مدخل:

لقد أصبح مدار المسلمين في زماننا هينا مهينا، وبات ما كان يتعوذ منه النبي الكريم المعلم الخبير صلى الله عليه وسلم من هم وحزن وعجز وكسل وبخل وجبن وقسوة قلب ميسم السلوك وصبغة الحياة، حتى صعب حق الدين على أهله، ولم يبق على ثغور خصال الخير والجهاد مرابطا إلا ثلة من الثابتين، تزاحمهم أصوات المغربين المثقفين اللائكيين المعزولة المنعزلة عن أصول الأمة.

أصوات لا تترك مكيدة أو مكرا إلا اقترفته للدعوة إلى الانحلال من كل خلق، والانسلاخ من كل شريعة، والتجرد من كل مبدأ. فلول آفلة لا تتوانى، وإن اختنقت أنفاسها، من استدراج المسلمين إلى مشروع فيه مذلتهم وهوانهم، وتحريضهم ليستغرقوا أعمارهم في الغرور والغفلة، ويملأوا حياتهم باللعب واللهو وبكل ما يضيق الصدر ويورث الندامة والحسرة ويكره لقاء الله سبحانه الذي إليه الرجعى والمصير والمآل.

من هذا المنطلق وعلى هذا الأساس تكون النصيحة والموعظة الحسنة والكلمة الطيبة والعبارة اللطيفة والقول البليغ من أوثق طرق الله وفنون الإسلام التي يبادر إليها الصادقون لصناعة المعروف. وأوكد المعروف دعوة الخلق إلى التوبة والإرشاد لمعرفة الدين عسى أن يستزيد ذو البصيرة قوة في بصيرته، وينتبه المقصر الغافل فيخرج من خوضه وغمرته وحيرته، ويستبين الرشد من الغي فيحب الإسلام ويقوم لنصرته.

تخاطب هذه الرسالة بعضا من رجال الثقافة والفكر والسياسة، فضيلتهم الأسمى والأسنى أنهم يرفضون وأد فطرتهم ودس أنفسهم والانتساب لغير دينهم. إلا أنهم يشكون شكا طارئا عارضا في نهضة هذه الأمة وتوحدها على أسس دينية إسلامية. نرجو أن تكون الحالة لمسة عابرة للاستغراب الفكري والثقافي الذي هو جزء من مشروع العولمة الذي يستهدف كل الثوابت ويصيبها بالاهتزاز والاضطراب والتحول.

إذن، يبقى التواصل والحوار في شأن مستقبل الأمة ممكنا مع من يقف على عتبة الشك النوعي النسبي رافعا بصره إلى السماء عسى أن تدركه عناية المشيئة الإلهية وكرم اللطف الرباني فيحيط بسمعه أو بصره أو فؤاده برهان وصريح من الحق فيوقظه ويهديه إلى الرجولة الإيمانية. تلك الصفة اللازمة لمن اختاروا التحزب لله سبحانه، والتي بدونها يصبح الفرد عاجزا عن الإحاطة بأمر وحكمة وجوده، مفتقدا العزم والعلم الذي يؤهله للسعي نحو تحقيق مقاصد ربه، مفتقرا الإرادة التي تجعله متعززا بدينه وهويته حاملا لهموم أمته، بل عضوا في الجملة غير صالح راشد ناضج للعمل في طليعة الناس لإمامتهم نحو التقوى ومعالي عزتهم التي صبغتها العبودية لله سبحانه والاستقامة على هدي نبيه المصطفى المجتبى صلى الله عليه وسلم: “إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون. نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة” فصلت.

الرسالة تضع بين يدي القارئ خطوطا عريضة لدواعي اختيار الأرضية الإسلامية: أرضية الكلمة الطيبة الجامعة لا إله إلا الله، المؤلفة للقلوب، الرافعة للهمم، المقربة للفهوم والعقول، المطهرة للنفوس، المحرضة على الجهاد، المرشدة إلى الفلاح، الدالة على أعمال البر، المجددة للإيمان، الموحدة للصفوف، الصانعة للأمم والموصلة للقوة والتمكين والاستخلاف: “قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله. فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون” آل عمران.

نسأل الله سبحانه المنعم أن يربط على قلوبنا برباط اليقين، ويجعلنا ممن يستمسكون بكتابه ويوثرونه على غيره، ويسلكون سبل السلام والدعوة راشدين مهتدين غير ضالين ولا مضلين، آمين.

دواعي اختيار الأرضية الإسلامية

سأتناول إن شاء الله نقطة محورية وهي: مسألة تحديد المنطلقات والأسس التي ينبغي أن تمثل أرضية صلبة للميثاق المستقبلي.

عادة في مجالسنا الدعوية والحوارية نخاطب فطرة الإنسان في رقتها وشفافيتها، ولكن نظرا لغلبة الفكر والعقل والثقافة في مجال السياسة يلجأ رجال الدعوة، أو الإسلاميون باصطلاح العصر، إلى مخاطبة العقل الصرف الذي تعود الاقتناع المادي ويهفو  بطبعه وبحكم ما تعلم وما شكل تصوراته وأنماطه الخيالية من خلال حواسه وربما ما غزاه طوعا أو كرها- يهفو نحو الحياة المادية.

العقل أو الفكر أو الثقافة أو السياسة التي ترى الإسلام منظومة فكرية أخلاقية شكلت مرحلة تاريخية من مراحل نمو الإنسان المسلم من العبث الارتكاز عليها في عملية انبعاث الأمة وإحيائها: عقل أعلن القطيعة مع هذه الأمة وتاريخها ومكوناتها وتجاربها ومراحلها. الفضلاء الديمقراطيون في معيارنا أشرف وأنبل في ميلهم لدينهم، وحبهم لتاريخهم وأمتهم، وللعدل والجمال والقوة والنجاح والمستقبل أن يركنوا لهذا الركن ويركبوا هذه المطية.

من خلال تجربتي المحدودة والمتواضعة مع العديد من أهل الفضيلة ومكارم الأخلاق والديمقراطيين لاحظت حساسية وإحساسا اتجاه الإسلام: نوع من التهيب من الإسلام باعتباره ضيق الأطراف، أي مدخله ووسطه بل مساحاته كلها حدود وموانع وزواجر ونواهي وسدود وصدود وحواجز قد تكون سلبية، مانعة للقابليات والطاقات، مخلة بالوعي والإرادات. الإسلام وفق هذا التقدير عالم كله ضيق وحرج. وحيثما كان الضيق والحرج كان الملل وانتكاس معالم الإبداع والتطور والمبادرة.

الإسلام أحبتنا أوسع وأرحب في آفاقه ونظامه وأصوله ورسالته وقيمه وآلياته مما قد نعتقد. وما دام هذا المقام مقام الإيجاز فسأستعرض بعضا من الحقائق والدواعي التي تظهر الإسلام واسعا سابقا جديرا بالالتفات والالتفاف.

أولا: قد ينظر المتوجس من الإسلام من زاوية فقهية يتقابل فيها الحلال والحرام، فيخترقه انطباع سريع قد يتحول من خاطرة إلى فكرة راسخة تقول إن الإسلام دين حرمان وانغلاق.

وللتبيان نؤكد أن التحريم ليس هو الأساس والأصل. ولا وجود لتحريم على إطلاقه، بل التحريم يقع في بعض الجزئيات وهي محدودة. وما حرمه الإسلام وسده من ذرائع في عالم المادة هو من باب حكمة الامتحان والاختبار الرباني، وحتى لو تم إخضاعه للبحث والتجربة العلمية الدقيقة فسنجده مستقذرا ومفسدة وعورة إلى حد البشاعة تشمئز منه حتى نفوس من يرفعون شعار المنطق العلمي الذي يسع أصحاب المادية الموغلة في التطرف.

وإذا تجاوزنا الماديات، ونظرنا إلى موقف الإسلام من القضايا التربوية فسنجد أن لا مجال للمقاربة والمقارنة بين الإسلام والديمقراطية نهائيا. تخليق السياسة من الشعارات اليومية والمطالب المستعجلة الملحة. أصوات التجريح والتنديد والقذف واللعن للسياسة والسياسيين يمكن اعتبارها ظاهرة العصر. المرجعية الديمقراطية عاجزة ساذجة، دولتها صماء كما قال الشهيد حسن البنا رحمه الله، والعالم كله يشهد كيف أن ممثلي الديمقراطية أخلاقيا المستكبرين الأكابر يسقون المستضعفين كأس العنف والاستغلال والاحتقار إلى المشاش.

إن الجهل الفلسفي العلمي بالإنسان في أبعاده الوجودية والأخلاقية والتربوية الروحية القلبية وراء المأساة والأزمة. يضعنا الإسلام في الطليعة: عين فائضة، بحر زاخر، إرث عظيم لصناعة الإنسان السياسي وغير السياسي على نمط فريد وصورة مثلى. رحم الله الإمام أبا حامد الغزالي الذي راقب وبحث وغاص وجرب ونظر إلى بواطن الأمور مطلا على خفايا وأسرار النفس البشرية المتصرفة في سلوكات الناس الفردية والجماعية. ورحم الله أمثال أمثال الغزالي من أهل القرآن وهم المئات الذين بذلوا همتهم للحفاظ على رسالة الإسلام التربوية والأخلاقية. وللإسلام صولة مستقبلية عالمية في هذا المجال والباب، إن صدقنا وبادرنا.

ثانيا: لو نظرنا إلى أي ميدان شئت: ثقافي، اجتماعي، اقتصادي، فني، رياضي  إلا مجال العبادات، لأن الأصل في العبادات التوقف- سنجد الإسلام أوسع وأرحب للعمل والتجديد والإبداع والمنافسة والمبادرة. وهو، استنادا إلى رسالته واعتدال قيمه وأصوله وآلياته، أوفى وأوفر وأكمل على إعطائنا من داخل المغرب الامتداد الإقليمي والإسلامي، والبعد الكوني الذي نرغب فيه والذي سيحقق لنا كافة مستقبلا مشتركا مع المؤسسات والهيئات والجمعيات والأفراد الذين يكنون التقدير والخير والبر للإنسانية. إنه يمثل السبيل أو المسلك أو السيرورة الأوثق للتعامل مع الطبيعة، والانفتاح على العلوم الكونية بشكل لا يخنقها، بل يفتح لها الآفاق تلو الآفاق، ويدعوها لتجديد الوسائل في أمور الدنيا وتطوير الهياكل كلما تغيرت الظروف والنوازل. المسلم الملتزم تواقة روحه، مصرة جوارحه على تحقيق الاستخلاف الأرضي الاقتصادي الاجتماعي في أعلى صور كمال العدل، ليس الإسلامي فقط بل الإنساني.

ثالثا: العلاقات الاجتماعية في الديمقراطية جافة أنانية، خصوصا وأن البعد المعرفي الفلسفي الديمراطي للإنسان يعرف ضمورا وخمولا، لأنه عاجز اليوم عن صياغة نزعة إنسانية بديلة، عاجز عن إيجاد قدم ودور بجانب العلم المستكبر الذي يزهو مخترقا آفاقا تقنية جديدة مذهلة في دقتها وتطورها ولكن مقود هذا الإنجاز الكبير الضخم بيد العقلانية والعلوم الإنسانية ذات الأصل والفرع الديمقراطيين والتي لا تعرف التأسيس إلا لمشاريع التدمير والاستعمار والعنف وتخريب الكون وجر الإنسان إلى الغفلة عن الله والإلحاد في أسمائه، مما يعني موته المعنوي رغم بقائه البيولوجي، كما ذكر بالمعنى لا باللفظ الدكتور عبد الرزاق الدواي في بحثه الفلسفي حول موت الإنسان استنادا إلى أقوال بعض رواد الفكر الفلسفي المعاصر: هيدجر، ليفي ستروس، ميشيل فوكو.

الخطاب الإسلامي حار صادق حي رغم ضعف الإمكانات، وقسوة العدو وطبيعة بناء الدولة الاستبدادية في المغرب وانتشار شبكتها المخزنية وحصارها. وهو خطاب زاحف، اخترق اليوم الشارع من أقصاه إلى أقصاه. إنها لا شك حقبة تاريخية إسلامية ناشئة داخل قطرنا. ولا ريب أن اللغة العربية القرآنية النبوية بقدر ما هي لغة العبادة وتقريب عالم الغيب في أبهى صوره وأنصعها وأدقها، وبقدر ما هي لغة الدعوة الإيمانية للاستجابة للخالق الكريم العزيز الحكيم الحليم القدوس السلام توبة ومعرفة ومحبة وعملا صالحا وإقبالا دائما في تجليات الحياة اليومية، فهي لغة تمكننا من صياغة قوالب تعبيرية تناسب شخصيتنا وتاريخنا في كل أبعاده خصوصا العلمية والاقتصادية، وتميزنا عن غيرنا ريثما نؤسس منطلقاتنا اللغوية المستقلة يوم يبدأ مشروع توطين العلوم وأسلمة الحداثة. لغة القرآن ستتمكن بإذن الله كما تمكنت من قلوب التتار الوحشية الدوابية القاسية فألانتها واحتضنتها، وكما زحفت على الاستشراق بكل أطره وأدواته ستزحف على الاستغراب رغم عدم استفادتها من وسائل الاتصال الكونية والتقنية الحديثة.

رابعا: إن أرضية الإسلام تؤهل مشروعنا للنجاح أكثر لأن الإسلام موجود في أحشاء هذه الأمة: صاغ وجدانها، وشكل عقلها، وحدد معالم واقعها، وأظهر صبغتها، وحقق لها انتماء متميزا عن أمم العالم، وعبأها بنجاح منقطع النظير في كل مراحل تاريخها، وجمع أشتات شعوبها العرقية واختلافاتها، بل وحدد رؤيتها للكون والوجود والإنسان وأدق تفاصيل حياة الدنيا وحياة الآخرة. إنها الهوية الحقيقية الجامعة التي تعمل أحداث القضية الفلسطينية وقضايا الأمة مثل كشمير والبوسنة وأفغانستان والشيشان والهند على تعميقها وإبرازها.

كيف يمكن بناء مشروع مستقبلي يتجاوز كل هذه الحقائق؟ إن الإقدام على إخضاع دين هذه الأمة بكل مظاهره وظواهره وتجاربه وعادات وأعراف أمته إلى منهج مستورد ورؤى غربية غريبة لهو العناد والعزلة والغرق والإفلاس بعينه، مهما كان الرسوخ المعرفي بالعوامل الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية العالمية.

يقول الدكتور برهان غليون: “إن الشروط الموضوعية المادية والتنظيمية والعقائدية تجعل المسار الديمقراطي صعبا ومليئا بالمخاطر”. ويقول أيضا: “إن شرعية السلطة لا يمكن أن تتحقق إلا في حالة التطابق النسبي بين القيم التي تلهم الدولة والقيم التي تحرك المجتمع” ونحن نقول: إن هذه الشرعية لا يمكن أن تتحقق إلا في حالة التطابق الكلي.

إذا كان النجاح والفلاح لأي مشروع لا يقوم إلا على إرادة الشعوب، ولا ينهض إلا على الهوية والانتماء اللذان يعتبران العنصرين الحاسمين في التعبئة فإن الأمة المسلمة في قطرنا مستعدة لاقتحام كل مواطن الشدة والعسر والعقبة من أجل الوصول إلى خيارات وبنى اقتصادية، وسياسية، واجتماعية إسلامية إرضاء لله وحبا في نبيها الكريم الأكرم صلى الله عليه وسلم وطاعة للقرآن واستماعا لنصيحة منابر المساجد.

إن مفاهيم الوحدة، الحرية، التعددية، المساواة، الحقوق، السلام الاجتماعي، التعايش، الاختلاف، التناوب، المعارضة، والمبادرة وغيرها من الفروع الموصولة بشجرة العدل لن تجد خصوبتها في تقديرنا إلا إذا كانت في مشروع أصله ومنبته ومنطلقاته دين الأمة المعنية بالانبعاث والازدهار والقومة الذي هو الإسلام: الإسلام المنفتح على مستلزمات العصر الخارجية ومضامين الحكمة في المجالات التقنية والإدارية والتخطيطية والتسييرية والتواصلية والعلومية.

أختم بأمر بليغ الأهمية: إننا، ولعل كلامي شهادة وخلاصة من خلاصات فكر جماعة العدل والإحسان وتربيتها، نكره كراهية شديدة أدنى خاطرة للاستدراج والاحتواء، ونمقت إلى أبعد حد اكتساب المواقف بالخديعة وتوريط الآخرين. فكل ذلك يتنافى مع أخلاق الأسوة النبي الحبيب محمدا صلى الله عليه وسلم. ولن ننزلق أبدا بإذن الله إلى منزلقات التكفير والتحجير والتعسير، ولن ننقلب أبدا على عهودنا ومواثيقنا وعقودنا، ومن الحق لن نخرج وفي الباطل لن ندخل.