بسم الله الرحمن الرحيم. (رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء). اللهم اجعلني أُعظم شكرك.

نعيش في خضم الحضارة الاستهلاكية تابعين مجرورين، تَسْحبنا من البطن لأنها تنتج الغذاء ولا ننتج، وتسحبنا من الرأس، ومن الأسفل، بأسبابها القوية. نلبس ما يلبسون، ونفكر كما يفكرون، ونريد ما يُريدون، طوعا وكرها. والأبوان اللذان أنيط بهما حفظ الفطرة غثاء مع الغثاء، يجري السيل بالجميع جريا إلى الهاوية، ومنادي الإيمان هناك، امتزج عنده الوعي السياسي واليقظة السِّياسيّة بداعي الإيمان، فدعوته لاقتحام عقبة المواجهة، وللجهاد مباشرة. ويسأل الشباب ولا من مجيب عن أسباب الخواء الروحي وضعف الإيمان لأن الذين ينتظر منهم أن يجيبوا عن الأسئلة الحائرة منهمكون في مطاردة البدع وتكفير المسلمين. يختلقون البدع جَهلا أو ضِيقَ عَطَنٍ، فيُنازلون خيالات صنعوها ليوهموا أنفسهم والناس أنهم حماة الدين.

وصية الله تعالى للإنسان إن لم يجد الأب الحكيم، ولم ينشأ في المحضن الفطري السليم، أن يتبع سبيل من أناب إلى الله. والإنابة درجة من درجات التوبة. قال تعالى عن عبده لُقمان الذي آتاه الحكمة: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم).(سورة لقمان، الآية: 13) ثم جاء القرآن بالوصية الإلهية جملة اعتراضية بين وصايا لقمان لابنه، قال الله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه، حملته أمه وهنا على وهن، وفصاله في عامين، أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير. وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما. وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي).(سورة لقمان، الآيتان: 14-15)

إن غابت السلسلة الفطرية، سلسلة الأبوين، فاتبع خُطى “من” أناب. ابحث عن هذا “المن” لعل أنامِلَ روحانيته تمتد إلى قلبك بلمسات المحبة ونسمات الشوق إلى ربك والحنين إليه. ولعل التوبة واليقظة الروحية، وهي أعمال قلبية، تُؤصِّلُ لكَ دينا أوسع أفقا وأعلى مرتقى من مجرد “الالتزام” الذي لا يبدأ بك سلوك الطريق إلى الله، لأن سُلَّم الإسلام فالإيمان فالإحسان مفهوم غريب عن الوقت.

“أصل الدين في الحقيقة هو الأمور الباطِنَة من العلوم والأعمال، وإن الأعمال الظاهرة لا تنفع بدونها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده: “الإسلام علانية والإيمان في القلب””.

إفراط في الحديث عن “ثقافة الإسلام” و”حضارة الإسلام” و”البديل الإسلامي”. وتفريط مخل في التربية. يا إنسان!

أول خطى التربية التوبة ثم اليقظة. كانت التوبة في عصور الفتنة بعد الخلافة الراشدة الأولى عبارة عن التوبة من الذنب والمعصية، والتائب في مأمن وعافية، لا هم له إلا صراعهُ الداخلي ووخز ضميره ومعاملته مع الله، يُؤَرِّقُه هم الآخرة. في عهد النبوة والخلافة الراشدة كانت التوبة من الشرك والمعاصي هَمّاً مزدوجا، لأن الجهاد وواجبه وضروراته وحضور الموت واحتماله في كل خروج في سبيل الله تُكَوِّن ظروفا يلتحم فيها مصير الفرد بمصير الجماعة، ويتميز فيها المنافقون من الصادقين. في زماننا صحوة إسلامية يغلب فيها الهم الاجتماعي الجماعي السياسي على الهم الفردي الأخروي، ويأتي مصطلح “الالتزام” الغريب عن القرآن ليمحو المعالم. فلا تمييز يرجى.

الذي يبحث عنه علماء الدعوة أمثال الشيخ سعيد رمضان البوطي والشيخ سعيد حوى هو القنطرة الواصلة بين ذلك العهد الأول المتمايز وهذه النهضة العارمة الشديدة الاضطراب الفكري والغبش التربوي. “الأولياء قناطر الخلق، يعبر الموفقون عليهم إلى الله تعالى. هم العاملون المخلصون الخالصون”. “القوم أرشدونا، دلونا على الطريق، كشفوا لنا حجاب الإغلاق عن خزائن الكتاب والسنة، عرفونا حكمة الأدب مع الله ورسوله. هم القوم لا يشقى جليسهم. من آمن بالله وعرف شأن رسوله أحبهم واتبعهم”.

باتباع المنيبين فقط يمكن أن تحمل الهم المزدوج حملا متوازنا. باتباع المنيبين فقط يمكن أن نرجع إلى الله، ونبُلَّ غُلة النّفس، ونكف عن زرع الأماني والتواني، ذلك الزرع الذي لا يُحصد منه إلا التلف واللهف.

في قلب العبد ثلاثة أنماط من المعاطب، يكون مجموعها مرض النفـاق. تكون التوبة ذات الدلالة الأعم أدعى إلى السير الحثيث صعودا في عقبة الإيمان والإحسان إن تطهر العبد بماء التوبة يستفيضه من المنيبين، ورشف من ذلك الماء رشفات تذيقه حلاوة الإيمان، فيستزيد ويستزيد حتى تنفر نفسه من المعصية، وحتى يكون الاستغفار واليقظة التامة في كل صغيرة وكبيرة من أعماله رفيقين دائمين.

روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “آية المنافق ثلاث -زاد مسلم: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، ثم اتفقت رواية الشيخين- إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر”. وروى الشيخان وغيرهما عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار”.

ثلاث بثلاث. أولئك يبدل الله سيآتهم حسنات.

توبة من شرك أو نفاق على خطى حكيم منيب سائر إلى الله محب لله محبوب ليست كتوبة من معصية خوفا من عقوبة الآخرة. أن تحب عبدا لا تحبه إلا لله، وأن تتبعه وتتخذ قلبه المنور قنطرة لقلبك، حركة لا تقف بك عند الدوران في العقد والنكث، ما عاهدت الله عليه بالأمس تنقضه اليوم. حركة مع “من أناب” إلى الله تسير بك، تضع قدمك على أول الطريق. قال سلطان العلماء: “التوبة صفة المومنين(…) والإنابة صفة الأولياء، قال الله تعالى: “وجاء بقلب منيب”، وأما الأوبة فهي صفة الأنبياء والمرسلين”. حتى قال: “فشتان بين التائب من الزلات، وبين التائب من الغفلات، وبين التائب من رؤية الحسنات”.

القلب المنيب وما فيه من حب لله وإخلاص له هو أصل الدين بشرط أن تُقيم الأعمال الظاهرة على قانون الشرع،” فإن حركات الظاهر توجب بركات الباطن “ومن ملأ قلبه حب الله والإخلاص له، وبرأ من النفاق والشقاق، كان وليا لله، لا يتعامل مع الله عز وجل إلا على أساس أنه مذنب مقصر مهما كان عمله. يتوب إلى الله لما يعرف من أن الله جلت عظمته يحب التوابين ويحب المتطهرين (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “توبوا إلى ربكم، فوالله إني لأتوب إلى ربي في كل يوم مائة مرة”. رواه مسلم)، ولما يعلم أن الله عزت قدرته ووسعت رحمته يفرح بعبده التائب. تَسبق في حساب العبد المنيب الرابطة الوثقى رابطة حب الله والفرح بالله توقعات الثواب وخوف العقاب. يكون حياؤه من الله وخوفه من الله وولاؤه الخالص لله وذكره الدائم لله الباعث والوازع. وتراه في جزئيات الأمر والنهي ودقيقات الشرع أورع الناس وأحرص الناس على خير.

اقرأ معي هذه الصفحة النيرة كتبها قَلْبٌ نَيِّر: “السر الأعظم الذي لا تقتحمه العبارة، ولا تجسر عليه الإشارة، ولا ينادي عليه منادي الإيمان على رؤوس الأشهاد، بل شهدتهُ قلوب خواص العباد، فازدادت به معرفة بربها ومحبة له، وطمأنينة وشوقا إليه، ولَهَجا بذكره، وشهودا لبره ولطفه وكرمه وإحسانه، ومطالعة لسر العبودية، وإشرافا على حقيقة الإلهية. وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَلّه أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلة بأرض فلاة. فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه. فأيِس منها. فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيِس من راحلته. فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده. فأخذ بِخِطَامِها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! أخطأ من شدة الفرح”. هذا لفظ مسلم.

وقال كبيرنا المستنير القلب. الجميل العبارة: “اعلم أن العبد، قبل وصول الداعي إليه، في نوم الغفلة. قلبه نائم وطرفه يقظان. فصاح به الناصح، وأسمعه داعي النجاح، وأذن به مؤذن الرحمان: حي على الفلاح. فأول مراتب هذا النائم اليقظة والانتباه من النوم.(…) وصاحب “المنازل” (يعني شيخ الإسلام الهِروي) يقول: (اليقظة) هي القومة لله المذكورة في قوله تعالى: (قل إنما أعظكم بواحدة، أن تقوموا لله مثنى وفرادى).(سورة سبأ، الآية: 46)

قال: “القومة لله هي اليقظة من سِنة الغفلة، والنهوض عن ورطة الفترة. وهي أول ما يسْتنير قلب العبد بالحياة لرؤية نور التنبيه. وهي على ثلاثة أشياء: لَحْظُ القلب إلى النعمة، على اليأس من عدها، والوقوف على حدها، والتفرغ إلى معرفة المِنّة بها، والعلم بالتقصير فيها”.

رحم الله شيخ الإسلام الهروّي وغيره من المنيبين مشايخ الصوفية. كانت مسالكهم في الخلوات، وقومتهم القلبية إلى الله، ودعوتهم النفوس النائمة إلى الانتباه واليقظة، انكبابا على النفس وانكفافا عن الدنيا. وابتلينا في هذا العصر، بل شُرِّفْنا ولله المنة والنعمة، بأن نلحظ الشكر الواجب بقومة جهادية لإقامة الخلافة الثانية الموعودة التي تتجلى طلائعها في هذا الشاهد الزكي المسمى “صحوة إسلامية”، وفي النصر المبين للمجاهدين في أفغانستان. لله الفضل والإفضال، وإليه ترجع الأمور.

كان للصحبة شروط أيام سلوك المجاهدة في الخلوة، كان المشايخ يصرفون الوارد المريد ليتطهر قبل أن يجلس إليهم. في زماننا، والحمد لله وله المنة، تُباغت الرحمة الإلهية قلوب هذا الشباب فإذا هي تطير محلقة بأجنحة الصدق. إن وجدت صادقين.

جاء رجل إلى عارف بالله في الزمان القديم يطلب الصحبة. فقال له العارف: “إن مثلي معك كرجل وقع في القاذورات، فذهب إلى العطار وقال: أين الطيب؟ فقال العطار: اذهب اشتر الأشنان (صابون ذلك الزمان)، واغسل نفسك ولباسك، ثم تعال فتطيبْ! قال العارف للمريد: “وكذلك أنت، لطخْت نفسك بأنجاس الذنوب، فخذ أشنان الحسرة، وطين الندامة، وماء التوبة والإنابة، وطهر ظواهرك في إجّانة (قصعة يغسلون فيها) الخوف والرجاء، من أنجاس الجرم والجفاء. ثم اذهب إلى حمام الزهد والتقى، واغسل نفسك بماء الصدق والصفاء. ثم ائتني حتى أطيبك بعطر معرفتي!”.

لست أدري ما أجاب المريد. ويكون جواب مريد عصرنا عن مثل هذه الشروط: “يا سيدي! لو كنت أعلم ما هو صابون الحسرة على ما فات، وما هو طين الندامة، وما هو ماء التوبة، وما معنى الندامة، وما ظواهر الإسلام وبواطن الإيمان، وما محاسن الخوف والرجاء، ومساوىء القطيعة مع الله والجفاء، وأين حمام الزهد والتقى يغتسل فيه مثلي لما جئتك!”.

قال التائب الراجي الندمان المناجي:

ولما قسَـا قلـبي وضاقت مـذاهـبي *** جعلت رجائي نحو عفــوك سلمــا

تعاظَمنـي ذنـبي فلَـمّـا قرنتــه *** بعفـوك ربي كان عفــوك أعظمــا

فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تــزَل *** تجـود وتعفـو منـة وتكـــرمـا

وقلت عفا الله عني وتاب علي ومنّ وأحسن:

وَلما قسا قلـبي وضـاقتْ مذاهـبي *** وأظلــم أفْقـي والصـديـق تجهّمـا

وقـفت إلهـي تـائبـا متنـدمـا *** ببـابك أرجو أن أغـاثَ وأرْحَمـــا

وتُفتَـحَ في وجهي السـدود فأرتقي *** وأصعد في حضن العنـــاية سلَّمــا