إن للناس مواسم في زمانهم وأفراحا يدخلون بها على أنفسهم المسرة، ويجددون الصلة، ويلهون عن آلام الحياة.

في التجمعات المنظمة يتولد جو مناسب للإيحاء الجماعي والتأثير النفسي. فإن كان التجمع شيطانيا كانت معاني الإغراء والإغواء ونهب اللذات طابعه. وإن كان سياسيا حماسيا تأتى معه إقناع جماعي بسلوك مؤثر في الأحداث. وإن كان ثقافيا أمكن معه بث الأفكار وتعميمها والدعاية لها.

وتجمعات الإسلام نورانية جهادية تربوية علمية، تهيء جوا مناسبا لتسري في جماعة المسلمين معاني الإيمان، وتتثبت فيها خطى السائر إلى الله، بمشهد إخوته السائرين معه على الطريق المحتفلين معه بالله ورسوله ودينه.

كم من ناشئ وكهل رجل وامرأة، يكون حضوره لتجمع إسلامي نقطة تحول في حياته، تحول من عدم مبالاة إلى طرح ضرورة الاختيار، من غفلة لذكر، من ضياع لهدى.

ليكون التجمع تجمعا إسلاميا يجب أن يقطع دابر كل المظاهرات والحفلات والمواسم التي أهل لغير الله بها، يجب تركيز اجتماعاتنا حول المسجد والمصلى، حول الجمعة والعيدين وصلاة الجماعة وصلاة الخسوفين. وما كان من تجمعات نضطر لعقدها خارج المسجد يجب أن تتخللها حرمة المسجد ومعانيه.

تجمعاتنا يجب أن تفخم فيها الكلمة، ويعظم فيها اسم الله، ويذكر فيها دينه، وتستنهض فيها الهمم، ويعلم فيها الجهاد واليقظة.

اغتسال الجمعة ولباسها تعظيم وتفخيم، التبكير إليها، المشي إلى المساجد وإكثار الخطى في الغلس، الجلوس حيث انتهى بك المجلس لا تتخطى رقاب الناس، الإنصات للإمام، تحري ساعة الاستجابة.

تجمعاتنا -لا سيما في الجمعة والعيدين- ينبغي أن يظهر فيها اعتزازنا بإسلامنا، وسمته، وزينته، وكثرته، وقوته، وهيبته. لهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث للشيخين وغيرهما أن نخرج لصلاة العيدين حتى النساء الحيض والعواتق وذوات الخدور. قالت أم عطية: “يا رسول الله! إحدانا لا يكون لها جلباب (فلا تستطيع الخروج). قال صلى الله عليه وسلم: “لتلبسها أختها من جلبابها”. في هذا يجب التنافس.

نساؤنا وأبناؤنا وبناتنا يخرجون معنا لنحتفل بمواسم الخير في المصليات، نعظم ونفخم، ونفرح ونظهر زينتنا. وكما يحشد حكام الجبر أجهزتهم لتنظيم مواسم البدعة والشيطان، نجند نحن إن شاء الله كل قوى ووسائل الدعوة والدولة، لنعرض على بعضنا وحدتنا وتعلقنا بالله عز وجل ويحرمه، ونعرض عليه سبحانه أننا امتثلنا لأمره ما استطعنا، نسأله بذلك أن يدفع عنا، ويرحم حوبتنا، ويرفع عزنا. ثم نخرج للجهاد، كلنا عزم وقوة.

التجمل للعيدين سنة، واللهو المباح الخفيف الذي لا يتنافى مع ذكر الله سنة، والأضحية سنة. وكان الإمام عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أكثر الناس لحما في بيته في كل أيام السنة، لكنه رضي الله عنه كان لا يذبح يوم عيد الأضحى لما رأى الناس يتنافسون في ذلك، فخشي إن هو تابعهم أن يزداد التنافس، ويتكلف الفقير. أو يظن أنها فريضة.

وإنها لكارثة أن تتحول قربة من القرب عادة يتنافس أهل البيوت عليها. وهنا لا بد من جهاد لفصل ما بين السنة والعادة، في هذا وأمثاله.