– مقدمة

– بين يدي الكتاب

– قراءة في العنوان

– الرجل والفكرة في أعين المنصفين

– تجديد واجتهاد واستشهاد فهل من منصف؟

مقدمة

الحمد لله أفضل الدعاء، هو الذكر ولا سؤال، والحمد لله شكرا على فضل الله ورحمته بها نستزيد من العطاء والنوال، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد لله على كل حال. والصلاة والسلام على سيد الرجال، محمد من أوتي من كل حسن كمال الكمال، ووعد بالمقام المحمود في المآل. وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وذريته والآل والصحب الكرام ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد،

فإن الدين عند الله الإسلام. والإسلام رحمة ونعمة وحكمة. والرحمة خلق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وحاله “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” (الأنبياء، 107)، “فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله” (آل عمران، 159) “بالمؤمنين رؤوف رحيم” (التوبة، 128).

والحكمة قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفعله، وعلمه وتعليمه؛ وقد أوتي، صلى الله عليه وسلم، جوامع الكلم. وهل جوامع الكلم إلا حكمة تسقى بماء واحد هو الوحي، ويفضل الله فهم بعضنا لها عن بعض في الأكل. وهل فعله إلا السنة النبوية الشريفة، وهي المحجة اللاحبة البيضاء المنجية، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك “هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين” (الجمعة، 2).

والنعمة صحبة رسول الله، ومحبته، وطاعته وإسوته الحسنة، وكفى بها نعمة. إذ “الرجل على دين خليله” (رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح، وقال فيه الترمذي: حديث حسن)، و”المرء مع من أحب” (روى الترمذي أن رجلا سأل النبي، صلى الله عليه وسلم، قائلا: يا رسول الله، الرجل يحب الرجل على العمل من الخير يعمل به ولا يعمل مثله. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “المرء مع من أحب”). وعند الوداع كان الدين قد كمل، والنعمة قد تمت “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا” (المائدة، 3). إنها نعمة النعم، الأكمل والأتم، أن تحب من حبه واجب، ومن حبه ينفعك عند الله، ومن حبه وطاعته واتباعه هي شرط محبة الله لك ومغفرته “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم” (آل عمران، 31).

ولكن أنى لنا بمعرفة الإسلام حق المعرفة، والوقوف على حقيقة رحمته وحكمته ونعمته في ظل هذا الواقع المفتون الذي هو الدخن وفيه خير؟!

ومما يزيد هذا الطين بلة، كون هذا الخير الذي في الدخن، يحال بيننا وبينه بأكثر من حيلة ووسيلة، نجملها في الأربعة الكبار الذين عنهم تتفرع باقي المشوشات: ظن الجاهلية إلحادا وجحودا وكفرا، وحكم الجاهلية عضا واستبدادا وجورا، وحمية الجاهلية تعصبا وتحزبا لراية عمية ونعرة عرقية سرا وجهرا، وتبرج الجاهلية عريا وخبثا وعهرا. وهل ينتظر من الجبر غير هذا، وما يتفرع عن هذا من ظن سيء بالمؤمنين، وحكم جائر على المؤمنين، وحمية حاقدة على المؤمنين، وتبرج فاتن محيط بالمؤمنين من كل جانب.

والأدهى والأمر من هذا كله، أن تجد بعض المؤمنين يساهم في هذه المظاهر الجاهلية بشكل من الأشكال، إذ يزكي هذا الحكم وهذا الظن وهذا التبرك وتلك الحمية؛ شاء أم أبى، علم أم لم يعلم، إن بشيطنة خرساء، أو ببهتان وافتراء، أو بحملة شعواء تعمي عن رؤية المنكر وأهله، وتصم عن سماع صوت الحق وأهله، وتشهر سيف فهمها القاصر وحكمها الجائر لتحز به رأسا غاظها أن ارتفع في وقت انحنت فيه الرؤوس، ولتطعن ظهرا غاظها أن تروض ظهور ويظل هو المتمنع المستعصي على الركوب.

ويزداد الطين بلة والحشف سوء كيلة، إذا أصاب هذا الحيف الأموات. فإذا أسيء للأحياء من علماء الأمة وصلحائها ومجاهديها ومجتهديها، فقد يلتمس العذر للمسيء إن أساء، لأن “المعاصرة حجاب” كما يقال، ولأن الدنيا أرض ابتلاء وبلاء، وإنما يبتلى المؤمن على قدر إيمانه. ولأن هناك جهات متعددة يهمها أن ينوب عنها نائبون، طائعون أو مكرهون، جاهلون أو حاسدون أو منافسون، في دعم الحصار المضروب على دعوة الله، وعلى العلماء العاملين الشاهدين بالقسط القائمين لله بالحق، لتتفرغ هي إلى شعب حيل بينه وبين سماع كلمة الحق، ومجالسة أهل الحق، وقراءة الفكر الناصح بالحق والفاضح للباطل وأعداء الحق. لتتفرغ هي إلى شعب بدأ يعود إلى دين الله، ويتوب إلى رشده من غي السنين العجاف بعيدا عن فضل الله ورحمته. وتجهض فيه بادرة هذا الرجوع والسجود بعد سهو القرون المظلمة عضا وجبرا، لتلزمه بطقوس الركوع والخضوع لإرادة الإدارة غير المستقلة عن مكر الليل والنهار، هنا وهناك وهنالك، حتى لا يبقى للإسلام ولرحمته وحكمته ونعمته صوت يسمع، ولا صورة ترى، ولا أريج يشم، ولا حقيقة تلمس، بل  ونسأل الله ألا يحقق رجاءهم، وألا يجدوا منا عونا على تحقيقه- ولا مستقبل ينتظر ويؤمل.

ولكن ما بال هؤلاء لم يكفهم المكر بالأحياء، أو دعم المكر بالأحياء، أو الصمت عن المؤامرة المكيدة لمحاصرة الأحياء ممن تعقد الأمة عليهم، بعد الله، آمالا جساما أن يجددوا لها أمر دينها؛ ما بالهم يلتفتون إلى الأموات إمعانا في المكر ودعم المكر، وإغراقا في الحيلولة دون الأمة ودون ما تشتهيه من رؤية الحق حقا، ورؤية الباطل باطلا، حتى تتبع وتجتنب، وتنتسب وتنسحب، لتكون سلما لأولياء الله، حربا على أعداء الله، تحب بحب الله من أحب الله، وتعادي بعداوة الله من عادى الله.

ما بال النباشين على القبور، لا يذكرون موتاهم بخير، ويبحثون بعين متقدة تتطاير منها شرارات الشرور. وأكبر من ذلك ما تخفي الصدور، لأجل تشويه سمعة أئمة الهدى والتقى والرشاد، من كانوا ولا يزالون صفوة العباد، وآيات نقلت عنها أحاديث صحيحة تروي جميل ما قدموا وما أفضوا إليه من تربية وعلم وجهاد.

وهنا نصل إلى بيت القصيد لنخص بالذكر تعيينا واحدا من أولئك الأموات الأحياء، الذين أحيوا أمتهم بنموذجية تربيتهم وتعليمهم وجهادهم من موات، ونفخوا فيها أكسجين الحياة “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون” (آل عمران، 168-170). عسانا نكون من أولئك الذين من خلفهم فلا يخاف علينا ولا نحزن، وباستبشارهم نفور ونمضي بعدهم على الأثر.

ومن خلال عنوان الكتاب يتبين أن المقصود بهذا الذكر الحميد هو الأستاذ “حسن البنا” الشاهد والشهيد، رحمه الله.

وإنما قصدنا حسن البنا، سيرته وفكرته ودعوته وموته، وشهادات المنصفين حول شخصيته وجماعته، وصفحات مشرقة من مذكراته، وشهادات موثقة من رسائله وأصوله وبعض مواقفه وآرائه وتوجيهاته وإرشاداته، لنذكر ونحذر ونبرر.

لنذكر بأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وأنى لك أن تتصور شيئا فاتك أن تراه وتسمعه وتقرأ له وتعاشره؛ وإذا رأيته فبأي عين رمقته، هل بعينك أم بعين أعدائه وحساده؛ وإذا رأيته يعينك، فهل عينك سليمة أم عليها غشاوة تحجب الرؤية، ونظارتان سوداوان يصطبغ بسوادهما ما تراه ومن تراه؛ أم أنك تنظر ولا تبصر: “فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور” (الحج، 46).

وإذا سمعته، فهل أصغيت إليه بأذنك، أم بأذن الأعداء والحساد؛ وإذا سمعته بأذنك، فهل في أذنك الوقر، لا يزال، أم أنها الأذن منك يسكنها شريط معبأ بالأحكام المطبوخة الجاهزة التي لا تقبل إلا مزيدا من الماء حتى لا تجف، ومزيدا من التحريك حتى لا تحترق، فيفتضح فسادها. وإذا قرأت له، فبعقل يقظ فطن، أم نائم مخدر؛ وبعقل مستقل نزيه، أم عقل مستعار سفيه؛ وبعقل يبحث عن الحق والحقيقة، أم بعقل راض عن نفسه منتصب ليكون معيار الحق والحقيقة. وإذا عاشرته فهل بنفس مطمئنة بالخير لوامة على الشر، أم نفس أمارة بسوء الحسد والحقد والكيد، والتنافس غير البريء على المنافع والمطامع، والتنازع المقيت على المكاسب والمناصب؟.

ولنحذر من حكم نصب نفسه، ولم ينصبه أحد، قاضيا بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير. ولنحذر أيضا حكما نصيب به قوما بجهالة فنصبح على ما فعلنا نادمين؛ ونقف بين يدي ربنا يوم الحساب، يوم يرفع عما اختلفنا فيه الحجاب، فيرى كل على حقيقته، ويعطى كل على قدر عقله ونيته، وحكمته ورحمته. وعندها نعلم علم يقين الظالمين من المتقين، فيقال للمظلوم تقدم، ويقال للظالم لا تتكلم. وهل ينفع كلام في ذلك المقام؟! وقد حصحص الحق وأفضى كل إلى ما قدم “فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره” (الزلزلة، 7-8). وهل ذرة من شر أن تنعت من الله أعلم باستقامته وصلاحه وسلامة نيته وطويته، بالنفاق والشرك والكفر؟! “وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم” (النور، 15). يومها يود المفلس لو تبقى له حسناته التي بفضل الله ورحمته اقترفها، فيلفيها قد نفذت في إرضاء صحيفة من ظلم. وهل هناك أغبى من متاجر إن صدق فلا تتريب عليه، وإن لم يصدق أو لم يصب حاق به مكره السيء. “ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله” (فاطر، 43). فإن لم يكن مكرا ولم يكن صوابا رد الحكم عليه، بل رد الحكم إليه.

ولنبرر أن كلامنا عن الرجال ليس كلاما مجانيا استهلاكيا اعتباطيا، بل هو شهادة، وشهادة مسؤولة، خاصة إذا كان هؤلاء الرجال ممن ظهرت في بداية حياتهم إشارات ربانية تتنبأ لهم بالصلاح والفلاح، ونشأوا في عبادة الله أطفالا وشبابا وكهولا، وقضوا نحبهم بعدما “صدقوا ما عاهدوا الله عليه” (الأحزاب، 23) “وما بدلوا تبديلا” (الأحزاب، 23)، بل أوذوا “فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا” وقتلوا تقتيلا.

ولنبرر أيضا، أن الظلم الذي أصاب من سموا “صوفية” من قبل من ذكرنا أمثاله، ممن لا يقرأ ولا يرى ولا يسمع ولا يعاشر  إن قرأ ورأى وعاشر وسمع- إلا بعقل فطير، وبصر حسير، وأذن كليلة، ونفس عليلة؛ أو أصابهم من بني جلدتهم الذين غيروا وغرروا، فابتدعوا وكان أسلافهم تابعين، وقعدوا وكان أجدادهم مدافعين، وصمتوا عن المنكر الأكبر، وكان من قبلهم بالحق صادعين، ونسجوا على منوال من تجارب الأولين، في عصر غير العصر، وقد كانوا مستظلين بخير فيه دخن، أما اليوم فالأمة في دخن فيه خير، وأين من أصله خير ممن أصله دخن.

ولنبرر أن هذا الظلم الذي أصابهم  نعني الصادقين منهم- يدعونا إلى إنصاف يرفع اللبس، ويزيل الدس، ويستفيد من الدرس، ليقدمه إلى من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، مقدمات توضح المراد، وشهادات من منصف رشيد، ومذكرات هي جملة من أقوال الشهيد وأفعاله ومواقفه وآرائه، وتعليقات من القارئ الذي نريد، علنا نقرأ مثله قراءة طالب الحق، الباحث عن الحقيقة، فنفيد ونستفيد، ومن الخير نستزيد.

من هنا كان تقسيمنا الكتاب إلى خمسة فصول:

الفصل الأول: مقدمات.

الفصل الثاني: شهادات.

الفصل الثالث: مذكرات.

الفصل الرابع: خلاصات وملاحظات.

الفصل الخامس: دروس وعظات.

ولعل اختيارنا لحسن البنا، رحمه الله، دون غيره من الرجال آت من عدة أسباب: نجملها في ما يلي:

1. لأنه قريب العهد بنا، مما يعطينا ضمانات أكثر على صدق الخبر الذي نذيعه عنه، والأثر الذي ننقله مما كتب عنه وما كتبه هو، رحمه الله، أو قاله.

2. لأن حسن البنا، رحمه الله، بدأ صوفيا وأنهى مسيرته شهيدا. وبين البداية والنهاية قضى زهرة عمره وارثا نبويا، ومبعوثا مجددا ربانيا شاهدا بالقسط وداعيا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهديه، فكانت دعوته دعوة ربانية نبوية جامعة.

3. لأن علماء الأمة المنصفين شهدوا أنه مجدد القرن الرابع عشر الهجري. وما اجتمعت أمة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على ضلال؛ خاصة إذا كان هذا الاتفاق من علماء عاملين عدول ثقات سابقين صادقين. وسنورد من أقوالهم في الرجل ما يؤكد الشهادة ويثبتها، حتى لا يرقى إليها شك، ولا يصمد في وجه سلامتها وصحتها جدال. وهذا لا يعني عدم وجود بعض الشهادات المضادة التي عارضت فكر الرجل وآراءه ومواقفه في حياته وبعد مماته، لكنها من القلة بحيث تبدو شاذة ناشزا، وبعضها يضيف إلى شذوذ القلة شذوذ الحيلة والوسيلة، إذ يصدر الأحكام على عواهنها، ويكيل التهم ادعاء دون بينة أو بصيرة، ويروج للأنباء الفاسقة دون استيضاح. وهل فرق شمل الأمة، وشتت الكلمة، وخالف بين القلوب، وجعل بأسنا بيننا شديدا إلا الحلافون الهمازون المشاؤون بنميم، الصخابون العيابون الطعانون اللعانون، من حرموا نعمة القلب السليم، فهم إما سوي على صراط معوج، أو معوج على صراط مستقيم “أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم” (الملك، 22).

4. لأن حسن البنا، رحمه الله، يعد بحق أبا الصحوة الإسلامية. وهذه الأجيال التائبة الراجعة إلى الله، المقبلة على دعوة الله في غربة الإسلام الثانية بين يدي خلافته الثانية  التي نحن لها بالأشواق- مدينة له بشرف السبق، وحق على المدين أن يرد ما عليه من دين، وأنى له. ولكن ما لا يدرك كله من سداد هذا الدين لا يترك جله، أو فلنقل بعضه.

فلعل هذا الكتاب بعض من الشكر نقدمه هدية لروح حسن البنا، رحمه الله، وأبنائه البررة، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله. وقد بذلت في سبيل إخراجه جهدا أسأل الله أن يكون مقبولا عنده في ميزان حسناتي وحسنات حسن البنا بفضله ومنه جل من كريم، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه.

ورغم أن الشهيد حظي، أكثر من غيره، كما حظيت حياته ودعوته، باهتمام بالغ، ودراسات مستفيضة، وأبحاث جامعية متنوعة تناولت جوانب كثيرة من فكره ومواقفه وجهاده، فإن أغلب ما كتب كان يثني على الرجل أكثر من الوقوف على مدعاة أحقيته بالثناء، أو يرصد ركائز دعوته الجامعة. وفي زحمة الفضائل والأفضال ذكرا وثناء، قد لا نوفي بعضها  وقد يكون هو الأصل الذي عنه تفرع ما سواه- حقه من التفصيل والتحليل والتمثيل.

وقد نختلف في تمثل أصول دعوة البنا، فيركز بعضنا على بعضها، ويركز الآخر على البعض الآخر. وقد يعمد كثير منا تحت ضغط الواقع المتغير، وظلال السيوف المصلتة على رقاب الصوفية أو من اشتمت منهم رائحة الصوفية، محبة بروح الله صافية نقية، أو ذكرا لله مطمئنا مزكيا، أو صدقا في طلب وجه الله خالصا وفيا، أو سلوكا مجاهدا للنفس معتدلا سويا، أو علما من لدن الله رطبا جنيا، أو سمتا حسنا وتؤدة في معاملة خلق الله وحالا سنيا  وهل يعد هذا وغيره، ممن هو على شاكلته، إلا عطاء ربانيا وهديا نبويا. فيؤول كلام الرجل تأويلا معتسفا يحرفه عن موضعه، أو يبرر مواقف الرجل وآرائه تبريرا يلوي عنقه بعيدا عن قصد الشهيد ومرماه، وغاية ما أراد ومعناه. فكان لابد من البحث عن ثوابت فكره وأصول دعوته، أخذا لها بأمانة عنه من كتاباته (مذكرات ورسائل وأصول). أو عمن عاشره من الأبناء الأقربين المعتبرين، بعيدا عن اعتساف الحاسدين، وعدم إنصاف الجاحدين، أو إنكار بعض الأغرار الجاهلين.

كما كان من الواجب علينا أن ننقب عن قراءات وكتابات تتناول الرجل وفكرته وجماعته بتحليل سليم.

وقصدنا من هذا كله، ألا تقطع رحم هذه الصحوة بنسيان الأحفاد جدهم، وأن نعرف فضل قراءة سير الرجال: لمن نقرأ؟ ومن يقرأ؟ وكيف يقرأ؟ ولماذا يقرأ؟ وما العمل بعد أن يقرأ؟ فلعل قراءة من هذا النوع تنفعه  أستغفر الله- بل تنفعنا، في استكناه الخير واستجلاء طريقه ومعرفة أهله؟ فنحب الخير وأهله، وإن قدرنا عليه بادرنا إليه، وإن فاتنا حزنا عليه، وحننا إليه.

وعلى نموذجية حسن البنا “الرجل”، ونموذجية جماعته ودعوته “الفكرة”  ما دام الاتفاق قد تم أو كاد على أنه من مجددي هذه الأمة بل آخر مجدد فيها على رأس المائة الماضية- علينا أن نقيس نموذجية “الرجل” الذي نريد، و”الجماعة” التي نريد في هذا القرن الهجري الجديد.

فإن وفقنا فمن الله، فحمدا وشكرا، وبحمده وشكره تتم الصالحات، ومن الله ما بنا من نعمة وما اقترفنا من حسنات. وإن أخطأنا فمن النفس والشيطان، فالحمد لله على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار في المحيى والممات. وإنما وجه الله أردنا، والنفع للمسلمين التمسنا، وإلى الصواب قصدنا، وعلى الله اعتمدنا، ورجال الإحسان ذكرنا، وبذكرهم تتنزل الرحمات. و”إنما الأعمال بالنيات”.

بين يدي الكتاب

لا يجادل اثنان، وما ينبغي لهما وما يستطيعان، في إنكار قوة هذه الصحوة الإسلامية المتنامية كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار، خاصة بعد أن شاهت الوجوه غير المضيئة، وشلت الأيدي غير المتوضئة، وأعلنت المذاهب إفلاسها، وخرت الأوثان على الأذقان مثلما تساقط أوراق الشجر في الخريف. فمن انقطاع التيار الشيوعي، إلى انكفاء المد القومي، إلى تحسر الفكر اللائكي من جلده، إلى خروج السيف الصهيوني والصليبي من غمده، إلى إفصاح النظام العالمي القزحي الحربائي عن حقده. وكل ذلك ساهم مساهمة فعالة في إعلاء كلمة الإسلام، وتعميم صحوته، وتدعيم حركته، لتصبح أمل الشعوب المستضعفة عامة، والإسلامية على وجه الخصوص، تلك التي عانت الأمرين وسيمت الخسف ومنعت النصف وتكالب عليها الأعداء وتداعوا مثلما تتداعى الأكلة إلى قصعتها. فما من حديث اليوم، وغدا، إن شاء الله، إلا عن الإسلام صوت الجنوب الذي يقض مضجع المستكبرين، وينادي على الحائرين: أن تعالوا لنصحو، هلموا لنتحرك، وهيا لنسعى إلى الدين توبة، وإلى الله نرقى إيمانا وإحسانا، ولنركب فلك الإسلام قبل الطوفان. فما بعد العض والجبر إلا خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن الأرض وساكن السماء، لا تترك الأرض من خيراتها إلا أخرجته، ولا السماء من بركاتها إلا أنزلته، حتى يدخل الإسلام كل بيت مدر ووبر خبرا ثم أثرا، ثم فتحا ونصرا.

هذه الصحوة المتنامية والحركة الفاعلة المؤثرة المغيرة، المصدقة لما بين يديها من تراث الأسلاف، المهيمنة عليه باجتهاد وتجديد على مستوى العصر وتحدياته، والواقع وعقباته، والنفس وأمراضها، والدنيا وهرجها ومرجها وبهرجها. هذه الصحوة لم تنزل علينا من السماء جاهزة مملاة، بل أنبتها الله بين ظهرانينا نطفة فكرة، ثم علقة دعوة، ثم مضغة حركة، فعظام قوة، فلحمة رحمة، لينشئها الله صبح قريب، إن شاء الله، خلقا جديدا، دولة سوية وخلافة نبوية، فتبارك الله أحسن الخالقين.

أنشأها الله من صلب أب وأم، هما حسن البنا، رحمه الله، وجماعة “الإخوان المسلمون” أيدها الله. فمن هو حسن البنا أبو الصحوة الإسلامية؟ وما هي جماعة الإخوان المسلمين؟ وبتعبير أحد أعلام هذه الجماعة، من الرجل وما الفكرة؟

قبل الجواب عن هذين السؤالين باختزال شديد، يوضح ما نرومه وما نريد، نقف وقفة قصيرة مع عنوان هذا الكتاب، فلعل تبيان الهدف منه مساعد على قراءته، ثم الاستفادة من فكرته.

قراءة في العنوان

لعل القارئ الممعن النظر في مفردات عنوان هذا الكتاب يستدرك عليه أن أقام لفظ “الحساد” مقام الأعداء، ولفظ “الأحفاد” محل لفظ الأبناء، والحقيقة أن ذلك كان مقصودا لتبيان أمرين اثنين غاية في الأهمية:

الأمر الأول أن العدو لا ينتظر منه إنصاف وعدل، لأن العداء يعمي ويصم، ويذهب بصاحبه مذهب الظلم والجور، إذ يجره إلى ميدان النزال والمواجهة بوازع من اختلاف المشرب والمسرب، والغاية والهدف، والمنهج والسلوك. فهو منسجم مع موقفه متوافق مع منطلقه ومقصده. وإنما ينتظر ممن بينك وبينه وشائج قربى المنطلقة والغاية، والشرعة الربانية والمنهاج النبوي، أن يكون شاهدا عدلا منصفا ونزيها. فإذا لم يكن كذلك، كان عداؤه حسدا. و”ظلم ذوي القربى أشد مضاضة”. والحسد من تلك الحالقة التي تحلق الدين، ومن تلك الغشاوة التي تحجب عن البصر رؤية الحق حقا قبل اتباعه، ورؤية الباطل باطلا قبل اجتنابه؛ بل إنها قد توهم المبطل بسرابية جوفاء أنه على الحق، وبرمادية تذروها الرياح أن غيره على باطل، وبنعامية حمقاء بلهاء أن الله نصبه لهذا الدين حكما يحكم بين المختلفين، وقاضيا يقضي، ومحتسبا يميز الغث من السمين، والأصيل من الهجين. فهو وحده يفهم الكتاب والسنة. هو العدل الثقة الذي ينفي عن الدين انتحال المبطلين، وتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين. وما هو إلا حسود حرم سلامة القلب وصفاء السريرة، فشهد بزور، وخاصم بفجور.

فالظلم المنبه عليه هنا هو ظلم الحاسد الذي لا ينزل الناس منازلهم، ولا يعرف الفضل لأولي الفضل، والذي لا يقبح القبيح ويحسن الحسن، بل يقبح المليح ويوهيه، ولا يحسن الحسن ولا يقويه. وهو مع هذا صخاب عياب طعان لعان، يشاغب عنده طنين الذباب عن موائد الخير، وتشوش لديه الشعرة على صهريج من حليب الغير.

وأما سهو الأحفاد لا الأبناء، فلأن أبناء حسن البنا، وهم جيل التأسيس والرواد البناة من الدعاة؛ أمثال سيد قطب الشهيد، وعبد القادر عودة، وحسن الهضيبي، وعمر التلمساني، ومحمد أحمد الراشد، ومصطفى مشهور، وبهي الخولي، وأمثالهم  رحم الله من مات منهم وحفظ من بقي- فقد كانوا أوفياء للرجل وفكرته، آخذين بقوة كتاب دعوته، ومبلغين بأمانة كنه رسالته.

وإنما سها الأحفاد الذين لم يصحبوا الرجل، وقرأوا فكرته بعد أن تعرضت لكثير من عوامل التعرية والتصحير، فقدت بفعلها غير قليل من روحانيتها في زحام المتغيرات المتعاقبة، والأحداث المتراكمة. فلم تعد المأثورات إلا كتيبا مذيلا لرسائل الإمام، عفى عليه الدهر بعد أن استنفذ طاقاته النفعية في فترة التأسيس، أما والبناء قد علا وشمخ، فينبغي أن تأخذ التربية مفهوما أشمل، هو مفهوم تربية الأخلاق، وتربية الأذواق، وتربية الفكر، لا التربية بالصحبة والمجاهدة والذكر. وإذا بالقلوب تشكو فراغا كانت منه في عافية، وإذا بالألسنة والأقلام تصرخ شاكية من “أزمة روحية” أو داعية إلى “تربية روحية”.

فهل من سبيل إلى معرفة الرجل وفكرته بأمانة، وأخذ كتابها بقوة؟ وهل من دليل عليها يقف بنا على حقيقتها، لنعرف من هو حسن البنا وكيف أحسن البناء.

الرجل والفكرة في أعين المنصفين

“حسن البنا رجل غير حياة المسلمين في الشرق سريعا (1906-1949) لم يكتب كثيرا، لأن رصاصات الغدر لم تمهله ليتجاوز الثالثة والأربعين من عمره، ولكنه بث في حياة المسلمين الراكدة المسترخية روحا جديدة ما تزال تبعث الحيوية في مختلف جوانب الحياة الإسلامية في كل بلاد المسلمين.

“بدأ حسن البنا دعوته صغيرا وهو يتلقى علومه الأولية بمدينة المحمودية بمصر من خلال “جمعية الأخلاق الأدبية” ثم “جمعية منع المحرمات”، وانتقل بها إلى دمنهور عام 1920 حيث أتم حفظ القرآن الكريم، ثم إلى القاهرة عام 1923 في دار العلوم التي تخرج منها عام 1927 ليبدأ حياته العملية، ولتكون دعوته قد تأصلت في نفسه على أفكار محددة حملها معه إلى مدينة الإسماعيلية حين عين بها مدرسا.

“بدأ البناء دعوته في الإسماعيلية بشكل مركز، فكان يتصل بالناس في المقاهي  حيث تقضي الطبقات العاملة جزءا كبيرا من وقتها- ثم ينتقل بهم إلى المسجد كي يبني خلايا إسلامية مبرأة من الخلافات الجزئية والمذهبية التي كانت تسود مجتمعات المسلمين ذلك الوقت وتبدد طاقتهم. واستطاع أن يرسي دعائم دعوة إسلامية متميزة عندما تعاهد مع ستة نفر من إخوانه على تشكيل أول نواة لجماعة الإخوان المسلمين في شهر ذي القعدة 1347 هجرية آذار / مارس 1928 ميلادية.

“أقام حسن البنا بالإسماعيلية مسجدا ودارا للإخوان، ثم معهد حراء الإسلامي، ومدرسة أمهات المؤمنين، وبدأت دعوته تنشر في المدن والقرى المجاورة. كانت دعوته، من أول يوم، تتميز بالعودة إلى الأصالة الإسلامية بمصدريها: الكتاب والسنة. وكان الإمام البنا يركز على ضرورة بناء جيل مؤمن من الشباب، يفهم الإسلام فهما صحيحا، على أنه دين ودولة، عبادة وجهاد، وشريعة محكمة تنتظم حياة الناس جميعا في جوانبها كلها، التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

“وينتقل الشاب المؤمن حسن البنا إلى القاهرة عام 1932 بعد أن أرسى دعائم دعوته في الإسماعيلية. وتنشر الدعوة من القاهرة، حيث أنشأ فيها المركز العام للإخوان المسلمين، لتشمل القطر كله، والعالم الإسلامي بعد ذلك.

“أصدر حسن البنا مجلة “الإخوان المسلمين” الأسبوعية ثم “النذير” فمجلة “الشهاب”. وكان يتابع قضايا العالم الإسلامي. فقد كان رواد حركات التحرير يجدون في المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة منبرا يطلعون من خلاله الشعب المصري والعالم الإسلامي على قضايا بلادهم فمن زعماء الثورات الفلسطينية المتعاقبة قبل النكبة الكبرى إلى زعماء حركات التحرير في أندونيسيا والهند والصومال وإيريتريا وسوريا واليمن وأفغانستان. وكان الإمام البنا لا يكتفي بمجرد استقبال هؤلاء ومد يد العون لهم وتقديمهم إلى العالم الإسلامي، بل كان يتبنى قضاياهم ويسهم فيها على أنها قضايا إسلامية عامة. ومن ذلك مشاركة الإخوان المسلمين في حرب فلسطين ومؤازرتهم أول حركة تصحيحية في اليمن عام 1948، وإرسال وفود طبية إلى سوريا خلال مقاومة الاستعمار الفرنسي، وإيفاد دعاة وموجهين لمختلف أنحاء العالم الإسلامي” (حسن البنا مبادئ وأصول في مؤتمرات خاصة، ط1، ص 3-4).

“ترجم الإمام البنا المبادئ الإسلامية إلى مؤسسات اجتماعية واقتصادية وتربوية تسير تحت لواء الإسلام لتؤدي دورها في النهوض بالمجتمع. فأقام الإخوان المسلمون مكتبا للمساعدات الاجتماعية، وجمعية تعاونية لبناء المساكن، وأسسوا شركات، أهمها شركة الإخوان للصحافة وشركة الإعلانات العربية، وشركة التجارة والأشغال الهندسية. وأنشأوا العيادات والمستشفيات، وأشرفوا على تنظيمها وإدارتها، واهتموا بتربية الشباب فأقاموا له المعسكرات الصيفية، وأعدوا منه فرقا للجوالة والكشافة، ونظموا الرحلات داخل وخارج القطر المصري، وتأسست وحدات لمحو الأمية في كافة أنحاء القطر المصري، وجرى إعداد الدعاة للخطابة والمحاضرات، وتم إصدار العديد من الكتب والصحف والنشرات الإسلامية، وقامت جماعة (الأخوات المسلمات) لتؤدي المرأة المسلمة دورها في تكوين المجتمع الصالح، وأنشئت (دار التربية الإسلامية للفتاة).

“ولقد كان لتلك المؤسسات أثرها ودورها في تنمية المجتمع في تلك الفترة. يشهد بذلك كل المنصفين الذين شاهدوا الثمار الطيبة داخل المجتمع المصري. وبعد النشاط الفعال لكتائب الإخوان المسلمين في فلسطين، وأثره البالغ في المعارك التي دارت هناك قامت الدول الغربية بالضغط على الحكومة المصرية لحل جماعة الإخوان المسلمين، لتتم تصفية القضية الفلسطينية لصالح اليهود في غيبة جماعة قوية مثل جماعة الإخوان المسلمين تتصدى لتلك المؤامرة (…) وبالفعل أعلنت الحكومة المصرية حل “الإخوان المسلمين” في أوائل ديسمبر 1948 وتبع ذلك سحب الوحدات العسكرية للجيش المصري من فلسطين، ووقف القتال نهائيا، وإيداع الإخوان المسلمين في السجون واعتقال مجاهديهم في فلسطين وإعادتهم إلى مصر في معتقل الهاكستب (…)

“ولكن حل الجماعة وحده لا يقدم الكثير للغرب وللصهيونية، ولكن القضاء على باعث هذه الجماعة ومنشئها كان  في ظن أعدائه- هو السبيل إلى تصفيتها. ولذلك اتبع معه الأسلوب الذي يحقق هذه الغاية فتركوه حرا ولم يعتقلوه، في حين اعتقلوا أفراد جماعته كبيرا وصغيرا” (صلاح شادي، الضهيدان، الوفاء للطباعة والنشر، ص 21-24).

يقول الشهيد، رحمه الله، وهو يعيش أجواء هذه المرحلة العصيبة من تاريخ جماعة الإخوان المسلمين المفعمة بمشاعر الحسرة على عباد ما يأتيهم من شاهد بالقسط قائم لله بالحق إلا كانوا به يستهزئون وإياه يظلمون ويحاصرون:

“ولو أخذت الأمور وضعها الصحيح، وكانت الكلمة للحق لا للقوة لحاكمناكم نحن أيها المفرطون على التفريط، ولحاسبناكم على هذا العجز أشد الحساب، ولكن دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، “والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون” (يوسف، 21).

“لقد أوقف هذا الحل نهضة اجتماعية كبرى، تهيأ لها شباب هذا الجيل من أبناء الوطن، وترك أعمق الآثار، وسيقول التاريخ كلمته، ويظهر المستقبل القريب آيته؛ ولن تستطيع القوة أن تمحو عقيدة أو تبدل فكرة، “كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، كذلك يضرب الله الأمثال” (الرعد، 17) “والعاقبة للمتقين” (القصص، 83).

“وهكذا تنتهي آخر رسائل الإمام البنا “القول الفصل” بتلخيص مؤثر لما قدمه الإخوان المسلمون لوادي النيل وللدول العربية، بل للعالم أجمع، وكأنه كان يخط بهذا السرد التاريخي لنشاط حركته آخر سطور حياته النابضة بالحب والخير والوفاء لأمة الإسلام، إذ أصابته رصاصات غادرة بيد حكومة إبراهيم عبد الهادي والملك فاروق في 12 فبراير 1949، وهو يهم بركوب سيارة أجرة بعد نزوله من دار الشبان المسلمين. وطويت بذلك صفحة رجل جدد دين أمته على مدى قرن من الزمان، ولكن عاشت حركته، برغم ذلك، إلى يومنا هذا، ندية بفضل الله، مشرقة بتعاليمه” (محمد حامد أبو النصر، مجلة لواء الإسلام، 19 مارس 1988م، ص 21).

تجديد واجتهاد واستشهاد فهل من منصف؟

جرت سنة الله في العباد أن يبتلى المؤمنون على قدر إيمانهم، وألا يعرف الفضل لهم إلا أهل الفضل، وقليل ما هم. وهم بما يقدمونه من صالح الأعمال، وما يلاقونه من أذى الظلام والحساد والجهال، يرقون بحسناتهم وحسنات غيرهم، من فعل الخير الذي دلوه عليه، ومن عمل بالسنة الحسنة التي سنوها له. ومن ارتضى ركوب صهوة نفسه الأمارة بسوء الظن، وسوء الفهم، وسوء القول، فبخسهم أشياءهم، وهضمهم حقهم في عاجل البشرى ثناء، حسدا من نفسه وحجودا. يقول أحد رجالات الإخوان المسلمين معبرا بحسرة عن هذه الفكرة:

“ورغم هذا الأثر الذي كان للإمام الشهيد حسن البنا  ولا يزال- ورغم الصفحات المضيئة من جهاد الجيل الذي رباه، والأجيال التي تعاقبت وسارت على ذات درب الجهاد الذي دل عليه، إلا أن الإمام البنا لا يزال مغموط الحق بين أبناء أمته، لم يقدر قدره، ولم ينل من الاهتمام والدراسة ما يستحقه وما هو له أهل. ومعظم ما كتب عنه كان بأقلام أعدائه وشانئيه الذين يدفعهم حقدهم الأسود عليه إلى محاولة تشويه صورته، وطمس تاريخ جماعته، هادفين من هذا قطع الطريق أمام دعوته التجديدية التي هي، كما وصفها: روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن، ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله، وصوت مدو يعلو مرددا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم” (جابر رزق، عن “الدولة والسياسة في فكر البنا”، ص 8-9).

ويؤكد أحد المصطفين المشهورين ما تعرض له الرجل، وما تعرضت له دعوته من عداء، وما قوبل به نورها من محاولات ماكرة للإخفاء والإطفاء:

“إننا نعلم جيدا أن حسن البنا قد غاظ أعداء الله وعملاءهم غيظا شديدا، فقد رأوا في دعوته وجماعته الخطر الأكبر عليهم وعلى باطلهم. ويعز علينا أن نرى بعض المسلمين، وإن كانوا قلة، ينظرون إلى حسن البنا من منظار الأعداء. ندعوهم إلى الإنصاف وألا يبخسوا الناس أشياءهم، وينظروا إلى أثر حسن البنا وجماعته على الساحة الإسلامية وما أحدثته من تغيير جذري في المفهومات والتصورات وعود الإسلام الصحيح بشموله، ومن حفز الهمم للعمل والجهاد مما أزعج الأعداء وعملاءهم، وجعلهم يخصون أفراد جماعته بكل ألوان الحرب والاضطهاد ليقضوا عليها. ولكنهم، بحمد الله، فشلوا، ولن يستطيعوا، لأنها دعوة الله ونور الله، ولن يطفئ نور الله بشر” (مصطفى مشهور، تساؤلات على الطريق، ص 106).

وانطلاقا من هذه الشهادة القوية من أحد أعلام جماعة الإخوان المسلمين البارزين، وقيادييها المتأخرين، نمضي في ثبات ويقين لنحصي شهادات المنصفين.