إن وضعنا لسؤال بدء الحركة وقيادة الجهاد بحث لمكان وازع السلطان من العمل التربوي. رأينا من أن عراقيل التربية تجتمع في أصول ثلاثة، هي الكثرة العددية المشتغلة بالتنافر والتباغض والكيد المتبادل ضحية للفئة المترفة المستغلة، وهي القلة التي يعيش المترفون بمقتضاها وسببا لها في البذخ، فيكون بذخهم ونهبهم العائق الأول لتدبير معاش كريم يحرر الرقاب الكثيرة من كفر الفقر، وهي آخر الأمر وأوله ووسطه الخلط الثقافي والفتنة العقدية التي يجرها ذيلا من أذياله.

فأولئك جميعا مسخ مثلث، مسخ قدري قوامه التقليد ومظهره الطيش اللاهي، ومسخ خنزيري قوامه الدوابية التي انحدر إليها مترفونا ومظهره بطون مكتظة بالحرام تلعنها بطون خاوية ملايين، ثم المسخ الطاغوتي بمقتضاه يستعبد بعضنا بعضا ويلعن بعضنا بعضا وبأسنا بيننا شديد، قلوبنا شتى فلا تطلع الإيديولوجية بجديد.

ضغط المحرومين وثورة الأجيال الشابة مناط الثورية المحررة حسب ناموس الإيديولوجية. وإن هذا الضغط وهذه الثورة لمظهر من دفع الله الناس بعضهم ببعض، وهو دفع جدلي كما تعبر الفلسفة، ولولاه لفسدت الأرض. ونرى أثر هذا الضغط مضافا لأثر الضغط الخارجي يجعل كثيرا من قادتنا يلفظون بالإسلام ويتبارون في عرض شعاراته. إنهم يفعلون ذلك إجابة عن الضغط العام وتعبيرا بالكتابة عن فشل الاشتراكية في دار الإسلام. فهل هؤلاء هم الربانيون الذين نريدهم ليعيدوا الإسلام للمسلمين ويربوا أجيالهم على الإيمان والإحسان؟

عراقيل التربية الإسلامية تتلخص في التدهور والتخلف الاقتصادي والمسخ الثقافي، ولا تبدأ حركة التغيير إلا إن أمسكت دفة الحكم يد مومنة تستبد ولا تعجز. وهذا فرق ما بين السلطان المغير والسلطان المتدهور. قادتنا إن لفظوا بالإسلام وقرأوا على الناس القرآن فكلام من كلامهم وجزء من خطاباتهم السياسية. والسياسة مذهب جاهلي في مسك السلطة وتصريفها والاحتيال عليها بطشا أو كذبا في غالب الأحيان. قادتنا لهم إرادة سياسية وأساليب سياسية وأهداف سياسية كلها تنظر لجمهور الراضين والساخطين ناخبين كانوا في ظل الديمقراطية وزمهريرها أو راتعين في جنة الاشتراكية بل جحيمها. والربانية إرادة مومنة تنظر إلى الله بالقلب المحسن وإلى الناس بالرحمة والمودة والرفق المربي.

يريد الإسلام لانبعاثه ربانيين يبدأون الحركة. رجال ينقلون من فتنتهم لمنهاج ربهم وينتقلون من ترفهم ليقتحموا عقبة خلاصهم. لا ينبرون لحمل شعارات الإسلام خدعة سياسية ولا حتى بديلا عن مذهب فاشل، لا يتحركون بوازع خارجي بل يتحركون مبادأة بإيمان بالله متجدد، ويقطعون أسباب ماضيهم تائبين إلى ربهم. يخرجون من الأثاث والقصور ويجلسون في خيمة الجهاد وفي مساجد المسلمين شاهدين بوحدانيته، منسلخين عن أنانيتهم. أولئك إن بدأوا التغيير بأنفسهم كانوا خليقين أن يلحقوا بالأئمة المجاهدين المجددين أمثال عمر بن عبد العزيز ولي الله وناصره وصلاح الدين وابن تاشفين ومحمد الفاتح والملك الصالح عالمكير. ذاك موكب الصالحين المجاهدين التائبين، وما كانوا إلا لأنهم صحبوا رجال الدعوة وذكروا الله حتى خرجت الدنيا من نفوسهم. فلما تغير ما بأنفسهم غير الله بهم حال المسلمين وربى بهم أجيالا من المومنين.

رجال نفتقدهم، لا يعجز ربنا أن يبرزهم من صفوف النواصي الخاطئة الكاذبة على كراسي الحكم أو يبتعثه من سواد هذه الأمة الخصبة غير العقيم.

فإذا برزوا وأعطوا برهان صدقهم بأن طرحوا ماضيهم وأحمالهم، ثم أعطونا برهان كفايتهم القيادية طبعا مستقرا وفكرا وعلما وعزيمة ماضية وربانية رفيقة، حق لنا أن نسير في ركابهم وينبعث من الأمة ربانيوها باستبشار ثم سائر المسلمين دخولا في طاعة الله ورسوله. وعندئذ تؤول إليهم مقاليد الأمر، فأول واجبهم أن يمارسوا الربانية تربية رفيقة، وأول الرفق أن يضعوا الحقائق في نصابها فيكونوا أصحاب الرأي المستقل لا تهزمهم هيعة ولا تضعفهم ميعة.

ربانية القائد المجاهد أن يمارس وظيفته مربيا للأمة، ولا تربية إلا بإزاحة العراقيل، عرقلة الكثرة الفقيرة بإشفاء العدل والخير، وعرقلة المسخ الثقافي بفرض وجهة مسلمة. إن ربانيته لن تستطيع اقتحام العقبة إلى قلوب الناس وعقولهم إلا إن أعطاهم الخير وأفشى العدل، وإنه لن يستطيع أن يفعل شيئا من ذلك إلا إن استبد بالتوجيه التربوي استبداد الخلفاء الراشدين.

الاستبداد التربوي له نماذج في الثورات، المعاصرة منها والغابرة، نتائجه وأسبابه أن الأمة منحلة سائبة يستحوذ فيها على الإرادة السلطانية رجل قوي فيحول الأمة تحويلا كاملا. كان ستالين نموذجا للاستبداد القهري العنيف لتربية من نوع خاص تربية زاجرة قاتلة، لكنها فعالة من حيث النتيحة الصناعية لا الإنسانية.

ونموذج التسلط الإرادي لا يصلح عليه حال في دار الإسلام أبدا، وآية ذلك أن استبداد مصطفى كمال الملحد الكافر ما أصلح أمة المجاهدين في تركيا بل عاث فيها فسادا، فساد كفره وزندقته وإلحاده وفساد مبادئه الحركية وإديولوجيته السياسية التي عارضت عقيدة الأمة فانكسرت على نصال المقاومة المومنة، وقد آن أن يستأصل الله جذورها فينبعث المجاهدون في دار الإسلام بتركيا لفرحة الإسلام غدا.

الاستبداد التربوي الرباني لا يعني أن يحكم القائد المجاهد بهواه، لأن شريعة الله سنت لنا المنهاج وشرعت لنا الشورى بين المسلمين وشرعت لنا الاجتهاد والأخذ بالإجماع فيما يعرضنا من أمور الأمن والخوف. ويعني هذا الاستبداد صرفا عازما ماضيا لسلطان الحكم في إنهاض الساقط وإقامة المعوج ومحق المخلفات الجاهلية. ولا يعني الاستبداد التربوي كنس الناس ومحاكمتهم بل يعني فتح باب التوبة المؤدي للطاعة تدريجيا مع رد المظالم وإفشاء العدل.

هذا الرفق الملازم للاستبداد التربوي ضمانة للسير على المنهاج في بعث الأمة من فتنتها، وهذه الربانية في القائد المجاهد ضمانة أن لا يصبح البعث الإسلامي قضية يناط حلها بالإجراء الإداري بل بها يكون البعث قضية تربية أولا وقبل كل شيء، قضية يتضافر على نصرها عاملان : هما وازع السلطان ووازع القرآن.

أمامنا نماذج التجديد الثوري الشيوعي، فبعد معارك لينين النظرية منها والعملية التماس لصيغة تنظيمية متجددة تشخص معنى الثورية المستفيدة على مر الأحقاب من معارف الإنسان في ممارسته لمشاكل الطبيعة ومشاكل المجتمع، هبطت التنظيمات في روسيا وهي هابطة غدا في الشيوعيات الأخرى إلى استبداد جهاز. إنها الآن ثورية جهازية حدودها إرادة الطبقة الحاكمة ومعيارها اجتهاد القيادة المركزية.

تطور الحركة المجددة إلى جهاز مغلق على نفسه ظاهرة في تاريخ البشرية عامة. ومن الانغلاق الجهازي يتحول الاستبداد المربي إلى استبداد مصلحي في خدمة الطبقة الحاكمة. على هذا الدرب سارت كل الدول التي دالت مهما كان صدق مؤسسيها ومهما كانت المنظومة الفكرية التي سارت على هديها. ما وصف ابن خلدون وما وصف غيره من فلاسفة الاجتماع والتاريخ إلا هذا التطور الهابط. وإن ربنا عز وجل علمنا أن قانونه الكوني الحاكم في شؤون من يريد إهلاكهم هو ظهور الطبقة المستكبرة المترفة تفسق في القرية فيحق عليها قول الله.

الربانية إن ذكرنا مقوماتها قائمة على إخلاص الوجهة للرب العلي ثم هي رفق في التربية تربي بصغار العلم قبل كباره. فمن حيث إخلاص الوجه لله تعالى يكون الرباني راعيا لخلق الله خليفة له مراقبا خائفا من سطوة مولاه وسيده، ومن حيث التربية بالرفق والعلم صغاره قبل كباره يكون الرباني مربيا في كل حالاته، مربيا بمثال سلوكه مربيا بكلمته مربيا بفكره.

سيأتينا في طريق الإسلام غدا الرباني، فلا يكفي أن يستبد بالتوجيه التربوي لتؤدي الربانية وظيفتها الحيوية، بل لا بد أن يجتهد ليشركه في الأمر ثلة من الربانيين على مثال روحانيته وخلقه وعلمه. هؤلاء هم رجال الدعوة وتعاونهم مع القائد المجاهد نسميه ثنائية بين الدولة والدعوة ، ثنائية وظيفية إذ يربي القائد بوازع السلطان أكثر شيء ويؤسس على صولته تربيته، ويربي رجال الدعوة بوازع القرآن أكثر شيء وبتعاونهم مع القائد المربي يجمعون سلطان الوازعين.

المومنون المحسنون رجال نبذوا الدنيا فلا سلطان لها عليهم، الأمر هكذا نظريا، أما عمليا فإننا أولا لا يمكن أن نعرف المومن المحسن من كثرة صلاة وقيام لكن نعرفه ببرهان الصدق يثبته لنا كل يوم وكل لحظة، وإننا ثانيا نعلم ضعف البشر فهم غير معصومين. وليس ثمة ما يجعلنا في أمن من أن تتحول جماعة الربانيين جهازا مستبدا، لهذا يلزم أن ينظم هذا الاستبداد التربوي وهذه الربانية تنظيما يفتح عملهما على الغاية الإحسانية بداية ونهاية.

ففي البداية نحن تائبون من فتنة ومن مسخ، فمن المحسن منا ومن الرباني ؟ ولا شك أن التطوع سيكثر طلابه بالعقلية الموروثة عقلية التسارع إلى النجعة ومظنة الجاه والمال. وهنا الامتحان لنعرف الصادق والكاذب والمحسن في بدايته ! فلا يكفي أن يعلن المرء استعداده للتطوع لنصدقه ونقلده وسام الربانية، كلا ! بل لا بد أن يتجرد لسلوك جماعي قوامه المحبة والطاعة والبذل والصدق، وهذا التجرد يجب أن نراه سمتا في شخصه ويجب أن نراه خدمة دائمة للمومنين ولقضية المومنين. ثم هو بعد هذا لا يرث صفة الربانية حقا مسرمدا، ومتى أحب أن يخدمه الناس أو كف عن خدمة المسلمين فقد بدت آثار الاستكبار ويحق عليه وحده القول فتلك نهايته.

من أي الآفاق يجيئنا الربانيون ؟ أما الرباني الأول فيأتي من عند الله القادر القوي على طريق الطلب القلبي لا على طريق التبرير السياسي لسعي فاشل. ومن هذا المصدر نفسه يأتي الربانيون. إن النخبة الظاهرة بمعاييرها المفتونة هم هؤلاء المثقفون الذين يملأ بعضهم أرض الإسلام فسقا واستكبارا ويملأها الآخرون صراخا وغيظا ويتروى الآخرون في تفاهة وظيف معبود أو في مسجد الحوقلة.

هؤلاء جزء من الأمة الحاملة بجنين الربانية، من أحشاء هذه الأمة يخرج الله عباده المصطفين. والناس كما طبعهم الله ثلاثة، إما خامل منـزو، وإما منبعث عن حافز باطني إما يطلب حقيقة وجوده فيهديه الله للإسلام أو طائش مع تيار الهيعة الجاهلية وثالث يتبع ويقلد ويدخل فيما يدخل فيه الناس.

شبيه بهذا ما فصله باحث اجتماعي أمريكي في سياق تصنيفه للناس في مجتمع الجاهلية المتطورة. فعنده طائفة المتحركين بحافز الحفاظ التقليدي “TRADITION DIRECTED”، وطائفة يتحركون بحافز باطني مرده للتربية وهم المجددون الدافعون للحركة الاجتماعية “INNER-DIRECTED”، وطائفة التابعين الذين يدخلون فيما يدخل فيه الناس “OTHER -DIRECTED” .

إذا طابقنا هذا التصنيف مع واقع الطبقية المفتونة في مجتمعنا الموروث. وجدنا أن السابقين القادرين على حركة مستقلة لن يأتوا من طبقة السياسيين المثقفين فهؤلاء أساتذتهم يهود أوربا وزعماء الصين، ولن يأتوا من طبقة ديدان القراء المبررين “للإقطاعية الإسلامية” أو “الإسلام الاشتراكي”. ولا يبقى بعد هؤلاء إلا صنفان من الناس، مستضعفون عاقهم الطاغوت عن تبليغ رسالة ربهم وعاقهم فساد البيئة عن ممارسة دعوتهم لخلو الميدان من الوازع الثاني، وآخرون من شبابنا أعطوا ثقتهم لطبقة المحترفين للثورة فاغتاظوا بصدق وألحدوا في دين الله لما علمهم المحترفون أن الإسلام هو ظلم وأن السجن هو المصحف والعمامة.

المستضعفون في الأرض من عامة المسلمين رجال ونساء وقاهم الله شر الفتنة فعاشوا في القلة والفاقة ولم يترفوا في مال وجاه، ومن كان له منهم سيطلب جاه ومال وقاه الله بعزة في نفسه أن يكون مع الأرذال. هؤلاء تكمن فيهم قابلية الربانية خاصة في أبنائهم من الشباب المثقف الذي لا ينتظر إلا أن يزاح عنه طلسم التقدمية الذي سحرهم به كهنة الاحتراف الثوري. وسيكون من المستضعفين ورثة ربانيون، ومن قلوبهم أن تطهروا بالتوبة والتزكية وذكروا اسم الله وصلوا مخبتين تفيض نورانية الإسلام على الفضاء الإسلامي وعلى وجه الأرض القاتم بجاهليته. إن في بلاد المسلمين طائفة العلماء، سموهم علماء الدين منذ انفصل الناس عن الدين. هؤلاء العلماء نخبة الأخيار يختفي في صفوفهم فسقة فجرة كما يختفي الخبث في الحديد قبل أن تصهره النار. وفي صفوفهم عقلية الإسلام الفردي ويأس الزاهدين وانتظار قيام الساعة لفساد الوقت، إنهم حملة العلم النبوي الذي هو العلم الحق لأن به يدرك الإنسان كماله ويعلو من دوابيته التي تخدمها العلوم التجريبية التي نؤلهها ونعير بها علماء الملة.

علماء المسلمين يكونون جهازا مغلقا يحمل في طياته أسباب عدم صلاحيته لحمل رسالة الربانيين إلا بشرط انفتاحه. إنه جهاز مغلق وراثة من عصور كان فيها طائفة العلماء طبقة اجتماعية إدارية، وإنه ازداد انغلاقا منذ طغت الفتنة وخلف أجيال المسلمين رهط من عباد الديمقراطية والاشتراكية.

كان في دولة آل عثمان علماء موظفون يشكلون جهاز مغلقا إن لم يكن حاكما فهو في خدمة الحكم. ولم يؤثر عنهم أثر يذكر في الاجتهاد المجدد وإنما كانوا يتكيفون بحاجات الدولة ويغيرون أشكال الفقه ولا يجددون به حياة. فلما تسلط المارق مصطفى كمال على دولة الإسلام عذب العلماء تعذيبا مرا وأهانهم إهانة الجبابرة الأنجاس. وكان ذلك الهوان منبها للعلماء وعاملا في هدم الجهاز المغلق. فعز العلم وسرت فيه الحياة وهو في استخفائه، وعز بالعلم الإيمان، وتجمع حول العلماء مستضعفو الأمة وشبابها فارين من وجه الشرك الكاسح.

وعامة العلماء في دار الإسلام رجال أبرار إذا استثنينا من ذكر وقد يكون الاستثناء قاعدة الانتخاب غدا في يوم الإسلام. لن نسأل علماءنا ما فعلوا بالإسلام في اليوم الغابر، لكن نطلب إليهم التوبة مع التائبين، ونسألهم أن يضيفوا إلى ربانية العلم بصغار الدين وكباره ربانية التقوى والرفق والخدمة، ونسألهم أن يعطونا كل يوم برهان صدقهم بحيث نراهم علماء عاملين، علماء عمالا قائمين بالخدمة. فإن فعلوا فهم الربانيون بحق ورثة الأنبياء وهم عماد الأمر كله.