وصلت حضارة طغاة العالم الجديد إلى مستوى من الفظاعة أصبحت معها دماء المستضعفين تتطاير في كل بيت في المعمور، وأصبحت أشلاء القتلى من عناصر مائدة كل أسر العالم المتسمرة أمام شاشات التلفاز، ومع كل ذلك يحاولون إقناعنا، بل الفرض علينا، بل الضحك علينا أن ما يجري في الفلوجة ليس مذبحة ولا إبادة، وفي هذا إشارة ماكرة منهم أن من يجرؤ على الاعتراض تنتظره المذبحة الحقيقية التي هي أفظع مما نرى.

وفي الارتباط بمذبحة الفلوجة ، وحسبما أوردت وكالات الأنباء، فقد أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن اتفاقيات جنيف تحظر أي هجوم على شخص غير مشارك في المعركة خلال الحروب، وذلك تعليقا على قيام جندي أميركي بإطلاق الرصاص على عراقي أعزل وقتله خلال معارك الفلوجة.

كما أوضحت المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنتونيلا نوتاري أن “البند الثالث المشترك في اتفاقيات جنيف الأربع يحظر بوضوح أي هجوم على أي شخص لا يشارك أو لم يعد يشارك في أعمال حربية, سواء كان جريحا أو أسيرا أو مدنيا”.

وأعربت المتحدثة عن أسفها لأن القوات الأميركية لم تسمح لمنظمات الإغاثة بالدخول إلى المدينة لتقديم المساعدات الإنسانية للمدنيين الذين مازالوا موجودين في المدينة.

جاء ذلك في وقت أثارت فيه الصور التي بثتها محطة NBC وتعود لجندي أميركي يطلق الرصاص على عراقي داخل أحد المساجد بالفلوجة، ضجة في مؤسسات حقوقية دولية.

فقد أعربت المفوضية العليا للأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن قلقها حيال وضع المدنيين في الفلوجة. وقال المتحدث باسمها خوسيه لويس دياز إن المفوضية وجهت نداء لضمان حماية المدنيين خلال القتال ومن أجل أن يتم التحقيق في أي انتهاكات بالفلوجة وأن يقدم مرتكبوها إلى العدالة.

واعتبر مدير منظمة هيومن رايتس ووتش في لندن ستيف كراوشو أن الصور بمثابة رسالة خطيرة مفادها أن القوانين الدولية يتم تجاهلها، بينما رأى مدير وحدة الشرق الأوسط بالمنظمة جو ستورك أنه إذا ثبتت صحة ما جاء في الشريط فإن ذلك يعد انتهاكا خطيرا لمعاهدات جنيف وقد يكون جريمة حرب.

وقال المتحدث باسم منظمة العفو الدولية أليستير هودجيت إن إطلاق النار المتعمد على مقاتلين غير مسلحين وجرحى لا يمثلون خطرا فوريا هو جريمة حرب وفقا للقوانين الدولية، ولذلك على السلطات الأميركية التحقيق في كل هذه التقارير ومعاقبة المسؤولين عن مثل هذه الجرائم أمام القانون.

من جانب آخر نقلت وكالة أسوشيتدبرس الأميركية عن المصور الصحفي كيفن سايتس الذي التقط صور قتل الجريح بالفلوجة أن المارينز قتلوا ثلاثة جرحى آخرين داخل المسجد.

ويبقى أن هذا ما تمكنت الكاميرا من الوصول إليه في ظل المنع المطلق للصحافيين من الاطلاع على ما يجري مما يبقي الباب مشرعا لأسئلة بارزة: كم مدنيا وكم جريحا وأسيرا وطفلا وامرأة وعجوزا وعاجزا أجهز عليهم ذاك الوحش الذي قيل لنا أنه خاضع للمتابعة القضائية؟ وكم وحشا غيره ارتكب مثل ما ارتكب؟ أوليست هذه هي القاعدة عندهم وهم يطلقون الرصاص في كل الاتجاهات ويدكون البيوت ويطوحون بالقنابل والصواريخ على غير هدف محدد، هذا إن كان لهم هدف أصلا إلا تكريس الاحتلال وانتهاك المعتقد وتمريغ الكرامة العراقية الإسلامية في التراب ومن خلالها كرامة كل مسلم في العالم يتابع عبر الإعلام حصص التخويف والإرعاب عن بعد؟

وبعد هذا ينبغي للأمة أن تعي هذه اللعبة الدنيئة في تحويل القضية من قتل شعب بأكمله إلى تجاوز فردي في قضية قتل جريح، وهم يحاولون إلهاءنا بالتقارير والتقارير المضادة ثم في النهائية يقيضون القضية ضد جندي لم يلتزم بالقانون وصرف النظر عن إرهاب وجرائم دولة تنتفي معها كل المبررات ومنها أن ما يجري دفاع عن النفس والحالة أنهم المعتدي ابتداء وأي تصرف منهم هو عدوان وجريمة . ثم نحذر من أن تتطبع مشاعرنا مع المشاهد اليومية الفظيعة فلا تتأثر بعد ذلك من فظاعة ولا تهزها بشاعة ثم لا تتحرك مستنكرة ومحتجة أو رافضة.