شهادات

ما من شك في أن الشهادة هي من سمات الرسالة البارزة، وموروثات النبوة الخالدة “إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا” (الفتح، 8). والمؤمنون مأمورون بالشهادة ولو على أنفسهم. فإذا كان الدون يحسد، والمثل يغبط، فإن من هو فوق يشهد. ولهذا فالشهادة مرتبة أعلى من مرتبة العبادة والمجاهدة والمعرفة. إنها كلمة الحق والصدق والقسط، يقولها الإنسان في حق الناس، وفي حق نفسه بالأساس، عندما يريد أن يكون لسيرته ذكر يبقى وخبر يذيع وينشر، وأثر يبرعم عبر الأجيال في ضمائر الرجال، تحدثا بنعمة الله ونصيحة من مجرب خبير تختزل لك الدروس والعظات التي استقاها من مدرسة الحياة في بضع كلمات.

شهادات المنصفين

ومن يملك ينكر فضل حسن البنا وسبقه وغناءه في حسن بناء الصحوة الإسلامية على أساس متين وركن ركين من الصدق والتصديق، والتنظير والتطبيق، والتأطير والتحقيق. فقد كان، رحمه الله، علما من أعلام هذه الأمة، لمع نجمه في ليل أليل من ظلام الفتنة والجاهلية؛ فهدى الله به الحائرين إلى طريق الهدى والرشاد، وجند على يديه التائبين في كتائب الدعوة والجهاد، وأيد به دعوة الحق، وجدد به دين الأمة من بلى، وأعاد به غزل عرا الإسلام المنتقضة عروة عروة. سبق في علم الله أن الأجل سيوافيه قبل أن يتم عمله، ويحقق أمله. وشاءت حكمة الله وقدرته أن يقصر عمره دون رؤية ثمرة تجديده طازجة كاملة، إذ قتلته الأيدي الآثمة قبل بلوغه غاية سعيه ومأمنه، دولة إسلامية راشدة. قتلته الأيدي الآثمة، لكن دعوته تفرعت دعوات كثيرة مختلفة المسارب، استقت جميعها من هذا المشرب الواحد، وفجرته ينابيع في الأرض صافية نقية، جارية قوية، كلها يشهد بأن حسن البنا كان الرائد المجدد، والباعث المجتهد، وأن الصحوة الإسلامية مدينة له، يقظة ودعوة، وحركة ودولة بما ليس يؤدي عنها شكره إلا الله.

حسن البنا وعبقرية البناء

سيد قطب التي ضمنها أحد مقالات كتابه القيم “دراسات إسلامية” تحت عنوان: (حسن البنا وعبقرية البناء). يقول في مستهل مقالته: “في بعض الأحيان تبدو المصادفة العابرة كأنها قدر مقدور، وحكمة مدبرة في كتاب مسطور: حسن “البنا” إنها مجرد مصادفة أن يكون هذا لقبه .. ولكن من يقول: إنها مصادفة، والحقيقة الكبرى لهذا الرجل هي البناء، وإحسان البناء، بل عبقرية البناء؟.

“لقد عرفت العقيدة الإسلامية كثيرا من الدعاة، ولكن الدعاية غير البناء، وما كل داعية يملك أن يكون بناء، وما كل بناء يوهب هذه العبقرية الضخمة في البناء. هذا البناء الضخم: “الإخوان المسلمون”، إنه مظهر هذه العبقرية الضخمة في بناء الجماعات. إنهم ليسوا مجرد مجموعة من الناس، استجاش الداعية مشاعرهم ووجداناتهم، فالتفوا حول عقيدة. إن عبقرية البناء تبدو في كل خطوة من خطوات التنظيم من الأسرة إلى الشعبة إلى المنطقة إلى المركز الإداري إلى الهيأة التأسيسية إلى مكتب الإرشاد. هذه من ناحية الشكل الخارجي  وهو أقل مظاهر هذه العبقرية- ولكن البناء الداخلي لهذه الجماعة أدق وأحكم، وأكثر دلالة على عبقرية التنظيم والبناء، البناء الروحي. هذا النظام الذي يربط أفراد الأسرة وأفراد الكتيبة وأفراد الشعبة، هذه الدراسات المشتركة، والصلوات المشتركة، والتوجيهات المشتركة، وفي النهاية هذه الاستجابات المشتركة، والمشاعر المشتركة التي تجعل نظام الجماعة عقيدة تعمل في داخل النفس قبل أن تكون تعليمات وأوامر ونظما (…)

“ويمضي حسن البنا إلى جوار ربه، يمضي وقد استكمل البناء أسسه، يمضي فيكون استشهاده على النحو الذي أريد له: عملية جديدة من عمليات البناء، عملية تعميق للإنسان، وتقوية للجدران، وما كانت ألف خطبة وخطبة، ولا ألف رسالة للفقيد الشهيد لتلهب الدعوة في نفوس الإخوان، كما ألهبتها قطرات الدم الزكي المهراق.

“إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع، حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة.

“(…) إنها عبقرية البناء، تمتد بعد ذهاب البناء”. (سيد قطب، دراسات إسلامية، 1398هـ/1978م، ص 225-228).

لا تغني هذه الفقرات المبسترة عن قراءة المقال كله لما فيه من دروس وعبر ممتعة ومفيدة في الوقوف على حسن بناء حسن البنا.

مجدد الإسلام في القرن العشرين

شهادة أخرى ننقلها عن أحد قيادات الإخوان هو أحمد عيسى عاشور الرجل الذي سجل دروس الشهيد حسن البنا، ونقلها إلينا مختزلة حية كما تلقاها هو نقية طرية من فم من أجرى الله ينابيع حكمتها من قلبه على لسانه. فقد وقع في نهاية مقدمته التي قدم بها لكتاب “أحاديث الثلاثاء” بهذا التوقيع الرفيع: “وإذا كان الإمام الشهيد حسن البنا قد مات، فإن فكره لن يموت وتأثيره باق وممتد، يتمثل في أجيال صنعها على مائدة الإسلام بأسلوب العصر، ويتمثل في هذا المد العالمي للحركة الإسلامية التي وضع، رحمه الله، بذورها الأولى. وحسن البنا، بعد كل هذا، هو مجدد الإسلام في القرن العشرين”. (حديث الثلاثاء للإمام حسن البنا، سجلها وأعدها للنشر أحمد عيسى عاشور، مكتبة القرآن، ص 6).

دعوة ربانية الأساس والوجهة

وفي شهادة خبيرة من الدكتور يوسف القرضاوي نقرأ هذه الفقرة المعنونة بـ: “اتصالي بدعوة الإخوان وتوجيهاتها الربانية”. وهي شهادة ضمنها هذا الفقيه المجتهد سلسلته الطيبة “في الطريق إلى الله”، الجزء الأول “الحياة الربانية والعلم”. يقول: “وفي تلك المرحلة (يعني المرحلة الثانوية) توثق اتصالي بدعوة الإخوان المسلمين، وهي دعوة ربانية الأساس والوجهة. وقد كان مؤسسها الإمام حسن البنا رجلا ربانيا بدأ صوفي النشأة، ثم تحرر من قيود الشكلية الصوفية، مبقيا على جوهرها، وهو سمو الروح، وطهارة القلب، محاسبة النفس، وصدق الصلة بالله تبارك وتعالى، وسلامة الصدر من الأحقاد، والحب في الله، والبغض في الله. وقد تجلى ذلك في شعارات الجماعة مثل: “الله غايتنا، والرسول قدوتنا”, كما تجلى ذلك في مناهج تربيتها ومظاهر نشاطها. حتى قال الشيخ البنا: “إن دعوتنا دعوة سلفية، وحقيقة صوفية، وطريقة سنية، وهيئة سياسية … وكانت وسائل الإخوان في التربية والتوجيه توطد هذا الجانب وتعمقه، مثل الأسرة، أو الكتيبة، أو المخيم … وتركيزها على الذكر والبساطة وتلاوة القرآن والمأثورات من الأدعية وحب الخير للناس”. (الدكتور يوسف القرضاوي، سلسلة فقه السلوك في ضوء القرآن والسنة، ج1، “الحياة الربانية والعلم”، مكتبة وهبة، القاهرة، ط 1، 1416هـ/1995م، ص 9).

حسن البنا شخصية فريدة استطاعت أن تعرض الإسلام في صياغة جديدة

شهادة أخرى نستقيها من كتاب صغير الحجم عظيم الفائدة والقيمة معنون بـ”حسن البنا الرجل والفكرة”. يقول محمد عبد الله السمان أحد الرجال الأوفياء الذين عاشروا الرجل وأحبوه وأخلصوا لنموذجه وفكرته في وقت عصيب، وظرف كالح كئيب، أي بعد أن قتل حسن البنا الحبيب، وأقبر ولم يشهد جنازته إلا عدد تحصيه أصابع اليد الواحدة، وحرم حتى فضيلة المشي خلف جنازته آلاف مؤلفة من أتباعه، فيهم الصديق، وفيهم التلميذ، وفيهم القريب.

قال السمان: “لقد تجلت عبقرية حسن البنا في أنه استطاع أن يعرض الإسلام في صياغة جديدة، جذابة مرنة سهلة مقنعة، أعانه على ذلك في مجال الصياغة عقلية ناضجة، وفكر ثاقب، وأفق واسع، وأعانه على ذلك أيضا، في مجال الإقناع، قدرته الفائقة على العطاء الإسلامي السخي الذي ينفذ إلى القلب والمشاعر والوجدانات قبل أن يستولي على الألباب والأذهان. يقول العلامة أبو الحسن الندوي في رسالة “أريد أن أتحدث إلى الإخوان”، وهو بصدد حديثه عن شخصية حسن البنا: “كانت شخصية فريدة، يظهر من حياة صاحبها ونشأته أنها أعدت لهذا الأمر العظيم إعدادا. كان يجمع بين الفهم الواسع للإسلام، والغيرة الملتهبة عليه، والنشاط الدائم والعمل المتواصل لإعلائه، والخطابة الساحرة، والشخصية الجذابة، والنفوذ العميق في نفوس أصحابه وإخوانه، وبلفظه هو نفسه” الفهم الدقيق، والإيمان العميق، والحب الوثيق..”. ولابد للزعيم المسلم وقائد الدعوة الدينية أن يجمع بين هذه الصفات”. (محمد عبد الله السمان، حسن البنا: الرجل والفكرة، دار الاعتصام، الطبعة الأولى 1398هـ/1978م، ص 30-31).

حسن البنا فكرة قوية هائلة

وعن الأستاذ البهي الخولي مؤلف كتاب “تذكرة الدعاة” نأخذ هذه الشهادة الصادقة: “كان حسن البنا فكرة قوية هائلة، والفكرة لا تبغي مالا، ولا تسعى لعرض زائل. لذا رأيناه يحيى بيننا حياة الضيف الخفيف، يلم الدنيا على هوادة لا يجمع منها ولا يمنع، ولا يهتم بشيء فيها إلا بمقدار، ولا يصيب منها إلا ما تدعو إليه الضرورة، يأكل ما حضر من الطعام، ويلبس ما تيسر من اللباس، ويتخذ ما قل وكفى من السكن، ويعيش عيشة الكفاف، ولا يهمه أن يترك بنيه لله ولا شيء معهم، وكل قرة عينه وبهجة نفسه أن ينادي في الناس بكلمة الله، ويعلن إليهم ما في صدره من الأسرار، وأن يرى فضائل فكرته ومثلها العليا حقائق واقعة، وصورا عملية تسعى في حياة الناس على قدمين، وتزحم بمناكبها العريضة كل ما يعترضها من باطل، وتنصر وجه الدنيا بإبائها وعفتها، فإذا بلغ من ذلك ما أراد رضيت الفكرة في نفسه وبسمت في قرارة فؤاده، بسمة لها من سنا وجه الله نعيم ونور وغبطة”. (من كلمة للأستاذ بهي الخولي، عن مقدمة “مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا”، ص 10).

بدت وراثة النبوة ظاهرة في شمائله

وعن الأستاذ محمد الغزالي، رحمه الله، أحد علماء هذه الأمة الموسوعين ودعاتها المعتدلين ومفكريها المنورين، نأخذ هذه الشهادة الجليلة: “لقد قتل حسن البناء يوم قتل والعالم كله أتفه شيء في ناظريه. ماذا خرقت الرصاصات الأثيمة من بدن هذا الرجل، خرقة جسدا أضنته العبادة الخاشعة، وبراه طول القيام والسجود. خرقت جسدا غبرته الأسفار المتواصلة في سبيل الله، وغضنت جبينه الرحلات المتلاحقة، رحلات طالما أصغى الملايين إليه فيها وهو يسوق الجماهير بصوته الرهيب إلى الله، ويحشدهم ألوفا ألوفا في ساحة الإسلام.

“لقد عاد القرآن غضا طريا على لسانه، وبدت وراثة النبوة ظاهرة في شمائله. ووقف هذا الرجل الفذ صخرة عاتية انحسرت في سفحها أمواج المادية الطاغية، وإلى جانبه طلائع الجيل الجديد الذي أفعم قلبه حبا للإسلام، واستمساكا به. وعرفت أوربا أي خطر على بقائها في الشرق إذا بقي هذا الرجل الجليل، فأوحت إلى زبانيتها، فإذا الإمام الشهيد مدرج في دمه الزكي، وإذا بجيله الذي رباه في المعتقلات”. (من كلمة للأستاذ محمد الغزالي، عن “مجموعة رسائل الإمام”، ص11).

كان لله بكليته

وعن نفس الكتاب ننقل شهادة أخرى لمحمد الحامد، رحمه الله تعالى: “إني أقولها كلمة حرة، ولا بأٍس بروايتها عني. أقول: إن المسلمين لم يروا مثل حسن البنا منذ مئات السنين، في مجموع الصفات التي تحلى بها، وخفقت أعلامها على رأسه الشريف. لا أنكر إرشاد المرشدين، وعلم العالمين، ومعرفة العارفين، وبلاغة الخطباء والكاتبين، وقيادة القائدين، وتدبير المدبرين، وحنكة السائسين. لا أنكر هذا كله عليهم من سابقين ولاحقين، لكن هذا التجميع لهذه المتفرقات من الكمالات، قلما ظفر به أحد كالإمام الشهيد.

“لقد عرفه الناس وآمنوا بصدقه، وكنت واحدا من هؤلاء العارفين به. والذي أقول فيه قولا جامعا: هو أنه كان لله بكليته: بروحه وجسده، بقالبه وقلبه، بتصرفاته وتقلبه. كان لله فكان الله له، واجتباه، وجعله من سادات الشهداء الأبرار…” (المرجع نفسه، ص 10).

كان مثلا أعلى في كل شيء

شهادة أخرى تفتل في حبل إمامة الرجل وبعثته التجديدية على رأس القرن الرابع عشر، تلك التي ضمنها الأستاذ سعيد رمضان البوطي كتابه الخواطر إذ يقول: “… كان حسن البنا إماما بكل ما تسع الإمامة من معنى. كان مثلا أعلى في كل شيء. في علمه، في إيمانه، في إخلاصه، في نشاطه، في حدة ذكائه، في دقة ملاحظته، في قلبه الكبير وروحه الطاهرة. كان حسن البنا حجة الله في نفسي على أن الإسلام يصنع الرجال، ويحقق المثل العليا، ويصوغ النور المصفى من لحم ودم. كان عقلا هائلا، وروحا موصولا بالسر الأعلى، لا يفتر عن ذكر الله. كان قمة شامخة فيها العلو وفيها الثبات، وفيها قوة الجبل. كان عظيما موفقا لا يخطئ الوجهة. كان رائعا ملأ قلوبنا بحب الله، وأشعل صدورنا بحب الإسلام، وصهرنا في بوتقة طاهرة لا تشوبها شائبة.

“قتل حسن البنا في يوم أسود من أيام التاريخ، وفقدت الإنسانية بفقده (إنسانا) قل أن يجود الزمان بمثله. قتل حسن البنا بعد عشرين عاما قضاها في جهاد مرير، متصل الأيام والليالي..” (عن مقدمة كتاب “أحاديث الجمعة”، الكتاب الثالث من سلسلة “كتب قيمة”، بقلم الإمام الشهيد حسن البنا، ص 189-190).

شهادات وشهادات، كلها تجمع على صدق الرجل وسبقه، وتوفيقه وتفوقه، وعلى أنه كان القوي الأمين، الحفيظ العليم، الحكيم الرحيم، وأنه كان حجة الله على النفوس، ووارثا لسر النبوة، وداعية إلى الله على بصيرة، وصانع رجال، وراهب ليل، وفارس نهار، ومثلا أعلى، محسنا في كل شيء، وصاحب مروءة وشخصية فذة؛ صواما قواما ذكارا مجاهدا عالما عاملا زاهدا، قائما لله بالحق وشاهدا بالقسط؛ وبكلمة جامعة كان ربانيا، يعبد بإيقان، ويعامل بإحسان، ويعمل بإتقان. وانبنت فكرة دعوته على أسس ثلاثة: العلم والتربية والجهاد. يقول، رحمه الله: “إنما يجب أن تكون دوتنا عامة قوامها العلم والتربية والجهاد، وهي أركان الدعوة الإسلامية الجامعة” (حسن البنا، مذكرات الدعوة والداعية، دار التوزيع والنشر الإسلامية، ص 67-68). وعلى هذا ربى الحق، سبحانه، بالقرآن رسوله الأكرم، صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا ربى الصادق الأمين صحابته، وعنهم ينبغي أن نأخذ، وبهم ينبغي أن نقتدي.

حسن البنا علم القرن الرابع عشر وإمامه

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في معرض حديثه عن الشيخ البنا ودعوته بعد أن أحصى عددا من المجددين المجتهدين الذين كان مشربهم صوفيا، ومسربهم جهاديا، من أمثال السنوسيين بليبيا، والمهدويين بالسودان، وغيرهم من أهل الصلاح والعرفان الذين كانوا في الليل كالرهبان، وفي النهار كالفرسان، وكانوا بحق أهل عدل وإحسان: “ولن يفوتنا شيء من جهاد الصوفية وتربيتهم وعلمهم، إذ سنجد كل ذلك في أبهى صوره عند رجل لم يدع تجديدا ولا مقاما … وإنما نزل على هذه الأمة كما تنزل الرحمة خفيف الحاذ في تواضع الأنبياء، وروحانية الصديقين، وجهاد الصادقين. هذا الرجل هو علم هذا القرن (يعني القرن الرابع عشر الهجري) وإمامه، سيدي حسن البنا رحمه الله رحمة واسعة ورضي عنه.

“قضى البنا عشرين سنة في جهاد الدعوة ومجاهدة الفتنة، فأنار أثناء القلوب وأنار العقول، وجمع الله به مؤمنين، وربى الله به شبابا خرجوا على الناس بسمتهم وإيمانهم وصدقهم، والإسلام في غربته، وضربوا مثالا للشجاعة في أمة متخاذلة فاشلة، وضربوا مثالا للقوة في أمة ضعيفة عنيفة، ونشدوا العدل في أرض طغى فراعنتها وامتصوا أموال الناس ودماءهم وأعراضهم. وكان الخطب عظيما على كل مسلم في الأرض لما قتل الطاغوت الفرعوني إمام الإخوان المسلمين، وحين تكالب على الجماعة من بعد ذلك الطاغوت البطولي الظالم المظلم يقتل ويشرد. وليس تمحو يد الظالمين ما سطرته العصابة المؤمنة في تاريخ هذه الأمة المعاصرة من جهاد وصدق، وسيشع لنا من تجربة الإخوان المسلمين نور يومض لنا، مشيرا أن الإسلام ممكن وأن المؤمنين هم الرجال إن عز العاملون ودعا الأمر لبناء الاقتصاد، وهم الرجال لرحمة البائس الفقير والعناية باليتيم والمحروم. فقد كانت للجماعة يد بيضاء في كل ساحة للعمل. ويرحمنا الله بفضله حتى لا يضيع الدرس من بناء الإمام وجماعته بين جهل الجاهلين وتأويل المؤولين”. (الأستاذ عبد السلام ياسين، الإسلام غدا، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، 1393هـ/1973م، ص 448-449).

كان منشئ جيل، ومربي شعب، وصاحب مدرسة علمية فكرية خلقية

وهذه شهادة أخرى، شهادة مؤرخ محقق وعدل ثقة، هو الأستاذ أبو الحسن الندوي، إذ يقول في مقدمة كتاب الإمام الشهيد “مذكرات الدعوة والداعية” بعد أن سرد بإسهاب الظروف القاتمة التي استقبلت ظهوره في فجر القرن العشرين في غياب وازع القرآن الذي ضعف، حتى كادت الفتنة لا تبقي منه ولا تذر بقية من أثر ولا خبر، وفي حضور وازع السلطان المنكر الذي ظلم وقهر، وفسق وفجر، وأسرف وبذر، واستضعف واستحمر. يقول: “إن كل من عرف ذلك عن كثب لا عن كتب، وعاش متصلا به، عرف فضل هذه الشخصية التي قفزت إلى الوجود، وفاجأت مصر ثم العالم العربي والإسلامي كله بدعوتها وتربيتها وجهادها وقوتها الفذة التي جمع الله فيها مواهب وطاقات قد تبدو متناقضة في عين كثير من علماء النفس والأخلاق ومن المؤرخين والناقدين، هي العقل الهائل النير، والفهم المشرق الواسع، والعاطفة القوية الجياشة، والقلب المبارك الفياض، والروح المشبوبة النضرة، واللسان الذرب البليغ، والزهد والقناعة  دون عنت- في الحياة الفردية، والحرص وبعد الهمة  دونما كلل- في سبيل نشر الدعوة والمبدإ، والنفس الولوعة الطموح، والهمة السامقة الوثابة، والنظر النافذ البعيد، والإباء والغيرة على الدعوة، والتواضع في كل ما يخص النفس تواضعا يكاد يجمع على الشهادة عارفوه، حتى لكأنه  كما حدثنا كثير منهم- مثل رفيف الضياء لا ثقل ولا ظل ولا غشاوة.

“وقد تعاونت هذه الصفات والمواهب في تكوين قيادة دينية اجتماعية، لم يعرف العالم العربي وما وراءه قيادة دينية سياسية أقوى وأعمق تأثيرا وأكثر إنتاجا منها منذ قرون، وفي تكوين حركة إسلامية يندر أن تجد  في دنيا العرب خاصة- حركة أوسع نطاقا، وأعظم نشاطا، وأكبر نفوذا، وأعظم تغلغلا في أحشاء المجتمع، وأكثر استحواذا على النفوس منها.

“وقد تجلت عبقرية الداعي، مع كثرة جوانب هذه العبقرية ومجالاتها، في ناحيتين خاصتين، لا يشاركه فيها إلا القليل النادر من الدعاة والمربين والزعماء والمصلحين: أولهما شغفه بدعوته، واقتناعه بها، وتفانيه فيها وانقطاعه إليها بجميع مواهبه وطاقاته ورسائله. وذلك هو الشرط الأساسي، والسمة الرئيسية للدعاة والقادة الذين يجري الله على أيديهم الخير الكثير. والناحية الثانية تأثيره العميق في نفوس أصحابه وتلاميذه، ونجاحه المدهش في التربية والإنتاج؛ فقد كان منشئ جيل، ومربي شعب، وصاحب مدرسة علمية فكرية خلقية”. (مقدمة كتاب “مذكرات الدعوة والداعية”، ص 6-8).

باعث النهضة الإسلامية الملهم

ويذكر الشيخ محمد محمود الصواف أول عهده بالاتصال بالإخوان المسلمين، واللقاء مع حسن البنا، رحمه الله، أنه تعرف إلى رجل عبقري مجاهد صادق في جلسة طيبة، كانت جلسة الروح وجلسة الإخاء، وقد شده، هو والبعثة التي كانت معه، بكلام بعث فيهم روح الحماس وروح الجد والأمل. يقول في سجل ذكرياته:

“كان حديثه، رحمه الله، حديث القلب إلى القلب، وهكذا كان أسلوبه دائما في محاضراته وخطبه. إنه لم يكن من الخطباء الجماهريين، ولكنه كان محدثا مقنعا. وكان كتاب الله وكأنه بين عينيه، يستشهد بالآيات القرآنية في كل مناسبة، وعندما تسمع الآية القرآنية من فمه الطاهر كأنك لم تسمعها من غيره. وهذا ما يدل على إخلاصه. وهو في الواقع مجدد هذا القرن (يعن القرن الرابع عشر الهجري)، وباعث النهضة الإسلامية الملهم.” (محمد محمود الصواف، من سجل ذكرياتي، دار المعرفة، ص 92).

وهل يحتاج النهار إلى دليل؟!

ولعل قارئنا يسأل: لماذا كل هذه الشهادات والرجل نار على علم، وقد شرق صيته وغرب، وعم خيره العالم كله، ومات بعد شهيدا. نقول: إن حسن البنا غني عن التعريف، وعن المدح والثناء، نعم، لولا أن الناس، بعد طول الأمد، قد قست قلوبهم عن ذكره، وبذكره وذكر أمثاله تتنزل الرحمات، وعن شكره  ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله- وعن حسن عبادة الله مثلما عبد الله حسن البنا بإحسان كأنه يراه، تربية وعلما وجهادا، فتفرق لديهم ما اجتمع عنده، وانزلقوا في إحدى المنزلقات الثلاثة: “إسلام الزهادة والهروب من المجتمع، والإسلام الفكري، والحركية على حساب التقوى والعلم…” (الأستاذ عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ط2، 1410هـ/1989م، ص 51).

يقول الإمام الشهيد في رسائله: “تعمل التربية الإخوانية على إنشاء جيل يحقق معنى “رهبان في الله فرسان في النهار”” (حسن البنا، الرسائل، ط الأولى، ص 40-41). ويضيف قائلا: “لهذا ترى الأخ المسلم في المحراب خاشعا متبتلا يبكي ويتذلل. وبعد ذلك يكون هو بعينه واعظا مدرسا يقرع الآذان بزواجر الوعظ، وبعد قليل تراه نفسه رياضيا أنيقا يرمي الكرة، أو يدرب على العدو، أو يمارس السباحة، وبعد فترة يكون هو بعينه في متجره أو معمله يزاول صناعته في أمانة وفي إخلاص.” (الرسائل، ص 157).

ثم إنني أرى الحديث عن الجانب المهمش المنسي من فكر الرجل واللامفكر فيه واللامتحدث عنه إلا بحرج وغموض والتواء وتبرير وتأويل متعسف، مساهمة من محب في رفع حصار وهمي ضرب على حسن البنا في قبره، وألزمه إقامة إجبارية صادرت لب دعوته إلى الإحسان والروحانية التي تلقاها نقية طرية عن الطريقة الحصافية، وأضاف إليها من سعة صدره وصبره، وفكره، وهمه، وفهمه وعزمه، ما جعله مؤهلا، أكثر من غيره، ليندرج في سلك المجددين، ويعد في زمرة المجاهدين الفائزين الذين قال عن نموذجهم: “أستطيع أن أتصور المجاهد شخصا قد أعد عدته وأخذ أهبته، وملك عليه الفكر فيما هو فيه نواحي نفسه وجوانب قلبه، فهو دائم التفكير، عظيم الاهتمام، على قدم الاستعداد أبدا، إن دعي أجاب، أو نودي لبى، غدوه ورواحه، وحديثه وكلامه وجده ولعبه، لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له، ولا يتناول سوى المهمة التي وقف عليها حياته وإرادته، يجاهد في سبيلها، تقرأ في قسمات وجهه وترى في بريق عينيه، وتسمع من فلتات لسانه ما يدلك على ما يضطرم في قلبه من جوى لاصق وألم دفين، وما تفيض به نفسه من عزمة صادقة وهمة عالية وغاية بعيدة”. ثم يقول: “أما المجاهد الذي ينام ملء جفنيه، ويأكل ملء ماضغيه، ويضحك ملء شدقيه، ويقضي وقته لاهيا لاعبا عابثا ماجنا، فهيهات أن يكون من الفائزين أو يكتب في عداد المجاهدين” (عن تذكرة النقيب أحد المنشورات الداخلية لجماعة الإخوان المسلمين مذيل بتهميش موقع بـ: في الدعوة، ص 60).

إنها شهادات متنوعة لعديد من العلماء والدعاة والمفكرين العظماء، منهم من مات، رحمه الله، ومنهم من لا يزال حيا، أطال الله في عمره. منهم من هو داخل جماعة الإخوان المسلمين، ومنهم من هو خارجها. منهم من هو من رحم البيئة المصرية، مولدا ومنبتا ومنشأ، ومنهم من هو من أقطار عربية وإسلامية أخرى.

وبعد، ماذا عساي أقول، وقد عثرت على قولة لمحمد عبد الله السمان تكفيني مؤنة البحث عن كلام أفطم به نفسي ونفس القارئ عن شهوة الرغبة في المزيد من الشهادات، وفضول الاستكثار من جوامع كلمها التي تؤدي كل طرقه إلى غاية واحدة مختزلة في كلمة واحدة هي أن الرجل كان مبعوثا على رأس مائة سنة، وأن فكرته كانت تجديدا لدين الأمة خلال القرن الرابع عشر الهجري. فلأترك للكلمة مسك الختام بين يدي مذكرات الشهيد.

وشهد شاهد من غير المسلمين

يقول الأستاذ محمد عبد الله السمان في كتابه القيم “حسن البنا الرجل والفكرة”:

“وبعد…

فلعل أحدا يظن أننا نكتب عن الرجل من خلال عواطفنا. والحق أننا لا نكتب إلا ونحن مجردون من هذه العواطف. إن الرجل في ذمة التاريخ وليس في حاجة إلى إطرائه فضلا عن الغلو فيه، ثم إن ما عمله في حياته القصيرة يشهد له، مما يغنيه عن الإطراء والغلو، بل يغنيه عن العواطف. وأمامنا رجل ليس مسلما وليس عربيا وليس مصريا، إنه الكاتب الأمريكي “روبير جاكسون”. يقول في كتابه “حسن البنا … الرجل القرآني”: “لفت نظري إلى هذا الرجل سمته البسيط، ومظهره العادي، وثقته التي لا حد لها بنفسه، وإيمانه العجيب بفكرته. كنت أتوقع أن يجيء اليوم الذي يسيطر فيه هذا الرجل على الزعامة الشعبية، لا في مصر وحدها، بل في الشرق كله. وسافرت من مصر بعد أن حصلت على تقارير وافية ضافية عن الرجل وتاريخه وأهدافه وحياته. وقد قرأتها جميعا، وأخذت أقارن بينه وبين جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومحمد أحمد المهدي، والسيد السنوسي، ومحمد عبد الوهاب. فوصل بي البحث إلى أن الرجل قد أفاد من تجارب هؤلاء جميعا، وأخذ خير ما عندهم، وأمكنه أن يتفادى ما وقعوا فيه من أخطاء. ومن أمثلة ذلك أنه جمع بين وسيلتين متعارضتين، جرى على إحداهما الأفغاني، وارتضى الأخرى محمد عبده.

“كان الأفغاني يرى الإصلاح عن طريق الحكم ويراه محمد عبده عن طريق التربية. وقد استطاع حسن البنا أن يدمج الوسيلتين معا، وأن يأخذ بهما جميعا. كما أنه وصل إلى ما لم يصلا إليه، وهو جمع صفوة من المثقفين من الطبقات والثقافات المختلفة إلى مذهب موحد وهدف محدد” (حسن البنا: الرجل والفكرة، ص 36-37).

أعتذر، لأن بين يدي عشرات من الشهادات المنصفة التي تنزل الرجل منزله في القمة، وتضع فكرته موضعها من الحكمة، وتثني عليه ثناء يبلغ به الذروة العليا من العلم والفهم والهمة. وأكتفي بهذا القدر الزهيد السديد، إذ المهم أن نقرأ مذكرات الشهيد ومنها نستفيد. وهنا نفضي لأصدق شهادة وأجمعها وأقواها في ميزان المقارنة والمفاضلة، لأنها شهادة بالقسط على النفس من عند شاهد على الناس، وشهيد مات في سبيل ولي النفس ومولاها، ورب الناس ملك الناس إله الناس.

شهادة من شهيد! ولكن، بأي عقل وأية إرادة نقرأ شهادات الرجال؟

هذا أنا، فمن أنت؟

سأل صحفي الإمام الشهيد عن نفسه، وطلب إليه أن يعرف شخصيته للناس. قال، رحمه الله: “أنا سائح يطلب الحقيقة، وإنسان يبحث عن مدلول الإنسانية بين الناس، ومواطن ينشد لوطنه الكرامة والحرية والاستقرار، والحياة الطيبة في ظل الإسلام الحنيف. أنا متجرد أدرك سر وجوده، فنادى: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين.

ثم قال: “هذا أنا، فمن أنت؟” (أحاديث الجمعة، ص 191).

ونحن نردد مع حسن البنا: هذا حسن البنا كما وصفه المنصفون، وهذا حسن البنا كما وصف نفسه بنفسه، وهذا حسن البنا كما أفصح عن هويته في مذكراته التي سنعرض عليك، أخي القارئ، صفحات منها مشرقة، منهضة إلى الله، ودالة عليه سبحانه، تبشيرا وتأييدا، وتوفيقا وتسديدا، وبعثة وتجديدا.

فمن أنا؟ ومن أنت؟ من أي القراء أنا وأنت؟!

من أي القراء أنا وأنت؟

القراءة، أيها الأخ الحبيب، علم من العلوم، فضلا عن كونها ضرورة من الضروريات الحياتية الدينية والدنيوية الأساسية التي لا يستغني عنها إلا أحمق، ومن حرمها فقد حرم خيرا كثيرا  أستغفر الله- “وما كان عطاء ربك محظورا” (الإسراء، 17). إنها علم هو مفتاح للعلوم، وأدب هو مفتاح للآداب، وفن هو صقل للمواهب. فينبغي أن نتعلم كيف نقرأ قبل أن نقرأ وأثناء القراءة حتى نستفيد، وحتى نستزيد من العلم الذي علم الله به الإنسان ما لم يعلم عن طريق القلم: “اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم” (العلق، 3-5). ولحكمة جليلة ورد الاستغناء والطغيان بعد القراءة والعلم “كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى” (العلق، 6-7)، وحكمة أخرى “إن إلى ربك الرجعى” (العلق، 8). فإلى الله الاحتكام، نرد إليه ما اختلفنا فيه، فالله يحكم بيننا في ما كنا فيه نختلف، سبحانه، لا يظلم أحدا، حاشا لله سبحانه، هو أعلم بمن اتقى، لا معقب لحكمه “ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير” (الملك، 14).

والقراءة بعد هذا كله صبر للنفس المالة الكالة، وحسن اختيار للمقروء، وسلامة نية وطوية تجعلك المتجرد المستفيد بعقلية نقدية، لا بذهنية رعوية، وعقلية نافذة لا تبسيطية ذرية مسطحة، وعقلية يقظة لا مخدرة بالجاهز المسبق المبيت من الأحكام والأوهام وسيء الظنون والأسقام، وعقلية علمية نزيهة ومتفتحة، لا عقلية حزبية عصبية مغلقة، أو انعكاسية مرآوية مقلدة، أو فتوغرافية انتقائية ملتقطة، أو حاسدة حاقدة جاحدة، أو ظالمة عدائية مسعورة، أو مستخدمة مستعملة مأجورة ومأزورة، أو متعالمة متعالية مغرورة.

من أي القراء نحن، أنا وأنت، حتى نقرأ فنذكر ونعتبر، ونطعم فننتشر ليتعدانا خير المقروء إلى غيرنا؛ فنكون دالين على الخير، والدال على الخير كفاعله؟

1) هل نحن من صنف المستحيي الذي تدعوه إلى قراءة سير الرجال فلا تجد له عزما؛ غارق هو في شهواته، سادر في غفلاته، يستكثر على ربه أن ينهضه من كبوته ليعانق بكلتا يدي همته فضل الله، وواسع رحمته، فنقول: هذا مغلوب مقهور بشقوته، مثله يحتاج إلى من يذكره بأن الله يغفر الذنوب جميعا، وأنه يفرح بتوبة عبده، ويجازي عن الشبر ذراعا، وعن الذراع باعا، وعن المشي هرولة، وعن القطرة بحرا، وعن القليل كثيرا، وعن الحصاة جبلا. فلا قنوط من رحمة الله، ولا يأس من مغفرة الله. ولن يدخل أحد الجنة بعمله.

2) أم نحن من صنف المستغني المستعلي الأناني الطاغي، المستقيل من هم تغيير ما بنفسه، المتمادي في غي حسه ورجسه، يذهب طيباته في حياته الدنيا، وينسى الله فينسيه نفسه. الممتلئ مما هو فيه من الزبد الذي يذهب جفاء، ومن التكاثر والتفاخر الغثاء، ومن أكداس الرواية مع قلة الفهم وانتكاس الإرادة. وهو العاجز، يتبع نفسه هواها ويتمنى على الله الأماني المعسولة، بإرادة بالادعاء مفتولة، وعن الإتيان بالبينة مشلولة، وعلى البخل على الله بالنفس والمال مجبولة، وعن الخير المتعدي بالغل مغلولة، وكنز عمره نافذ، وسجل حياته من الإيمان والإحسان بلقع؟ نقول له ولأمثاله هامسين: فاقد الشيء لا يعطيه، واسأل بالرحمن خبيرا إن عز أن تفهم، وانظر من تخالل فالمرء على دين خليله، وعلى قدر الصاحب محبة وصدقا، والمصحوب حظا وعناء وسبقا، تظهر ثمرة الصحبة. واستهد صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. فهم الصادقون، فكن معهم ينهضك حالهم إلى الله، ويدلك مقالهم على الله. هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم، إذ يبتاع منهم مسك الإخلاص ليطيب به ثوبه من الأدران والأدناس، وإلا:

دع المكارم ولا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

فقد تقرعك قبل القارعة قارعة، وتقع لك قبل الواقعة واقعة، وتزلزلك قبل الزلزلة زلزلة، فتستيقظ من سباتك وقد فاتك ليل القائمين، ومناجاة المتبتلين، ودمع الخائفين، وسؤال الراجين، وشوق المحبين، واستغفار المذنبين، وسحور الصائمين، ودعاء الصالحين، وصبح المستجيبين، وقرآن فجر الشاهدين، وتسبيح الذاكرين، وضحى الأوابين، فتقول: “يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين، أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين، أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين” (الزمر، 56).

3) أم نحن من صنف المعتدين المستعدين؟

وقد تكون وأكون  عافاني الله وإياك- من صنف المعتدين المستعدين، فترمي شهادة الرجل بما لا يليق، وتحملها من سوء الفهم ما لا تطيق، ويعمي الحقد والحسد نفسك عن سماع نداء الفطرة، والاستجابة لداعي الهجرة والنصرة، ويشاغب عليك طنين ذباب النمام والكذاب والمغتاب؛ فتنهض من مأدبة الأحباب خاوي الوفاض والجراب إلا من طعن ولعن وتكفير وسباب، أو تقرأ شهادات الرجال، وعلى القلب القفل لا يزال، وعلى العين غشاوة الجهال، وفي النفس خديعة المحتال، فيعكس المقروء جاهز حكمك، وسابق وهمك، ومبيت ظلمك.

نقول لهذا القارئ المعتدي والوكيل المستعدي: ما كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم كذلك، بل كان كما أجاب سيدنا علي كرم الله وجهه، عندما سأله سيدنا الحسين، رضي الله عنه، عن سيرته، صلى الله عليه وسلم، في جلسائه: “كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دائم البشر سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحاش، ولا عياب ولا مزاح (…) قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه. وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه…” (حديث أخرجه يعقوب بن سفيان والترمذي والحاكم والطبراني وابن عساكر).

4) فأي قارئ نقصد؟ وأي قارئ نريد؟

وحتى لا نقع فيما حذرنا منه ونبهنا عليه، وأشرنا إليه، نستثني من صنوف القراء صنفين رابعا وخامسا. فأما الرابع، فهو القارئ الذي نعنيه بهذه الشهادات وما فيها من دروس وعبر. وأما الخامس، فهو القارئ الذي نريد والذي نخصه بما فيها من درر وغرر. وإنما نقصد بهذه الشهادات القارئ الضحية، ذاك الذي عنده قابلية للتربية تقويما وتنمية، كما عنده استعداد فطري لالتماس الحق ونشدان الحقيقة ومعرفة الصواب ليسلك طريقه. القارئ الذي حيل بينه وبين أن يقرأ أو يسمع شهادات الرجال ماضيا وحاضرا، أولئك الذين تعلموا العلم وعملوا به، ثم علموه الناس، وبعد ذلك تبينوا أن بناءهم كان على غير أساس، وأن عليهم أن يراجعوا نياتهم، ويطهروا سرائرهم، ليزيل الله الغشاوة عن بصائرهم فيروا الحق حقا عسى يرزقون اتباعه، ويروا الباطل باطلا عسى يرزقون اجتنابه. أو أولئك الذين ألقى عليهم الله محبة منه، وصنعهم على عينه دعاة إليه بإذنه، مثل الأستاذ الإمام حسن البنا، رحمه الله، أو هكذا نحسب ولا نزكي على الله أحدا؛ من نشأوا في عبادة الله، وترعرعوا ونموا في حفظ الله وعناية الله، فكانوا المبعوثين المجددين، وكانوا المحسنين البانين، بل كانوا أس كل بناء على استقامة واستواء، ولا يتداعى فينهار أمام عقبات النفوس والأهواء، أو تحديات الواقع والأنواء، أو كيد الحساد وظلم الأعداء.

وأما القارئ الذي نريد، فندع الحديث عنه إلى حين نعرض شهادة الشهادات بدروسها وعبرها القيمة على قارئنا الضحية، عله يتبين أن حسن البنا الذي سمع عنه وقرأ عنه ما يفطم عن الرغبة في معرفة شخصيته والاطلاع على فكرته، والوقوف على أهداف دعوته وتاريخ جماعته. أو من قرأ له بنظارات الحساد السوداء، أو لم يقرأ له إلا صفحات متناثرة أو رسائل معدودة في غياب رصد شمولي وأمين لمتعدد الجوانب المساعدة على معرفة الرجل، والإحاطة بفكرته مشربا ومسربا، وأهدافا ووسائل، وغاية ومقصدا.

حسن البنا، هذا الذي يكاد يقع الإجماع على بعثته التجديدية على رأس القرن الرابع عشر الهجري، وعلى أنه أبو الصحوة الإسلامية، وجد الحركة الإسلامية الحديثة، هو من شهد له المنصفون بما قرأت، وهو أيضا من يحكي عن نفسه في مذكراته المشهورة “مذكرات الدعوة والداعية” هذه الشهادات الصادقة.

شهادات الشهيد

صفحات من “المذكرات” نعرضها عليك أخي القارئ الباحث عن الحق والحقيقة، والملتمس سبيل من أناب إلى الله ليخاللـه ويسلك طريقه، أخذناها عن صاحبها المذكر بها أمانة، وقدمنا لها بعناوين مضيئة مبينة لمضمون المنتقى ومرمى المستقى، تشهد كلها بأن الرجل، رحمه الله، ونفعنا برسائله وأصوله ومذكراته ومأثوراته، كان داعية ربانيا ووارثا نبويا. شهادة شهد له بها أقرب الناس إليه في لحظة صدق هي لحظة تأبينه بعد استشهاده، وبنبرات صدق لا يملك سامعها إلا أن تدمع عين رأسه رحمة، وتجحظ عين قلبه إعجابا يزول بعد ظهور السبب. وهل من سبب يبطل معه العجب من حياة الأولياء الصالحين والعلماء الوارثين، والمجاهدين المستشهدين وموتهم، إلا أن نقف على حقيقة أن الله خلقهم لعبادته، وأحياهم على طاعته وأماتهم على شوقهم للقائه ومحبته للقائهم، بعد أن هداهم واجتباهم. سبقت لهم منه الحسنى، فأحسنوا فكانت لهم الحسنى وزيادة.

يحكي أبو حسن البنا الأستاذ أحمد عبد الرحمن البنا بعد موت ولده عن إحدى الإشارات الإلهية المعبرة في الشهور الأولى من ولادته فيقول: “تتمثل لي يا ولدي الحبيب، وأنت رضيع لم تتجاوز الستة شهور، وقد استغرقت مع والدتك في نوم عميق، وأعود بعد منتصف الليل من مكتبي إلى المنزل، فأرى ما يروع القلب، ويهز جوانب الفؤاد، أفعى مروعة وقد التفت على نفسها وجثمت بجوارك ورأسها ممدود إلى جانب رأسك، وليس بينها وبينك مسافة يمكن أن تقاس. وينخلع قلبي هلعا فأفزع إلى ربي وأستغيث به فيثبت قلبي، ويذهب عني الفزع، وينطق لساني بعبارات واردة في الرقية من مس الحياة وأذاها. وما أفرغ من تلاوتها حتى تنكمش الحية على نفسها، وتعود إلى جحرها، وينجيك الله يا ولدي من شرها لإرادة سابقة في علمه، وأمر هو فيك بالغه”. (الإمام الشهيد حسن البنا، كتاب ألف بعد استشهاده بعامين بأقلام أدباء وكتاب سياسيين كبار، ص 2).

هذه صورة من صور العناية الربانية لمن أراد الله له وبه خيرا، وصور أخرى يحكيها عنه أخوه الأستاذ عبد الرحمن البنا إذ يقول بعد سنتين فقط من وفاته:

“وكانت مكتبة الوالد الكريم تفيض بالكتب وتمتلئ بالمجلدات. وكنا ندور عليها بأعيننا الصغيرة، فتلتمع أسماؤها بالذهب، فنقرأ “النيسابوري” و”القسطلاني” و”نيل الأوطار”. وكان يبيحها لنا، ويشجعنا على اقتحامها. فكنت أنت المجلى في الحلبة، وكنت فارس الميدان، وكنت أحاول اللحاق بك، ولكنك كنت غير عادي، وما كان الفرق فرق السنتين، ولكن فرق إرادة إلهية أعدتك لأمر عظيم، فكنت طالب علم، ولكنك كنت مستقر موهبة إلهية، ومستودع منحة ربانية، وشتان بين المنزلتين، وفرق بعيد بين المريد والمراد. ثم يقول: “وبعد صلاة العشاء يجلس أخي إلى الذاكرين من جماعة الإخوان الحصافية، وقد أِرق قلبه بنور الله، فأجلس إلى جواره نذكر الله مع الذاكرين وقد خلا المسجد إلا من أهل الذكر، وخبا الضوء إلا ذبالة من سراج، وسكن الليل إلا همسات من دعاء أو ومضات من ضياء، وشمل المكان نور سماوي، ولفه جلال رباني، وذابت الأجسام وهامت الأرواح وتلاشى كل شيء في الوجود وانمحى، وانساب صوت المنشد في حلاوة وتطريب:

الله قل وذر الوجود وما حوى إن كنت مرتـادا بلوغ كمال

فالكـل دون الله إن حقـقتـه عدم على التفصيل والإجمال

“واستغرق أخي في هذا الجو الصافي، ونهل من هذا المنهل العذب، وكان شيخ الطريقة عالما فاضلا، وكان الذكر صحيحا لا لحن فيه ولا تحريف، فكانت هذه المرحلة من حياة أخي، عليه رضوان الله، مرحلة جلوة نفسية، وإفاضة ربانية، شفت بها نفسه، وأرهف بها حسه، وامتلأ بنور الله قلبه، فظهرت على يده الكرامة، وأصبح يرجى للدعاء والبركة.

“ولم لا يهذب الطريق الفاضل النفس، ويرهف الذكر الصحيح الحس، ويكمل جوانب الخلق، ويكون مقومات الرجولة. وما أحلاها من أنغام كنا نترنم بها، وما أعذبها من قصائد كنا ننشدها:

مـا لذة العيش إلا صحبة الفقرا هم السـلاطين والسادات والأمرا

فـاصحبهم وتأدب في مجالسهم وخل حظـك مهمـا قدموك ورا

ولازم الصمت إلا إن نطقت فقل لا علم عندي وكن بالجهل مستترا

ولا تـر العيب إلا فيك معتقـدا عـيبـا بـدا بيننـا لكنـه استترا

وراقب الشيخ في أحواله فعـسى يرى عليك من استحسـانه أثـرا

“لو أقدم حسن البنا على دعوته سابقا هذه الخطوات، مخالفا هذا الناموس، متقدما تلك المراحل، مرتجلا في خطى السير، لما أدرك ما أدرك، ولما كان من شأنه ما كان.

“ولكنه كان يهيأ لكل شيء، ويعد لكل ظرف، ويصنع على عين ربانية، وتحيطه هالة محمدية … (الإمام الشهيد حسن البنا، ص 13).

“المسلمون في حاجة إلى تتبع سيرة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وتقصي أخباره وآثاره، ولابد لهم من القدوة العملية يتبعون سيرتها، ويأخذون عنها، وكنت أنت القدوة العملية، تحقق سيرته في نفسك وتشيع أضواءها على من حولك، وكنت المعين الذي يفيض خلقه، وينشر هديه في العالمين …” (المصدر السابق، ص 15).

ما أجمل هذا الكلام وما أبينه عما نريد وضع الأصبع عليه، والإشارة إليه! تبع سيرة المتبوع الأعظم، صلى الله عليه وسلم، وتقصي أخباره وآثاره، وتلك إشارة إلى “المنهاج النبوي” واضحة، وقدوة عملية واتباع فأخذ، وتلك لعمري إشارات إلى الصحبة صريحة. الصحبة التي تشع، والصحبة المعين الذي يفيض، والصحبة التي تنشر الهدي في العالمين تجديدا لأمر الدين، وللإيمان في قلوب المسلمين، بعد أن أصابه من درن الفتنة، ودنس الكراهية، ورجس الجاهلية صدأ، وعاد الإسلام غريبا كما بدأ.

ثم اقرأ معي، وأعد قراءة كلمات عبد الرحمان البنا، من أول سطر، كلمات من قبيل “غير عادي”، و”إرادة إلهية أعدتك لأمر عظيم”، و”كنت مستقر موهبة إلهية، ومستودع منحة ربانية”، و”فرق بعيد بين المريد والمراد”، و”نذكر الله مع الذاكرين”، و”الجو الصافي”، و”المنهل العذب” و”كان شيخ الطريقة عالما فاضلا، وكان الذكر صحيحا لا لحن فيه ولا تحريف”.

اقرأ معي أخي هذا، وما بعده من كلمات الرجل الصادقة المتدفقة من قلب مكلوم عزاءه في الذكرى النافعة بين يدي الواقعة الفاجعة، وفي تلك الأجواء الجنائزية الخاشعة. اقرأ معي لنعلم جميعا أن لابد من صحبة ربانية تنهض بنا لذكر الله، وترفعنا لطلب وجه الله بهمة ماضية عازمة، لا بعقلية منتظرة متمنية مستسلمة، وبإرادة قوية مقتحمة، لا بذهنية رعوية مسترخية منهزمة. في حضن هذه الصحبة نذوق دفء الرحمة ونرضع ألبان الحكمة، ونفطم عن رعونات النفس، وجوامح الطبع، وخروم المروءة. ثم نحبو بشبر الفهم إلى بلوغ اليافعين، وبذراع الهم إلى نضوج العاقلين الواعين، وبباع العزم إلى رشد الرجال الخاشعين، وبهرولة العلم والمعرفة إلى شهادة القائمين، المرشدين الداعين.

الصحبة الصحبة

إنها الصحبة يا أخي، وإنها ثمرة الصحبة، في ظلها تشف النفوس، ويرهف الحس، وتمتلئ بنور الله القلوب، فيسير العبد على بينة من أمره سويا على صراط مستقيم. “فإنه لا يهذب النفس، ولا يرهف الحس، ولا يكمل جوانب الخلق، ويكون مقومات الرجولة” إلا صحبة رفيق رفيق، هو الدليل على الطريق والنبراس المضيء، يعلمنا بمثال قوله وعمله، وسلوكه وحاله كيف نصحح النية ونصلح العمل، وكيف نتقرب بالفرض والنفل إلى الله عز وجل، دون أن نسوف أو نطيل الأمل، ودون أن نكسل أو نركب العجل. نذكر الله في صحبته ومع الصادقين، ونصدق في طلب وجه الله باذلين المال والنفس لا نبخل ولا نجبن، ولا نهون ولا نستكين، ونتعلم العلم النافع ونعمل العمل الصالح مخلصين متقنين، ونحسن سمتنا مستبشرين ومبشرين، ونتئد حلماء صابرين، ونقتصد متقللين لا مبذرين ولا مقترين، ونجاهد في الله حق جهاده شاهدين ومستشهدين.

“ولو أقدم حسن البنا على دعوته سابقا هذه الخطوات، مخالفا هذا الناموس، متقدما تلك المراحل، مرتجلا في خطى السير، لما أدرك ما أدرك، ولما كان من شأنه ما كان”.

إنها الصحبة يا أخي، وإنها ثمرتها، وإلا فهات برهان صدقك في غيابها صفات قرآنية هي من علامات القوم الذين يحبهم الله ويحبونه، “أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم” (المائدة، 54). فإن فاتك هذا الفضل من الله الذي آتاه عباده الموفقين، أمثال حسن البنا وكل البنائين المحسنين، ومن سار على دربهم بقوة وأمانة ومحبة ويقين، فلا تركن إلى عقلك، ولا تعتمد على رأيك، ولا تستغن بعلمك وفهمك، وهذب نفسك بصحبة من هو أعلم منك.

من أصول الشيخ البنا رحمه الله: “ومحبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم بما عرف من طيب أعمالهم قربة إلى الله تبارك وتعالى. والأولياء هو المذكورون في قوله تعالى “الذين آمنوا وكانوا يتقون” (يونس، 64). والكرامة ثابتة لهم بشرائطها الشرعية، مع اعتقاد أنهم، رضوان الله عليهم، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا في حياتهم أو بعد مماتهم، فضلا أن يهبوا شيئا من ذلك لغيرهم” (محمد عبد الحكيم خيال، شرح وتحليل الأصول العشرين للإمام الشهيد حسن البنا، دار الدعوة، ص 39).

وتعليقا على هذا الكلام، واستثمارا له، واسترشادا بالمجرب الخبير الذي يقدر كلام الرجال قدره، وينزله منزله، نورد فقرات من “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا” علها تعطي هذا الأصل من أصول البنا أبعاده المكنونة خلف كلماته النيرة.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في معرض حديثه عن الصحبة والمصحوب: “المحبة والاحترام والثناء في حدود الشريعة هو ما يليق بالصالحين من هذه الأمة أحياء وأمواتا، وإنما نبه الشيخ البنا رحمه الله على بشريتهم وعجزهم عن النفع والضر لإلفات النظر كيلا يبقى في ذهن المؤمنين من هذه الخرافات التي تعيث فسادا في أوساط العامة من تقديس الرجل الصالح أو مجرد من تظهر عليه الخوارق وهو ليس من الله في شيء، ولكي يحذر من بدع عبادة القبور وتأليه البشر.

“بعد هذا نقول: إن المحبة والاحترام والثناء على الصالحين من هذه الأمة قربة إلى الله لقول الله، عز وجل، معلما إيانا الأدب مع أحبائه، وملقنا إيانا صيغة الدعاء لهم، وموجب هذا الدعاء، وهو أنهم سبقونا بالإيمان، وعلمونا الإيمان: “ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا. ربنا إنك رؤوف رحيم” (الحشر، 10). لكن احترام الأولياء من بعيد، ومحبتهم بلا صحبة، والثناء عليهم دون أن يكون الثناء حافزا لنا على اللحاق بهم، أعمال لا تثمر إيمانا وإن أثمرت ثوابا. ومن الناس من يحترم الأموات، ويحب الأموات، ويثني عليهم وحدهم، معتقدا أنه لا ولي لله من معاصريه، هؤلاء يحرمون ثمرة صحبة الصالحين.

“وإنما ينفع الله، عز وجل، المؤمن الصادق الجاد في الإقبال على ربه أول ما ينفعه بصحبة رجل صالح، ولي مرشد، يقيضه له، ويقذف في قلبه حبه، ومتى كان المصحوب وليا لله حقا والصاحب صادقا في طلبه وجه الله ظهرت ثمرة الصحبة. قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في ما رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح وقال فيه الترمذي حديث حسن: “الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل”. والآيات والأحاديث المشيرة إلى الصحبة والحاثة عليها كثيرة، وكل تاريخ الإيمان يشهد بأن قلب الداعي إلى الله على بصيرة، نبيا كان أو وليا، هو النبع الروحي الذي اغترفت منه أجيال الصالحين بالصحبة، والملازمة، والمحبة، والتلمذة، والمخاللة.

“وعلى قدر المصحوب إيمانا وإحسانا وولاية ينتفع الصاحب.

“ومن المؤمنين من يرفع الله همته لطلب معرفة ربه والوصول إليه مع الذين أنعم الله عليهم، فمن كتب الله، سبحانه، له سابقة خير يسره لصحبة دليل رفيق، ولي مرشد” (المنهاج النبوي، ص 123-124).

وفي مذكرات البنا، رحمه الله، سنقف على هذه الحقيقة جلية واضحة. حقيقة الصحبة محبة واحتراما وثناء من حسن البنا لشيخه الحصافي، سواء عندما أخذ عليه العهد، أو عندما فارقه مضطرا وحافظ على العهد والود.

ولو أن حسن البنا، رحمه الله، وجد في شيخه الحصافي مثله الأعلى، وقدوته المثلى لما خالفه أو فارقه، لكن صحبة الشيخ الحصافي لم تمثل للشهيد إلا مرحلة “خضرية”، ثم كان الفراق بينه وبين شيخه الحصافي بعد أن تعلم مما علمه الله إياه رشدا، ليمضي معلما مزودا، وموفقا مؤيدا إلى الاتباع الكامل لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، على محجة الدعوة الجامعة اللاحبة، تربية وعلما وجهادا. من هنا كان سكوت الشهيد عن ضرورة صحبة الأولياء واتباعهم، لئلا يتوهم أتباعه أن صحبة الصالحين  مطلق الصالحين- مطلوبة، فينصرفوا إليها منزوين في الزوايا والتكايا، منعزلين عن الناس، مستلذين الذكر والسماع والمجالسة والمذاكرة في الأحوال، والمقامات، والكرامات، على موائد القعود الدسمة. ولأن في صحبة حسن البنا، رحمه الله، المربي العالم المجاهد، ما يغني عن الالتفات إلى صحبات لا تفضي لجماعة، وإلى تقوى لا تتفتح على جهاد، لأن ذلك مما يفرق ولا يجمع.

الصحبة الصحبة والجماعة

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في “المنهاج النبوي” تحت عنوان: لا جهاد إلا بجماعة منظمة:

“ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فلابد من أن يتولى تربية جند الله صالحو الأمة من أولياء الله. فإذا اعتبرنا أن من أولياء الله من لا وعي له بحاضر الإسلام ولا بمستقبله، ولا كفاءة له لتنظيم الجهاد وقيادته مع وجود فضله وعلمه، ومع ظهور كرامة الله له، برز لنا مشكل ليس بالسهل حله.

“ذلك أن تعدد الصحبة، وتعدد “المتبوعين المقدمين” كما يعبر الغزالي، قد يكون سببا في صدع وحدة الجماعة. فإن أولياء الله العارفين به ما هم في درجة الصحابة، رضي الله عنهم، فهم أكثر تعرضا للخلاف منهم. ولا هم معصومون. لنخشى أن ينشأ عن تفرقهم تفرق الأمة من حيث نسعى لتجمع.

“فكيف نجمع بين صحبة مربين يدلوننا على طريق معرفة الله فيربون لنا رجالا محسنين، هم على كل حال صلب الجماعة وقوامها، مع الاحتفاظ بنظام الجماعة ووحدتها؟

“فطر الله، عز وجل، هذا الإنسان على الأنانية والدعوى فقل ما تجد بشرا لا يحدث نفسه بالرئاسة على الأمثال حتى ولو كان من المؤمنين. قال أحد الصالحين: آخر ما يخرج من قلب العارفين بالله حب الرئاسة.

“فنزيد على ما درج عليه سلفنا من شروط الولاية وأهلية التربية شرطا نعتبره أساسيا للحفاظ على وحدة الصف.

“نعتبر مربيا صالحا للجهاد من آتاه الله من فضله، زيادة على ما يؤتي أحباءه من سر، وفتح، وكشف، ومعرفة بربه، وتقوى، واتباع لسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مزية لا تعدلها  بالنسبة لمستقبل الأمة- مزية، خصلة من خصال الإيمان لا تعدلها خصلة بالنسبة لمستقبل الأمة، ألا وهي جمع الجماعة والحفاظ على وحدتها (…) (لكي) لا يغلب جانب التأمل، والذكر المنفرد، والتقوى الانعزالية، والخلوة القاعدة، جانب التحرك والجهاد لإقامة الدولة الإسلامية والخلافة على منهاج النبوة” (المنهاج النبوي، ص 129).

الصحبة + الجماعة + التنظيم

وتحت عنوان “الصحبة والجماعة تنظيما” نقرأ في المنهاج النبوي ما يوضح بجلاء أهمية صحبة أولياء الله الصالحين وبالتحديد، المجاهدين الشاهدين، القائمين لله رب العالمين، الذين تربوا تربية متوازنة، تقوى وفكرا وحركة، أو بتعبير البنا، رحمه الله، تربية وعلما وجهادا. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين، جزاه الله خيرا: “نسمي “تربية متوازنة” تلك التربية الإيمانية التي لا تقصر بالمؤمن عن درجة المجاهدين ولا تجعله من غثاء الحركية الجوفاء الخالية من لب الإحسان.

“التربية المثلى هي التي تجعل من جندي الله عارفا بالله مجاهدا في سبيله. فمن المتصدين للجهاد من هم في حماس إيماني دون الصدق. ومن أولياء الله من اعتزل الناس فلا يحدث نفسه بإحياء غيره فضلا عن إحياء أمة” (المرجع نفسه، ص 129).

قيادة الجماعة ومعيار الأفضلية

ويضيف الأستاذ: “وكيفما كان فضل الرجل الصالح فإن الله، عز وجل، أعطانا معيارا للأفضلية حيث قال: “فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما” (النساء، 95-96).

قد تجد وليا لله يجمعك على الله مع القعود.

خير منه ولي لله يجمعك على الله مع الجهاد (…)

“فإذا أراد الله بجماعة المؤمنين رشدا قيد لها من أوليائه من يشد أواصرها بالصحبة المستمدة قوتها من القلوب، الواقفة على باب الله تطرق تسترحم، تستفتح، تتضرع، تبكي شوقا ولهفة، كل ذلك والجوارح آخذة في تعبئة الجهود، والعقول منكبة على العلم النافع وإعداد ما أمرنا به من قوة الخبرة والتخطيط.

“الجماعة المؤمنة المجاهدة تركيب عضوي كالجسد الواحد. فقيادة تمثل الرأس المفكر دون أن تكون في نفس الوقت قلب الجماعة الحي قيادة لا تجمع الكفاءتين الإيمانيتين: الرحمة القلبية والحكمة العقلية. وقيادة ذات رحمة في القلب ونورانية وكرامات لا تقدر على فهم الواقع والتخطيط للمستقبل والتنفيذ قيادة كسيحة بميزان ما نرى ونحكم، “وإن الله لمع المحسنين” (العنكبوت، 69) المحسنين يعبدونه سبحانه كأنهم يرونه، المحسنين في فهم مهمات الجهاد وتنفيذها، وقد كتب الله الإحسان على كل شيء، من رأس الأمر كله وهو صلاح القلب إلى ما يتبع من جليل الأمر ودقيقه” (المنهاج النبوي، 130-131).

وكأني بالقارئ الكريم يستعجل سماع شهادة الشهيد في مذكراته وباقي كتاباته، لتكون أصدق في نقل خبر صوفية منبته ومنشئه، وروحانية دعوته وفكرته عساها تلقى منه آذانا صاغية لا وقر فيها، وقلبا واعيا لا مبيت ولا منبت فيه، فتكون لحاله بحال الرجال أهل الكمال منهضة، ويكون مقاله دالا له على الله، ولوسنان الإحسان في فطرته موقظا حتى يعبد الله كأنه يراه. وعلى الله قصد السبيل.