مكانة الدعاء من الدين

الدعاء مخ العبادة، ويتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة. ودعاء المسألة هو ما تضمن سؤالا أو طلبا، ودعاء العبادة هو الذي يشمل جميع القربات الظاهرة والباطنة. وبهذا تكون جميع العبادات مندرجة في الدعاء. فيا أخي، لو لم يكن للدعاء من الفوائد إلا قربك من مولاك تعالى لكفى، فكيف وللدعاء من الفوائد والبركات الشيء الكثير. قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي وأحمد وابن ماجة: “ليس شيء أكرم على الله عز وجل من الدعاء”.

دعاء حملة العرش للمؤمنين

ومادام الإنسان قاصرا عن أن يعرف مصالحه، فإن الله عز وجل أرشده إلى أدعية في القرآن وأخرى في السنة النبوية، ومن الأدعية القرآنية دعاء الملائكة عليهم السلام للمؤمنين الصالحين، وهو تعليم لنا جاءنا من الله تعالى على لسان حملة العرش، لندعو للمؤمنين، قال تعالى في سورة غافر: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم يؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا، ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم، ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم) الآيات 7-9.

بما ندعو؟ ولمن ندعو؟

ومن رحمة الله تعالى بخلقه أنه علمهم كيف يدعونه كما علمهم كيف يعبدونه، وخير الدعاء هو ما كان بكلماته سبحانه، فهو خير دعاء نتجه به إلى الله عز وجل لأنه من الله إلى الله.

ومما أرشدنا إليه القرآن الكريم أن ندعو لأولئك الذين سبقونا بالإيمان بدءا من أبينا آدم وأمنا حواء عليهما السلام، ثم الذين أوصلوا إلينا هذا الدين القويم لأننا قد علمنا ديننا منهم وأخذنا من سيرهم القدوة. لقد كانوا أمناء في البلاغ، أمناء في العمل، أمثلة بارزة وهادية في العمل الخالص من أجل الدعوة. لذلك يعلمنا الحق عز وجل كيف ندعو لهم بقوله سبحانه من سورة الحشر: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) الآية 10.

دعاء الرابطة والصحبة والجماعة

ما سماه الشيخ حسن البنا رحمه الله ورد الرابطة إنما هو تجسيم وتطبيق عملي لعقد الأخوة بين المؤمنين. ونرى دعاء الرابطة ضروريا لربط المؤمنين في جماعة. فإذا سرى معنى الربط بتكرار المجالسة، وتكرار الوقوف بين يدي الله في الصلاة، والعمل المشترك، والدعاء الرابط، التقت الصحبة بالجماعة ولم تكن الجماعة شكلا ولا الصحبة صحبة انفرادية.

ثمرة دعاء الرابطة

وبهذا الدعاء يشعر المؤمن بانتمائه إلى الموكب النوراني  موكب الإيمان والجهاد- من لدن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، فيدخل الداعي في بركة أمة الخير التي تولاها الله عز وجل، ويزداد صلة إيمانية ومحبة بمن يدعو لهم عن ظهر غيب من إخوته. وفي التشهد تعليم كذلك للمؤمنين دعاء الرابطة، إذ ندعو لكل الصالحين فنقول: “السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين”، والذي يقول فيه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “فإذا قالها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض” أخرجه الإمام مسلم.

الدعاء لإخوتك من حسن الخلق

وعلى نهج القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة صار الصحابة رضوان الله عليهم، فكان بعضهم يدعو لبعض عن ظهير الغيب بل في جوف الليل، واعتبروا ذلك من حسن الخلق لأنه دليل على صفاء القلب من الغل لإخوانه ومحبته لهم، روى البيهقي في شعب الإيمان أن أم الدرداء قالت: “بات أبو الدرداء ليلة يصلي فجعل يبكي وهو يقول: “اللهم أحسنت خلقي فحسن خلقي” حتى أصبح، فقلت: “يا أبا الدرداء ما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حسن الخلق”، فقال: “يا أم الدرداء إن العبد المسلم يحسن خلقه حتى يدخله حسن الخلق الجنة، ويسيء خلقه حتى يدخله سوء خلقه النار، وإن العبد المسلم ليغفر له وهو نائم”. قال: فقلت: “يا أبا الدرداء!” قال: “يقوم أخوه في الليل فيتهجد فيدعو الله عز وجل فيستجيب له ويدعو لأخيه فيستجيب له فيه”.

الدعاء للمؤمن عن ظهر الغيب مستجاب

وكان الواحد منهم إذا لقي صاحبه سأله الدعاء وخصوصا إذا كان مسافرا إلى أقدس بقعة مكة المكرمة. أخرج مسلم وأبو داود عن صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف وكانت تحته الدرداء قال: “قدمت الشام فأتيت أبا الدرداء إلى منزله فلم أجده ووجدت أم الدرداء فقالت: أتريد الحج العام؟ فقلت: نعم. فقالت: فادع لي بخير فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل”. قال: “فخرجت إلى السوق فلقيت أبا الدرداء فقال لي مثل ذلك يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم”.

وأخرج الترمذي وابن ماجة وأبو داود واللفظ للترمذي وقال: حسن صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمرة فقال: “أي أخي أشركنا في دعائك ولا تنسنا”.

وأخرج ابن حبان في صحيحه والبزار في مسنده عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “لما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب نفس قلت يا رسول الله: ادع الله لي”. قال: “اللهم اغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخر وما أسررت وما أعلنت”. فضحكت عائشة حتى سقط رأسها إلى حجرها من الضحك فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أيسرك دعائي؟” فقالت: ومالي لا يسرني دعاؤك. فقال صلى الله عليه وسلم: “إنه لدعائي لأمتي في كل صلاة”.

الدعاء على أي أساس؟

إلا أن الدعاء لا يكون مستجابا إلا بالعمل الصالح مصداقا لقوله تعالى في سورة آل عمران: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب).

وإلى هذه الحقيقة تشير سورة الفاتحة، فالمؤمن عندما يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم تأتي الآية الموالية لتؤكد أن هذا الصراط قد سلكه قوم من قبل وهم المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

فبالمحافظة على يوم المؤمن وليلته، ووصل ما أمر الله به أن يوصل، يكون المؤمن قد سلك الطريق الذي سلكه المنعم عليهم وبذلك ينتفع بدعاء الرابطة ويقدمه خطوة لكي يستيقظ فيه الطلب. فدعاء الرابطة في فراغ من الحب في الله، والخلق الحسن، والعمل الصالح، لا معنى له.

من آداب الدعاء

وللدعاء آداب، فقد قال ابن عطاء الله السكندري: “إن للدعاء أركانا وأجنحة وأسبابا وأوقاتا، فإن وافق أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السماء، وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه نجح. فأركانه حضور القلب والرأفة والاستكانة والخشوع، وأجنحته الصدق، ومواقيته الأسحار، وأسبابه الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم”.

“… ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان”

فينبغي للمؤمن أن يدعو بدعاء الرابطة، والأفضل وقت السحر عندما ينزل ربنا عز وجل إلى السماء الدنيا يدعونا هل من تائب وسائل ومستغفر، أو متى تيسر ذلك، فيفتح دعاءه بسورة الفاتحة ثم الصلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ويستغفر الله لذنبه ويسأل الله لنفسه ولوالديه وأهله وولده وذوي رحمه خيري الدنيا والآخرة ثم يصلي ويسلم على أنبياء الله ورسله من سيدنا آدم عليه السلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ذاكرا الأسماء التي ذكرها القرآن ومعمما لمن لم نعرف أسماءهم مستحضرا حديث سيد المرسلين عليه وعليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم: “إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين”. وذكر الثعلبي عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين يقول في آخر صلاته أو حين ينصرف: “سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين”.

وروى ابن أبي حاثم عن الشعبي والبغوي عن علي كرم الله وجهه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل في آخر مجلسه حين يريد أن يقوم: “سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين”. ويذكرنا هذا المكيال الأوفى في حمد الله والسلام على المرسلين بالمكيال الأوفى في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سبقت الإشارة إليه.

ثم يترضى ويسلم على آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذريته وأزواجه ذاكرا الأسماء الكريمة. ثم يترضى على الخلفاء الراشدين والعشرة المبشرين بالجنة ذاكرا أسماءهم وأسماء من يستحضر من الصحابة ويعمم على المهاجرين والأنصار والصحابة أجمعين. ويترحم على التابعين وصالحي الأمة وأئمتها ذاكرا كل مرة أسماء البعض منهم ثم يتلو معمما الدعاء القرآني (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم). ثم يدعو للمؤمنين المجاهدين في عصرنا والعلماء الصالحين ويعرض على الله حوبتنا ويستفتح للمجاهدين. ثم يخصص بالدعاء من يربطه بهم رباط المحبة والجهاد ويذكر الأسماء. ثم يسأل الله لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الرحمة والمغفرة والنصر وخيري الدنيا والآخرة. ويتوجه في دعائه هذا لمستقبل الإسلام والخلافة والنصر على الأعداء ثم يختم الدعاء بالصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم.

الدعاء ذكر للآخرة

وأعظم به من انجماع للقلب على الله، في أوقات الدعاء والمناجاة تلك، وأعظم به من ذكر للآخرة بالذكر اليومي لتلك الأرواح الطاهرة والسلام عليها. وإن ذكر الآخرة في سياق المناجاة والدعاء ارتفاع عن السفساف إلى المعالي التي يحبها الله.

وإن مما يحبه الله بل أحب الأعمال إليه سبحانه ما أثبتته وداومت عليه، قال صلى الله عليه وسلم: “أحب الأعمال إلى الله الذي يدوم عليه صاحبه”. رواه البخاري.

ويتوج دعاء الرابطة  بعد الانتهاء منه أو في وقت آخر- بهدايا قرآنية لعامة الأرواح الطاهرة، وهدية خاصة للوالدين. وفي وصول ثواب تلاوة القرآن رسالة قيمة للحافظ عبد الله بن الصديق الغماري رحمه الله تحت عنوان: توضيح البيان لوصول ثواب القرآن.

حضور وتضرع

ومن الحكم النبوية في أدعية اليوم والليلة والخاصة بالمناسبات أنها ليس فيها دعاء واحد في أمر معين، بل نجد أكثر من دعاء حتى لا يردد الدعاء دون تدبر وتمعن وبقلب لاه، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي والحاكم: “واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب لاه” لهذا لا ينبغي للمؤمن أن يخصص صيغة معينة محفوظة لدعاء الرابطة بل يدعو بما ينشأ ويصدر عن قلب حاضر متضرع منكسر.