رحبت الولايات المتحدة الأمريكية بقرار الحكومة المغربية، المتعلق باستضافة الدورة الافتتاحية “لمنتدى المستقبل”. وأصدرت خارجيتها بتاريخ 10 نونبر 2004 بلاغا كشفت من خلاله عن إعلان الحكومة المغربية، الذي لم يقتصر على دعوة الاستضافة بل تعدى ذلك إلى التعبير عن التطلع للاشتراك في رئاسة الدورة الافتتاحية للمنتدى، وإبداء رغبة أكيدة للمشاركة في دورات أخرى مستقبلا…

والذي يعرف حقيقة الحكومة المغربية دستوريا وواقعيا يدرك بسهولة أن الأمر لا يتعلق بمبادرة ذاتية، وإنما هي إملاءات، من المؤكد أن الجهة التي أملتها لم تكن في حاجة لاستعمال أي ضغط، لسبب بسيط هو أن الحكومة لا تعير أي اهتمام لمآل قراراتها، هذا إن كان لها قرارات، ولا تتوخى بأي حال من الأحوال التعبير عن اختيارات المغاربة.

فماذا عن هذا المنتدى؟ وماذا عن سياقه وأهدافه؟

“منتدى المستقبل” واجهة من واجهات “الشراكة من أجل التقدم ومستقبل مشترك مع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” بالإضافة إلى واجهات أخرى تتمثل في برامج التعاون بين الدول المتقدمة والدول النامية، بعبارة أخرى هو آلية للحوار بشأن إصلاح المنطقة العربية يشارك فيه وزراء الخارجية والاقتصاد بالمنطقة ووزراء من مجموعة الدول الثماني بالإضافة إلى بعض الهيئات المدنية … هذا ما يستفاد من نص خطة: “إصلاح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” التي قدمت للتدارس في قمة مجموعة الدول الثماني التي انعقدت بـ”سي آيلاند” بجورجيا بالولايات المتحدة الأمريكية خلال يومي 9 و10 من شهر يونيو 2004.

والذي يطلع على تلك الخطة قد تستهويه عباراتها، وما أعلن فيها من نوايا، خاصة حينما يستحضر الواقع العربي المتردي على مختلف الأصعدة.

فهي خطة تعلن الرغبة في إصلاح المجال السياسي، بتحقيق التقدم نحو الديمقراطية وحكم القانون، ووضع ضمانات فعالة في مجالات حقوق الإنسان والحريات الأساسية.. وإصلاح المجال الاجتماعي والثقافي من خلال تعليم للجميع، ومساواة بين الرجال والنساء، وتشجيع تحصيل التقنيات المعلوماتية العالمية، والعمل على خفض الأمية… وإصلاح المجال الاقتصادي بإحداث مناصب للشغل، وتهيئة مناخ يشجع القطاع الخاص، وتوسيع الاستثمار، وضمان حقوق الملكية، وحفز الشفافية ومحاربة الفساد، وتشجيع التجارة الإقليمية البينية…

والخطة كما يعلم الجميع هي من اقتراح الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت تسميتها الأولى تنص على “الشرق الأوسط الكبير” قبل أن تتحول إلى “الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”.

وقد عرف المشروع في صيغته الثانية تعديلات، بسبب ما أحدثته الصيغة الأولى من ردود فعل في الأوساط العربية الرسمية وغير الرسمية وإن اختلفت الدوافع. فمن يحكمون رأوا في ذلك بداية انقلاب أمريكي عليهم، وبعض الهيئات السياسية والمدنية رأت في المشروع هيمنة جديدة على المنطقة، لذلك عمل أصحاب “وثيقة الشرق الأوسط الكبير” على تجاوز أخطاء الصيغة الأولى، وإن تعلق الأمر بالألفاظ والعبارات ليس إلا.

فغيروا اسم الوثيقة، وأشاروا إلى أن الإصلاح يكون من الداخل وليس من الخارج، ولابد من مراعاة البعد الزمني في ذلك، واستحضروا الصراع العربي الإسرائيلي، وإن لم يكن الأمر بالتزامات واضحة ومحددة، وركزوا في خطابهم على الحكومات ورجال الأعمال والمجتمع المدني، ووظفوا الخطاب العربي للإصلاح، هذا الخطاب الذي تضخم كثيرا في شهور قليلة، ردا على الوثيقة الأمريكية أو مسايرة لها، فكانت الوثائق الرسمية، مثل “وثيقة العهد بين قادة الدول العربية” التي أعدها وزراء الخارجية العرب والتي كان من المزمع تقديمها لقمة تونس، التي لم تنعقد، و”الوثيقة المشتركة بين السعودية ومصر” التي حظيت بتأييد سوريا .. وكانت الوثائق غير الرسمية، من قبيل وثيقة الإسكندرية المنبثقة عن “مؤتمر قضايا الإصلاح العربي” الذي أقيم بمكتبة الإسكندرية في مصر من 12 إلى 14 مارس 2004، ووثيقة صنعاء وغيرها…

وبالإضافة إلى الشمولية في التحليل، وإلى الانطلاق من الواقع العربي، والتفاعل الإيجابي مع الخطاب الرسمي وغير الرسمي، فإن الخطة قد تستهوي من يقرؤها أيضا بما أعلنته من أهداف واضحة ومحددة كهدف تدريب 100 ألف معلم، وتزويد 250 ألف شاب بفرص تدريب قبل نهاية سنة 2009. قد تستهوي من يقرؤها خاصة إذا كان هذا القارئ من المتتبع لخطابات حكام العرب التي ليست إلا نفخا في الهواء وإشارات هراء وخواء وغباء…

ومع كل ذلك فإن أمتنا العربية والإسلامية لن تحرم بإذن الله من الأذكياء والغيورين الأوفياء، والعالمين العاملين الأتقياء، الذين يقرؤون ما بين السطور ويتبصرون حقيقة الأمور.

درس من دروس الاستعمار الذي اكتوت بناره أمتنا ينبؤنا أن النوايا المعلنة أحيانا لا تكون إلا لتمهيد الطريق لتحقيق الأهداف المبطنة. ألم تكن شعارات التحديث والإنقاذ من التخلف حجة المستعمر في إذلال العباد ونهب خيرات البلاد!؟

هكذا، وباستحضارنا لواقع الهيمنة الأمريكية، ولأفعال المستكبرين الشنيعة في فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان، تلك الأفعال التي تعبر عن حقيقة الإرادة الأمريكية وإرادة حلفائها. وباستحضارنا كذلك لذلك الدعم غير المشروط للكيان الصهيوني والدفاع عن جرائمه نستخلص حقيقة تلك الخطة، والحقيقة في عالم الشهادة ما ترى لا ما تسمع.

ثم ما الذي جعل الآخر يهب فجأة لإصلاح أوضاعنا المتردية منذ عقود؟ ما الذي استجد؟

إن المستجد الذي ملأ الدنيا هو هذه الحرب ضد ما سمي بـ”الإرهاب” والتي تحولت إلى حرب ضد الإسلام وقيم الإسلام وشعوب الإسلام، هذا الخطر الذي فزع منه هنتغتون وأفزع به أمريكا وجيشها وحلفاءها لمحاربته.

إن الأهداف الحقيقية لمنتدى المستقبل بصفة خاصة، ولخطة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بصفة عامة تتمثل فيما يلي:

أولا: الإدماج التدريجي للكيان الصهيوني في الوسط العربي والإسلامي، ولعل مشروع الشرق الأوسط الكبير يذكرنا بمشروع “السوق الشرق أوسطية” الإسرائيلي الذي تم الترويج له في بداية التسعينات.

وإذا كانت خطة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لا تنص على ذلك صراحة فإن ذلك لا ينفي أن يكون إدماج الكيان الصهيوني، أو على الأقل التطبيع معه، هدفا متوخى من دورات الحوار لمنتدى المستقبل.

ثانيا: التعتيم على الجرائم البشعة والمجازر الوحشية التي ترتكبها أمريكا وحلفاؤها في الفلوجة والموصل وباقي المدن العراقية، وكذا في أفغانستان وغيرها…

ثالثا: حفظ ماء وجه الولايات المتحدة، خاصة بعد عدم العثور على أسلحة دمار شامل في العراق، فبهذه الخطة توهم أمريكا العالم أنها احتلت العراق للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي وليس لشيء آخر، وهيهات هيهات أن تنطلي الحيلة ونحن نسمع ونرى حقيقة نهب البترول العراقي.

رابعا: الزج بالحكام والحكومات العربية في مواجهات عنيفة مع معارضيها، خاصة الإسلاميين منهم، بمبرر محاربة الإرهاب ومحاصرته.

خامسا: تحقيق تنشئة اجتماعية في الوطن العربي تصب في مصالح أمريكا وإسرائيل، وذلك عبر تغيير مناهج التعليم، وتشجيع بعض هيئات المجتمع المدني في اتجاه نشر ثقافة استهلاكية تستهلك كل مظاهر الأمركة، ومن شأن ذلك أن ينتج مواطنين لا يغضبون على أمريكا، ولا يعارضون مصالحها، وما قيل عن الولايات المتحدة يقال عن حلفائها، وفي مقدمتهم الحليف المدلل “إسرائيل”.

إن معطيات الواقع تؤكد هذه الأهداف، وإن التاريخ يؤكد، بما لا يدع مجالا للشك، أن الإمبراطوريات الاستعمارية لا تمنح بيد إلا لتأخذ الأضعاف المضاعفة  لما تمنحه- باليد الأخرى.

من كل ما تقدم يتبين أن “منتدى المستقبل” لا يسهم في إصلاح أوضاعنا المغربية والعربية بل على العكس من ذلك تماما وإن اقتضى الحال أحيانا تقديم بعض المساعدات بسخاء أو التلويح ببعض الوعود للمساعدة في إيجاد حلول لقضايا مصيرية.

وكان حريا بدولة تهرول للمشاركة في حوار خارجي حول الإصلاح أن تسمح بحوار داخلي يلم الجهود كل الجهود ويدعمه المغاربة كل المغاربة. حوار يؤسس لنهضة حقيقية يشارك فيها الجميع من أجل الجميع إلا من أبى. ومن ربط مصالحه الشخصية أو الفئوية بمصالح أمريكا وحلفائها بعيدا عن مصالح أمته ووطنه فقد أبى.