونحن ندرك جيدا أن أنسب صيغة لخدمة هاتين القضيتين هو أن تنزل كل القوى السياسية وغيرها بشكل مشترك، وهذا الإدراك من جانبنا لا يحد منه أن تعبر هذه القوة أو تلك عن هويتها بكل الوسائل التي تؤمن لها إبراز هويتها وتميزها. وهذا من شأنه أن يعطي أكثر من عنوان تضامني للمسيرة، لأننا حين طالبنا بهذا لم نكن نطالب بحق لنا وحدنا، بل اعتبرنا أن هذا حق يجب أن يكون للجميع، مادام الأمر يتعلق بخدمة هذه القضايا العادلة. وخدمة هذه القضايا هي الرسالة الوحيدة، إذا كان لابد من الحديث عن رسائل، التي هدفنا إليها من خلال موقفنا، وهي رسالة موجهة ضد قوى الاستكبار.

ولكن ألم يكن شق صف الإجماع الحاصل داخل المجموعة في غير صالح خدمة هذه القضايا؟

لا يوجد أي مؤشر واحد يبرز إلى أي حد أضر الشكل الذي تمت به المسيرة بالقضية الفلسطينية أو العراقية. فالكم الذي حضر هذه المسيرة كان أكبر بكثير من سابقاتها. وهذا الكم هو أكبر تعبير على أن المسيرة بلغت هدفها الأسمى الذي هو نصرة الشعبين الفلسطيني والعراقي في محنتهما.

هناك من يعتبر أنه كان حريا بكم إذا كنتم تريدون إعادة النظر في أسلوب عمل المجموعة التي أنتم عضو فيها أن تنتظروا تنظيم المسيرة وبعد ذلك يمكن أن تطرحوا موقفكم هذا وتدافعون عنه.

لقد انتظرنا طويلا أن يؤخذ رأينا بعين الاعتبار. وكما قلت من قبل فقد كان هذا هو موقفنا خلال المسيرة السابقة، ولكن لظروف موضوعية أحجمنا عن التشبث به. ولكن عندما بدأنا نلاحظ أن حجم المسيرات أصبح يتراجع وأن عنصر المسؤولية لم يعد هو المتحكم في سلوك القوى المشاركة في هذا العمل، فمن هذا المنطلق قمنا بواجبنا وتحملنا مسؤوليتنا في تعبئة الشعب المغربي لمناصرة إخوانه في فلسطين والعراق.

هناك من يربط بين موقفكم هذا الذي يعتبرونه شقا للإجماع الذي كان حاصلا داخل المجموعة وبين المواقف الأخيرة التي عبرتم عنها داخل هذه الهيأة، حين كنتم تعارضون مقترحات طرحت لتنظيم وقفات أمام السفارة أو القنصلية الأمريكية.

هذه مغالطة كبيرة. فأول وقفة احتجاجية نظمت أمام السفارة الأمريكية حضرها قياديون من العدل والإحسان، أذكر من بينهم الأستاذ فتح الله أرسلان، وكذلك حصل حين نظمت وقفة أخرى أمام القنصلية الأمريكية بالدار البيضاء. وأكبر رد على مثل هذه المغالطة هو هذا الحضور القوي للشعب المغربي في مسيرة مناهضة لما تقوم به أمريكا في العراق وفي فلسطين. وبالمناسبة لابد أن أقف عند الحديث الذي كثر حول شق إجماع المجموعة أو شيء من هذا القبيل، لكي أؤكد أن المجموعة لا تضم أحزابا وإنما تضم أشخاصا لها امتدادات سياسية معينة، وقليل من التنظيمات السياسية هي الممثلة داخل سكرتارية المجموعة. واللافت للنظر أننا عندما نكون نتحدث داخل المجموعة عن مواقف ومبادرات معينة يقال لنا إن المجموعة مكونة من أشخاص ولكن عندما تكون هناك اجتهادات ومبادرات من جانب العدل والإحسان نواجه بالخروج عن الإجماع وضرورة الانضباط لشيء هو غير موجود أصلا.

هل ما حصل خلال المسيرة يعني أنكم اتخذتم قرار مغادرة مجموعة العمل؟

إن ما نحرص عليه هو العمل مع الجميع والحوار مع الجميع في كل ما من شأنه أن يخدم قضايا أمتنا وبلدنا الحبيب. ولذلك حرصنا على المشاركة في كل المنتديات المفتوحة التي نرى أنها تخدم هذه القضايا. وعلى هذا الأساس كان انخراطنا في مجموعة العمل الوطنية لدعم الشعبين الفلسطيني والعراقي، وكان حرصنا على أن تشق هذه المجموعة طريقها نحو الأمام وأن تتقوى وأن تصبح مؤسسة قائمة بذاتها وأن تكون في مستوى التحديات التي تواجهها. لكن بجانب هذا نقول، وبشكل واضح، نحن لسنا على استعداد بأي شكل من الأشكال لأن نكون كما بشريا يوظف وأن يتم تحجيمنا وتدجيننا. فنحن قوة سياسية يجب أن يتم التعامل معنا بنوع من المسؤولية.

من يسعى لتحجيمكم؟

هي جهات متعددة. وهناك من يساهم بجانبها في هذا الأمر، سواء عن وعي أو بدونه.

هل تكون مسيرة يوم الأحد بداية لمرحلة جديدة في حياة الجماعة وقطعا مع فترة الكمون الذي أدخلت الجماعة نفسها فيه خلال السنوات الأخيرة؟

جماعتنا لها خياراتها واستراتيجيتها ولها خطها السياسي الواضح المعالم، وبالتالي فهي لا تجنح نحو ردود الفعل. وإذا كان لابد من بداية يجب الحديث عنها، فهي أن تكون مسيرة الأحد الماضي منطلقا لعودة ذلك الزخم الذي كان قبل السنوات الأخيرة يميز تعاطي الشعب المغربي مع قضايا أمته العربية والإسلامية.

في المرحلة الأخيرة، كان هناك حديث عن التزام الجماعة إعلان تأسيس حزب سياسي، كما كان هناك حديث عن وجود نقاش حول خلافة مرشد الجماعة عبد السلام ياسين. كيف ترون وجود ربط بين موقفكم خلال مسيرة الأحد وهذا النقاش الداخلي الذي تعرفه الجماعة؟

إن الأمر يتعلق بتأويلات وقراءات لا أساس لها من الصحة، لأن موضوع الخلافة مثلا لا يطرح أي ِإشكال داخل جماعتنا، لهذا فهو غير مطروح. وأكثر من ذلك، فإن مثل هذا الحديث ليس فقط عاريا من الصحة وإنما موجها وموحى به من لدن جهة معينة. ما الهدف منه؟ هل الهدف هو إخراج الجماعة من صمتها حتى يتسنى لهم معرفة ما يدور داخلها أم الهدف منه هو شيء آخر؟ نحن لا ندري.

ألم تجيبوا، من خلال طريقة خروجكم يوم المسيرة، عن ذلك؟ وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي طرح من قبل حول رسائل الجماعة خلال هذه المسيرة.

أعود لأؤكد بأن المسيرة لم يكن لها أية أهداف سياسية.

في هذه المسيرة لوحظ أن الجماعة لأول مرة أعطت لخروجها على الساحة شكلا غير مسبوق من التنظيم، بحيث لاحظنا وجود الفروع والقطاعات وكأن الأمر يتعلق بحزب كامل المواصفات. ما السر في هذا الجديد الذي حملته الجماعة خلال هذه المسيرة؟

لقد كانت المسيرات السابقة تفرض علينا طقوسا معينة، لم تكن تسمح بالاجتهاد والإبداع في بعض الأشكال التنظيمية. وحينما أتيحت الفرصة، أبرز الإخوة مشكورين عن هذه الاجتهادات والإبداعات.