المذكرات والتحدث بنعمة الله

نعم الله على خلقه مما يستحيل إحصاؤه ذكرا وحرا “وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها” (النحل، 18). وبالضمن يستعصي إحصاء المنعم عليهم من خلق الله ظاهرا وباطنا. إلا أن بعضا من هؤلاء المنعم عليهم تركوا من العلم نافعا توارثته الأجيال، جيلا بعد جيل، ليكون ذلك من عملهم الذي لا ينقطع حتى بعد أن ينقطع حبل العمر.

وفي ما تركوه من علم حياة لأولي الألباب. وعلم الرجال المحسنين على أصناف شتى، نذكر منها، فضلا عن العلوم الشرعية تفسيرا وفقها وحديثا وأصولا وسيرة:

1) علما بالتربية والسلوك، تزكية وتعليما للكتاب والحكمة الربانية.

2) وعلما بالآداب النبوية الدقيقة، والشمائل المحمدية السنية.

3) وعظات ولمعات ورشحات ورسائل وشذرات، وحكما عطائية، ولطائف مننية.

4) وتجارب وسيرا ذاتية ومذكرات شخصية.

ويعنينا من هذا العلم الصنف الأخير “المذكرات”. وقد وصلنا منها غير قليل، نذكر منها على سبيل المثال: “المنقذ من الضلال” لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، و”هذه تجربتي هذه شهادتي” لسعيد حوى، و”مذكرات الدعوة والداعية” للشهيد حسن البنا.

مذكرات البنا محصلة تجربة حياتية

ومذكرات حسن البنا من الكتب القيمة النادرة التي لم تحظ بالعناية اللازمة. لأنها ليست سيرة ذاتية وحسب، بل إنها محصلة تجربة حياتية غنية بالأحداث والمواقف والأقوال والآراء الممتعة والمفيدة. وأيضا فهي مذكرات غالية، تدل دلالة قوية على أن الرجل كان أهلا لتلك الشهادات التي قدمناها بين يديها، وأن عناية الله ورعايته له شملته منذ ولادته إلى وفاته، بل إلى ما بعد وفاته، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

ورغم أن الكتاب ليس سيرة ذاتية بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، لكونه لا يرصد حياة الرجل من البداية إلى النهاية، فإنه مع الشهادات السابقة التي ذكرناها آنفا، والمذكرات الأخرى خارج “مذكرات الدعوة والداعية”، تبقى مادة خاما، وخميرة صالحة للاستثمار التربوي والفكري والدعوي، بقصد بسط النموذج، وعرض النصوص، وتجلية الشهادات، واستخلاص الدروس والعظات المفضية بنا، آخر المطاف، إلى أن نتبين أن الصحبة منطلق الوعي، وحادي السعي، وبدء البذر قبل السقي والجني. وأن ذكر الله، والصدق مع الله، وصبر النفس مع الصادقين الذين يريدون وجه الله، هي المسيرة السوية على صراط الله المستقيم، الذي ذروة سنامه الجهاد في سبيل الله على علم وبصيرة وبينة، لإعلاء كلمة الله، وإزهاق الباطل، وإنزال قدر الله وموعود رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على منهاج النبوة على واقع المدافعة والصراع.

وإن التجارب المتراكمة، والخبرات المستفادة، حكمة هي ضالة المؤمن، وهي إرث الرجال على مر الأجيال. وإن التجربة الصوفية من هذه التجارب التي لا غنى عنها للداعية الخبير المنيب إلى الله، المنعم عليه بنعمة الهداية والاستقامة والاستواء، شرط ألا تقيده عن الدعوة الجامعة، بالثلث أو الثلثين، عن الكل تربية وعلما وجهادا، أو تزيغ بقطار سكته عن السنة، المعرفة بأل، تلك التي تعني كمال الاتباع سيرا على قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والراشدين المهديين من بعده، رضي الله عنهم أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما الباحث عن الحق والحقيقة فالمذكرات تعنيه، لأنها إخبار صادق وأمين، يذكره بدعوة إيمانية إحسانية، وداعية إلى الله ربانيا. يدعوه نموذجه المعروض عليه أقوالا وأحوالا، ومواقف وسلوكا، وجهادا متواصلا وبالله موصولا، ليقرأ أولا ما به يتذكر ويعتبر، وما عليه يقيس ويختار بعد أن يفحص ويختبر. يستجيب إلى دعوة الحق مجيبا لنداء الله بالكينونة مع الصادقين، واستهداء صراط المنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، واتباع سبيل المنيبين، والانتساب إلى القوم المحبين المحبوبين، الأذلة على المؤمنين، الأعزة على الكافرين، الذين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة اللائمين. فإن استجاب ولبى، وشبابه في طاعة الله أبلى، وعمره في الشهادة بالقسط والقيام لله بالحق أفنى، نال ما نوى، وأفضل مما نوى.

وفي هذا المعنى يقول سيدي عبد القادر الجيلاني في كتابه القيم “الفتح الرباني” (ص 35):

“إذا تم لعبد ما ذكرت، صح زهده في الدنيا والآخرة  أي كان طلبه وجه الله فوق طلبه جزاء الآخرة. لأن من أقبل الله تعالى عليه منحه خير الدنيا والآخرة- (…) تصير ذرته جبلا، قطرته بحرا، كوكبه قمرا، قمره شميا، قليله كثيرا، محوه وجودا، فناؤه بقاء، تحركه ثباتا، تعلو شجرته وتشمخ إلى العرش وأصلها إلى الثرى (…) لا دنيا تملكه (…). فإذا تم هذا صلح هذا العبد للوقوف مع الخلق، والأخذ بأيديهم، وتخليصهم من بحر الدنيا. فإذا أراد الله بالعبد خيرا جعله دليلهم، وطبيبهم، ومؤدبهم، ومدربهم، وترجمانهم، وسانحهم، ومنحتهم، وسراجهم، وشمسهم”.

وإن لم يستجب فالمذكرات عند السالي خلي الفؤاد من هم التربية والجهاد، إخبار عن مثال صنف من الرجال يسمو نموذجه على مدارك الخيال، يعز وجوده ويستحيل إيجاده. أو هي تذكير بماض مضى وانتهى، وإنما يدرك المرء ما يستطيع، لا ما تمنى واشتهى. أو هي آراء يؤخذ منها ويرد، وهم رجال ونحن رجال. والكتاب والسنة هما العاصمان من الانحراف، فليكن الأخذ عنهما مباشرة لا واسطة، وإلا فما بعد الحق إلا الضلال. أو هي  أي المذكرات- صفحات ملأى بالبدع والضلالات، فقراءتها حرام، وصاحبها في النار، وإخوانه إخوان الشياطين، ومن لم يكفر الكافر فهو كافر وأضل سبيلا. وغيرها من الأحكام الجاهزة التي تفتقد فضيلة السداد.

السلوك علم يؤخذ من أفواه الرجال

غير أن صنفا آخر من قراء المذكرات  إن وجدت من يقرأها ويستفيد منها ويفيد- إنما يعجب بها وبصاحبها إعجاب المنبهر، يمجد ويباهي ويفاخر. وما درى أن الإعجاب حجاب، إن لم يدلك ما أعجبت به، ومن أعجبك، على الله مقاله، ولم ينهضك حاله، ولم يبعثك من رقدة الغفلة لتنشط من عقال الشهوة، وتخف إلى رحاب الدعوة إلى الله مع ولي مرشد حي، حياة روح وجسد. فإن علم التربية والتزكية والسلوك إنما يؤخذ من أفواه الرجال لا من بطون الكتب.

في كتاب “الإحسان”، للأستاذ عبد السلام ياسين، تجد جوابا كافيا شافيا عن سؤال الحيارى والباحثين: هل يحصل الإحسان بقراءة الكتب الجيدة مثل إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله؟

قال حفظه الله: “كأن الأمر عملية فكرية ونزهة ثقافية. إن العلم والاطلاع يمكن أن يكونا باعثين على العمل، إذا كان في القلب كوامن واستعداد، أما إذا كان القلب خابيا كابيا متضلعا من حب الدنيا لا مكان فيه لحب الله فما تغني القراءة.

“إن أول الطريق هبوب القلب من غفلته، فإن كان الاطلاع على علوم القوم يصور لك أحوالهم السنية فينزعج قلبك لما تجده عندهم من اعتصام بالكتاب والسنة، فتشمر للحاق. ويتبع العلم العمل، فذاك هو المطلوب” (الإحسان، ص 27-28).

بالجوهر شرف علمهم لا بالأعراض

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين مخاطبا من يدعو إلى تصوف سني يؤخذ من كتب الأموات:

“يا أخي الحبيب! يا من يوصي إخوانه بتصوف سني يرتكز على قراءة الكتب، كيف الإعراض عن الدنيا وترك ما فيها لرفع الدرجات؟ خبر هذا في كتب القوم. وفي كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، أمر بالجهاد ومقارعة أهل العناد. هم، رحمهم الله، شربوها حلوة في خلواتهم وانقطاعهم في الخانقاهات والزوايا في عصور كان حفظ الدين فيها يقتضي الوحدة بأي ثمن، وكان الثمن السكوت عن الظلمة والهروب من الساحة. فكيف تدعو إلى تقليدهم؟

“بالجوهر شرف علمهم لا بالأعراض. الجوهر حب الله وصحبة أهل التربية أهل الله، والصدق في طلب الله، والذكر الدائم لله. والأعراض أذواق يوتيها الله. وإعراض عن الخلق بكيفيتهم في زماننا لا معنى له ولا يأذن به الله” (المرجع السابق، ص 30).

بعد هذه المقدمة بين يدي المذكرات عرضا وتعليقا، نمضي إلى سرد صفحات من حياة الشهيد، تقف بنا على العين التي استقت منها دعوته الربانية الزاد والعتاد، فضلا من الله رب العباد، قدرة وتيسيرا وبركة ونورا، قبل أن يشرب بها عباد الله ويفجروها تفجيرا.

مذكرات الدعوة والداعية

في الصفحات الأولى من مذكرات حسن البنا، رحمه الله، تقرأ هذه الفقرات عن الطريقة، والشيخ، والتعلق القلبي به، وأخذ العهد عليه ومبايعته. كما تجد حديثا عن الرؤيا، والزيارة، والشوق، والمحبة، والمجالسة، والأدب. وهي مصطلحات صوفية كان لها في قلب الشهيد حضور كبير، وفي حياته فاعلية وتأثير.

الطريقة الحصافية

“وفي المسجد الصغير رأيت “الإخوان الحصافية” يذكرون الله تعالى عقب صلاة العشاء من كل ليلة، وكنت مواظبا على حضور درس الشيخ زهران رحمه الله بين المغرب والعشاء. فاجتذبتني حلقة الذكر بأصواتها المنسقة، ونشيدها الجميل، وروحانيتها الفياضة، وسماحة هؤلاء الذاكرين من شيوخ فضلاء وشباب صالحين، وتواضعهم لهؤلاء الصبية الصغار الذين اقتحموا عليهم مجلسهم ليشاركوهم ذكر الله تبارك وتعالى. فواظبت عليها هي الأخرى، وتوطدت الصلات بيني وبين شباب هؤلاء الإخوان الحصافية ومن بينهم الثلاثة المقدمون: الشيخ شلبي الرجال والشيخ محمد أبو شوشة والشيخ سيد عثمان، والشبان الصالحون الذين كانوا أقرب الذاكرين إلينا في السن: محمد أفندي الدمياطي وصاوي أفندي الصاوي وعبد المتعالي أفندي سنكل، وأضرابهم. وفي هذه الحلبة المباركة التقيت لأول مرة بالأستاذ أحمد السكري  وكيل الإخوان المسلمين- فكان لهذا اللقاء أثره البالغ في حياة كل منا. ومنذ ذلك الحين أخذ اسم الشيخ الحصافي يتردد على الأذن فيكون له أجمل وقع في أعماق القلب. وأخذ الشوق والحنين إلى رؤية الشيخ والجلوس إليه والأخذ عنه يتجدد حينا بعد حين. وأخذت أواظب على الوظيفة الزروقية صباحا ومساء، وزادني بها إعجابا أن الوالد قد وضع عليها تعليقا لطيفا جاء فيه بأدلة جميع صيغها، تقريبا، من الأحاديث الصحيحة، وسمى هذه الرسالة “تنوير الأفئدة الزكية بأدلة أذكار الزروقية”. ولم تكن هذه الوظيفة أكثر من آيات من الكتاب الكريم، وأحاديث من أدعية الصباح والمساء التي وردت في كتب السنة تقريبا، ليس فيها شيء من الألفاظ الأعجمية أو التراكيب الفلسفية أو العبارات التي هي إلى الشطحات أقرب منها إلى الدعوات.

شيخ الطريقة الحصافية: مناقبه ومواقفه

توطئة: ويكتب الإمام في مذكراته: “وفي هذه الأثناء وقع في يدي كتاب المنهل الصافي في مناقب حسنين الحصافي وهو شيخ الطريقة الأول- ووالد شيخها الحالي السيد الجليل الشيخ عبد الوهاب الحصافي مد الله في عمره ونفع الله به  والذي توفي ولم أره حيث كانت وفاته الخميس 17 من جمادى الآخرة 1328 الهجرية، وكنت إذ ذاك في سن الرابعة عشرة فلم أجتمع به على كثرة تردده على البلد. فأقبلت على القراءة فيه، وعرفت منه كيف كان السيد حسنين رحمه الله عالما أزهريا تفقه على مذهب الإمام الشافعي، ودرس علوم الدين دراسة وساعة، وامتلأ منها وتضلع فيها. ثم تلقى بعد ذلك الطريق على كثير من شيوخ عصره، وجد واجتهد في العبادة والذكر والمداومة على الطاعات حتى إنه حج أكثر من مرة. وكان يعتمر مع كل حجة أكثر من عمرة. وكان رفقاؤه وأصحابه يقولون: ما رأينا أقوى على طاعة الله وأداء الفرائض والمحافظة على السنن والنوافل منه، رحمه الله، حتى في آخر أيام حياته وقد كبرت سنه ونيف عن الستين. ثم أخذ يدعو إلى الله بأسلوب أهل الطريق، ولكن في استنارة وإِشراق وعلى قواعد سليمة قويمة، فكانت دعوته مؤسسة على العلم والتعليم، والفقه والعبادة والطاعة والذكر، ومحاربة البدع والخرافات الفاشية بين أبناء هذه الطرق، والانتصار للكتاب والسنة على أية حال، والتحرر من التأويلات الفاسدة، والشطحات الضارة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذل النصيحة على كل حال. حتى إنه غير كثيرا من الأوضاع التي اعتقد أنها تخالف الكتاب والسنة، ومما كان عليه مشايخه أنفسهم. وكان أعظم ما أخذ بمجامع قلبي وملك علي لبي من سيرته رضي الله عنه شدته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه كان لا يخشى في ذلك لومة لائم، ولا يدع الأمر والنهي مهما كان في حضرة كبير أو عظيم. ومن نماذج ذلك أنه زار رياض باشا حين كان رئيس الوزارة، فدخل أحد العلماء وسلم على الباشا وانحنى حتى قارب الركوع. فقام الشيخ مغضبا وضربه على خديه بمجمع يده ونهره بشدة قائلا: استقم يا رجل فإن الركوع لا يجوز إلا لله، فلا تذلوا الدين والعلم فيذلكم الله. ولم يستطع العالم ولا الباشا أن يؤاخذاه بشيء. ودخل أحد الباشوات من أصدقاء رياض باشا وفي إصبعه خاتم من الذهب وفي يده عصا مقبضها من الذهب كذلك، فالتفت إليه الشيخ وقال: يا هذا إن استعمال الذهب في الحلية هكذا حرام على الرجال حل للنساء. فأعط هذين لبعض نسائك، ولا تخالف عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأراد الرجل أن يعترض، فتدخل رياض باشا وعرف بعضهما ببعض والشيخ مصر على أنه لابد من خلع المقبض والخاتم معا حتى يزول هذا المنكر.

“ودخل مرة على الخديوي توفيق باشا مع العلماء في بعض المقابلات فسلم على الخديوي بصوت مسموع فرد عليه الخديوي بالإشارة بيده، فقال له في عزم وتصميم: “رد السلام يكون بمثله أو بأحسن منه، فقل وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، والرد بالإشارة وحدها لا يجوز”. فلم يسع الخديوي إلا أن يرد عليه باللفظ ويثني على موقفه وتمسكه بدينه.

“وزار مسجد السيد الحسين رضي الله عنه مع بعض مريديه ووقف على القبر يدعو الدعاء المأثور: “السلام على أهل الديار من المؤمنين”. فقال له بعض المريدين: “يا سيدنا الشيخ سل سيدنا الحسين يرضى عني”. فالتفت إليه مغضبا وقال: “يرضى عنا وعنك وعنه الله”! وبعد أن أتم زيارته شرح لإخوانه أحكام الزيارة وأوضح لهم الفرق بين البدعية والشرعية منها.

“وحدثني الوالد أنه اجتمع بالشيخ رحمه الله في منزل وجيه من وجهاء المحمودية هو حسن بك أبو سيد حسن رحمه الله، مع بعض الإخوان فدخلت الخادم، وهي فتاة كبيرة، تقدم له القهوة وهي مكشوفة الذراعين والرأس فنظر إليها الشيخ مغضبا، وأمرها بشدة أن تذهب فتستتر، وأبى أن يشرب القهوة، وألقى على صاحب المنزل درسا مؤثرا في وجوب احتشام الفتيات وإن كن خدما، وعدم إظهار الرجال الأجانب عليهن.

“وله، رحمه الله، في ذلك أمور في غاية الكثرة والدقة معا. وكذلك شأنه دائما.

“هذه الناحية هي التي أثارت في نفسي أعظم معاني الإعجاب والتقدير. وكان الإخوان يكثرون من الحديث عن كرامات الشيخ الحسية فلم أكن أجد لها من الوقع في نفسي بعض ما أجده لهذه الناحية العملية، وكنت أعتقد أن أعظم كرامة أكرمه الله بها هي هذا التوفيق لنشر دعوة الإسلام على هذه القواعد السليمة وهذه الغيرة العظيمة على محارم الله، تبارك وتعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكل ذلك ولم تتجاوز سني الثانية عشرة.

رؤيا معبرة مبشرة وشوق إلى رؤية الشيخ

ويكتب الإمام في مذكراته: “وزادني تعلقا بالشيخ الجليل، رحمه الله، أنني رأيت في هذه الأثناء، وعلى أثر تكراري للقراءة في المنهل، فيما يرى النائم: أنني ذهبت إلى مقبرة البلد فرأيت قبرا ضخما يهتز ويتحرك، ثم زاد اهتزازه واضطرابه حتى انشق فخرجت منه نار عالية امتدت إلى عنان السماء وتشكلت فصارت رجلا هائل الطول والمنظر. واجتمع الناس عليه من كل مكان. فصاح فيهم بصوت واضح مسموع وقال لهم: “أيها الناس: إن الله قد أباح لكم ما حرم عليكم، فافعلوا ما شئتم”. فانبريت له من وسط هذا الجمع وصحت في وجهه: كذبت. والتفت إلى الناس وقلت لهم: أيها الناس هذا إبليس اللعين وقد جاء يفتنكم عن دينكم ويوسوس لكم فلا تصغوا إلى قوله ولا تستمعوا إلى كلامه. فغضب وقال: لابد من أن نتسابق أمام هؤلاء الناس فإن سبقتني رجعت إليهم ولم أقبض عليك فأنت صادق. فقبلت شرطه وعدوت أمامه بأقصى سرعتي. وأين خطوي الصغير من خطوه الجبار، وقبل أن يدركني ظهر الشيخ، رحمه الله، من طريق معترض وتلقاني في صدره واحتجزني بيساره ورفع يمناه مشيرا بها إلى هذا الشيخ صائحا في وجهه: اخسأ يا لعين! فولى الأدبار واختفى، وانطلق الشيخ بعد ذلك. فعدت إلى الناس وقلت لهم: أرأيتم كيف أن هذا اللعين يضلكم عن أوامر الله.

“واستيقظت وكلي شوق وتقدير وترقب لحضور السيد عبد الوهاب الحصافي نجل الشيخ، رحمه الله، لأراه وأتلقى عنه الطريق ولكنه لم يحضر هذه الفترة.

زيارة وحكايات وعبر وعبرات

قال الإمام رحمه الله: “ويذكرني حديث المقبرة بما كان لأخينا في الله الشيخ محمد أبو شوشة التاجر بالمحمودية علينا من فضل في التربية الروحية، إذ كان يجمعنا عشرة أو نحوها ويذهب بنا إلى المقبرة حيث نزور القبور ونجلس بمسجد الشيخ النجيلي نقرأ الوظيفة. ثم يقص علينا من حكايات الصالحين وأحوالهم ما يرفق القلوب ويسيل العبرات، ثم يعرض علينا القبور المفتوحة ويذكرنا بمصيرنا إليها، وبظلمة القبر ووحشته. ويبكي فنبكي معه، ثم نجدد التوبة في خشوع وحرارة واستحضار عجيب وندم وعزم. ثم كثيرا ما كان يربط لكل واحد منا حول معصمه سوارا من الخيط الغليظ (الدوبارة) ليكون ذكرى التوبة، ويوصينا بأن أحدنا إذا حدثته نفسه بالمعصية أو غلبه الشيطان فليمسك بهذا السوار، وليتذكر أنه تاب إلى الله وعاهده على طاعته وترك معصيته. وكنا نستفيد من هذه النصيحة كثيرا. وجزاه الله عنا خيرا.

تعلق القلب بالشيخ وأخذ العهد عليه، ومبايعته

قال رحمه الله: “وظللت معلق القلب بالشيخ، رحمه الله، حتى التحقت بمدرسة المعلمين الأولية بدمنهور وفيها مدفن الشيخ وضريحه وقواعد مسجده الذي لم يكن تم حينذاك، وتم بعد ذلك، فكنت مواظبا على الحضرة في مسجد التوبة في كل ليلة. وسألت عن مقدم الإخوان فعرفت أنه الرجل الصالح التقي الشيخ بسيوني العبد التاجر، فرجوته أن يأذن لي بأخذ العهد عليه ففعل، ووعدني بأنه سيقدمني للسيد عبد الوهاب عند حضوره، ولم أكن إلى هذا الوقت قد بايعت أحدا في الطريق بيعة رسمية، وإنما كنت محبا وفق اصطلاحهم.

“وحضر السيد عبد الوهاب، نفع الله به، إلى دمنهور وأخطرني الإخوان بذلك فكنت شديد الفرح بهذا النبأ، وذهبت إلى الوالد الشيخ بسيوني ورجوته أن يقدمني للشيخ ففعل، وكان ذلك عقب صلاة العصر من يوم 4 رمضان سنة 1341 الهجرية. وإذا لم تخني الذاكرة، فقد كان يوافق يوم الأحد حيث تلقيت الحصافية الشاذلية عنه وأذن لي بأورادها ووظائفها.

“وجزى الله عنا السيد عبد الوهاب خير الجزاء، فقد أفادتني صحبته أعظم الفائدة وما علمت عليه في دينه وطريقه إلا خيرا، وقد امتاز في شخصيته وإرشاده ومسلكه بكثير من الخصال الطيبة: من العفة الكاملة عما في أيدي الناس، ومن الجد في الأمور والتحرز من صرف الأوقات في غير العلم أو التعلم أو الذكر أو الطاعة أو التعبد، سواء أكان وحده أم مع إخوانه ومريديه. ومن حسن التوجيه لهؤلاء الإخوان وصرفهم عمليا إلى الأخوة والفقه وطاعة الله.

“وأذكر من أساليبه الحكيمة في التربية أنه لم يكن يسمح للإخوان المتعلمين أن يكثروا الجدل في الخلافات أو المشتبهات من الأمور، أو يرددوا كلام الملاحدة أو الزنادقة أو المبشرين مثلا أمام العامة من الإخوان. ويقول لهم: اجعلوا هذا في مجالسكم الخاصة تتدارسونه فيما بينكم. أما هؤلاء فتحدثوا أمامهم بالمعاني المؤثرة العملية التي توجههم إلى طاعة الله، فقد تعلق بنفس أحدهم الشبهة ولا يفهم الرد فيتشوش اعتقاده بلا سبب، وتكونون أنتم السبب في ذلك. وأذكر أن من كلماته التي لا أزال أحفظها والتي وجهها إلي وإلى الأخ الأستاذ أحمد السكري في بعض هذه الجلسات ما معناه: إنني أوسم أن الله سيجمع عليكم القلوب ويضم إليكم كثيرا من الناس، فاعلموا أن الله سيسألكم عن أوقات هؤلاء الذين سيجتمعون عليكم أفدتموهم فيها، فيكون لهم الثواب ولكم مثلهم، أم انصرفت هباء، فيؤاخذون وتواخذون؟. وهكذا كانت توجيهاته كلها إلى الخير وما علمنا عليه إلا خيرا “وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين” (يوسف، 81).

تأسيس جمعية الحصافية الخيرية

قال رحمه الله: “وفي هذه الأثناء بدا لنا أن نؤسس في المحمودية جمعية إصلاحية هي “جمعية الحصافة الخيرية”. واختير أحمد أفندي السكري التاجر بالمحمودية رئيسا لها وانتخبت سكرتيرا لها. وزاولت الجمعية عملها في ميدانين مهمين: الميدان الأول: نشر الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة، ومقاومة المنكرات والمحرمات الفاشية كالخمر والقمار وبدع المآتم. والميدان الثاني: مقاومة الإرسالية الإنجيلية التبشيرية التي هبطت إلى البلد واستقرت فيها، وكان قوامها ثلاث فتيات رأسهن مسز (ويت) وأخذت تبشر بالمسيحية في ظل التطبيب وتعليم التطريز وإيواء الصبية من بنين وبنات. وقد كافحت الجمعية في سبيل رسالتها مكافحة مشكورة وخلفتها في هذا الكفاح جمعية “الإخوان المسلمين” بعد ذلك”.

وفي ما سيأتي من المذكرات ذكر لمخالفة البنا شيخه في الرأي، وافتراقهما على عهد حفظ الود، واستثمار الشهيد للمكتسب الصوفي، استغراقا في العبادة، وعلما وفق دراسة، وقياما وذكرا ووعظا، وزيارات وصلات روحية، وصمتا وعزلة شعورية، مع التأدب مع المشايخ بأدب الطريق، وتجنب الخوض في المختلف فيه من أمورهم الموغلة في التجريد، أو التي لا تستصيغها الحويصلات الضيقة. والنصح لهم بمحبة وعلم وأدب مع الإفادة من ثروتهم العلمية، وتخليصها مما علق بها، والسعي الحكيم والرحيم من أجل تقريب الهوة بين العلماء والصوفية والجماعات الإسلامية، سعيا نحو تكوين خير أمة.

إنشاء جمعية “الإخوان المسلمون” وفراق ما بين البنا وشيخه

قال رحمه الله: “واستمرت صلتنا على أحسن حال بشيخنا السيد عبد الوهاب حتى أنشئت جمعية الإخوان المسلمين وانتشرت، وكان له فيها رأي ولنا فيها رأي. وانحاز كل إلى رأيه، ولا زلنا نحفظ للسيد، جزاه الله عنا خيرا، أجمل ما يحفظ مريد محب مخلص لشيخ عالم عامل تقي، نصح فأخلص النصيحة وأرشد فأحسن الإرشاد.

رأي في التصوف

قال رحمه الله: “ولعل من المفيد أن أسجل في هذه المذكرات بعض خواطر  حول التصوف والطرق في تاريخ الدعوة الإسلامية- تتناول نشأة التصوف وأثره وما صار إليه وكيف تكون هذه الطرق نافعة للمجتمع الإسلامي. وسوف لا أحاول الاستقصاء العلمي أو التعمق في المعاني الاصطلاحية، فإنما هي مذكرات تكتب عفو الخاطر، فتسجل ما يتردد في الذهن وما تتحرك به المشاعر، فإن تكن صوابا فمن الله ولله الحمد، وإن تكن غير ذلك فالخير أردت ولله الأمر من قبل ومن بعد.

“حين اتسع عمران الدولة الإسلامية صدر القرن الأول، وكثرت فتوحها وأقبلت الدنيا على المسلمين من كل مكان. وجبيت إليهم ثمرات كل شيء، وكان خليفتهم بعد ذلك يقول للسحابة في كبد السماء: شرقي أو غربي فحيثما وقع قطرك جاءني خراجه. وكان طبيعيا أن يقبلوا على هذه الدنيا يتمتعون بنعيمها، ويتذوقون حلاوتها وخيراتها، في اقتصاد أحيانا، وفي إسراف أحيانا أخرى. وكان طبيعيا أمام هذا التحول الاجتماعي، من تقشف عصر النبوة الزاهر إلى لين الحياة ونضارتها فيما بعد ذلك، أن يقوم من الصالحين الأتقياء العلماء الفضلاء دعاة مؤثرون يزهدون الناس في متاع هذه الحياة الزائل، ويذكرونهم بما قد ينسونه من متاع الآخرة الباقي: “وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون” (العنكبوت، 64). ومن أول هؤلاء الذين عرفت عنهم هذه الدعوة الإمام الواعظ الجليل الحسن البصري، وتبعه على ذلك كثير من أضرابه الدعاة الصالحين، فكانت طائفة في الناس معروفة بهذه الدعوة إلى ذكر الله واليوم الآخر، والزهادة في الدنيا، وتربية النفوس على طاعة الله وتقواه.

“وطرأ على هذه الحقائق ما طرأ على غيرها من حقائق المعارف الإسلامية فأخذت صورة العلم الذي ينظم سلوك الإنسان ويرسم له طريق من الحياة خاصا: مراحله الذكر والعبادة ومعرفة الله، ونهايته الوصول إلى الجنة ومرضاة الله.

“وهذا القسم من علوم التصوف، واسمه “علوم التربية والسلوك” لاشك أنه من لب الإسلام وصميمه، ولاشك أن الصوفية قد بلغوا به مرتبة من علاج النفوس ودوائها، والطب لها والرقي بها، لم يبلغ إليها غيرهم من المربين. ولاشك أنهم حملوا الناس بهذا الأٍسلوب على خطة عملية من حيث أداء فرائض الله واجتناب نواهيه، وصدق التوجه إليه، وإن كان ذلك لم يخل من المبالغة في كثير من الأحيان تأثرا بروح العصور التي عاشت فيها هذه الدعوات: كالمبالغة في الصمت والجوع والسهر والعزلة. ولذلك كله أصل في الدين يرد إليه، فالصمت أصله الإعراض عن اللغو، والجوع أصله التطوع بالصوم، والسهر أصله قيام الليل، والعزلة أصلها كف الأذى عن النفس ووجوب العناية بها. ولو وقف التطبيق العملي عند هذه الحدود التي رسمها الشارع لكان في ذلك كل الخير.

الدعوة الصوفية خير فيه دخن وأهلها على استعداد لتنمية وتقويم نحو الأحسن

قال رحمه الله: “ولكن فكرة الدعوة الصوفية لم تقف عند حد السلوك والتربية، ولو وقفت عند هذا الحد لكان خيرا لها وللناس، ولكنها جاوزت ذلك بعد العصور الأولى إلى تحليل الأذواق والمواجد، ومزج ذلك بعلوم الفلسفة والمنطق ومواريث الأمم الماضية وأفكارها، فخلطت بذلك الدين بما ليس منه، وفتحت الثغرات الواسعة لكل زنديق أو ملحد أو فاسد الرأي والعقيدة ليدخل من هذا الباب باسم التصوف والدعوة إلى الزهد والتقشف، والرغبة في الحصول على هذه النتائج الروحية الباهرة. وأصبح كل ما يكتب أو يقال في هذه الناحية يجب أن يكون محل نظر دقيق من الناظرين في دين الله والحريصين على صفاته ونقائه.

“وجاء بعد ذلك دور التشكل العملي للفكرة فنشأت فرق الصوفية وطوائفهم، كل على حسب أسلوبه في التربية. وتدخلت السياسة بعد ذلك لتتخذ من هذه التشكيلات تكأة عند اللزوم. ونظمت الطوائف أحيانا على هيئة النظم العسكرية، وأخرى على هيئة الجمعيات الخاصة. حتى انتهت إلى ما انتهت إليه من هذه الصورة الأثرية التي جمعت بقية ألوان هذا التاريخ الطويل، والتي يمثلها الآن في مصر مشيخة الطرق الصوفية ورجالها وأتباعها.

“ولاشك أن التصوف والطرق كانت من أكبر العوامل في نشر الإسلام في كثير من البلدان وإيصاله إلى جهات نائية ما كان ليصل إليها إلا على يد هؤلاء الدعاة، كما حدث ويحدث في بلدان إفريقيا وصحاريها وسطها، وفي كثير من جهات آسيا كذلك.

“ولاشك أن الأخذ بقواعد التصوف في ناحية التربية والسلوك له الأثر القوي في النفوس والقلوب، ولكلام الصوفية في هذا الباب صولة ليست لكلام غيرهم من الناس. ولكن هذا الخلط أفسد كثيرا من هذه الفوائد وقضى عليها.

“ومن واجب المصلحين أن يطيلوا التفكير في إصلاح هذه الطوائف من الناس. وإصلاحهم سهل ميسور، وعندهم الاستعداد الكامل له، ولعلهم أقرب الناس إليه لو وجهوا نحوه توجيها صحيحا؛ وذلك لا يستلزم أكثر من أن يتفرغ نفر من العلماء الصالحين العاملين، والوعاظ الصادقين المخلصين لدراسة هذه المجتمعات، والإفادة من هذه الثروة العلمية، وتخليصها مما علق بها، وقيادة هذه الجماهير بعد ذلك قيادة صالحة.

“وأذكر أن السيد توفيق البكري، رحمه الله، فكر في ذلك. وقد عمل دراسات علمية عملية لشيوخ الطرق وألف لهم فعلا كتابا في هذا الباب. ولكن المشروع لم يتم ولم يهتم به من بعده الشيوخ. وأذكر من ذلك أن الشيخ عبد الله عفيفي، رحمه اله، كان معنيا بهذه الناحية، وكان يطيل الحديث فيها مع شيوخ الأزهر وعلماء الدين. ولكنه كان مجرد تفكير نظري لا أثر للتوجه إلى العمل فيه. ولو أراد الله والتقت قوة الأزهر العلمية بقوة الطرق الروحية بقوة الجماعات الإسلامية العملية، لكانت أمة لا نظير لها: توجِّه ولا توجَّه، تقود ولا تنقاد، وتؤثر في غيرها ولا يؤثر شيء فيها، وترشد هذا المجتمع الضال إلى سواء السبيل.

أيام دمنهور فترة استغراق في التعبد والتصوف

قال رحمه الله: “كانت أيام دمنهور ومدرسة المعلمين أيام الاستغراق في عاطفة التصوف والعبادة. ويقولون إن حياة الإنسان تنقسم إلى فترات، منها هذه الفترة التي صادفت السنوات التي أعقبت الثورة المصرية مباشرة لسنة 1920 إلى سنة 1923م، وكانت سني إذ ذاك من الرابعة عشرة إلا أشهرا إلى السابعة عشرة إلا أشهرا كذلك. فكانت فترة استغراق في التعبد والتصوف، ولم تخل من مشاركة فعلية في الواجبات الوطنية التي ألقيت على كواهل الطلاب.

“نزلت دمنهور مشبعا بفكرة الحصافية. ودمنهور مقر ضريح الشيخ السيد حسنين الحصافي شيخ الطريقة الأول، وفيها نخبة صالحة من الأتباع الكبار للشيخ. فكان طبيعيا أن أندمج في هذا الوسط، وأن أستغرق في هذا الاتجاه. وضاعف في هذا الاستغراق أن استأذنا الحاج حلمي سليمان  والذي لا يزال إلى الآن مدرسا بدمنهور- كان مثالا من أمثلة التعبد والصلاح والتقوى والتأدب بآداب الطريق. وكانت بيني وبينه رابطة روحية خاصة لهذا السبب، وأن زميله وصديقه الأستاذ الشيخ حسن خزبك رحمه الله  وكان مدرسا بدمنهور أيضا- كان يعقد كثيرا من الاجتماعات العلمية والوعظية في بيته، وكان يدرس “الإحياء” قبل صلاة الفجر من رمضان في مسجد الجيشي. وكان الحاج حلمي يصحبني معه إلى تلك الاجتماعات، فأجد نفسي وأنا الطالب الصغير مع رجال كبار فيهم الأساتذة الذين يدرسون لي في المدرسة، وغيرهم من العلماء والفضلاء. وكلهم يشجعونني ويشجعون أمثالي من الشباب على السير في هذا الطريق، طريق طاعة الله، فكانت هذه كلها عوامل للتشجيع والثبات على هذه الخطة التعبدية الصوفية.

“ولست أنسى مناقشاتي الطويلة مع أستاذنا الشيخ عبد الفتاح أبو علام، أستاذ الشريعة والتفسير والحديث في المدرسة، حول ما يثار من اعتراضات على الطرق والأولياء والصوفية، وكان رجلا يبتسم في النهاية، ويشجعني على طاعة الله، ويوصيني بالدراسة العميقة، وإطالة النظر في أسرار التشريع الإسلامي وتاريخه وتاريخ المذاهب والفرق والطوائف لينكشف لي وجه الحق: والحقيقة بنت البحث. ومع اختلافنا في الرأي في كثير من الأحيان فقد كنت أشعر بعاطفة الأستاذ تغمرني، ورغبته الصادقة في حسن توجيهي، فكنت أحبه وأقدره، ولا يتجاوز النقاش حد الإدلاء بالحجة، والرغبة في تعرف الحق.

ليالي الجيشي: علم ودراسة وقيام ووظيفة وأوراد ووعظ

قال رحمه الله “ولست أنسى في دمنهور ليالي مسجد الجيشي، أو مصلى الخطاطبة عند كوبري إفلاقة، فلقد تطور حضور درس الأستاذ الشيخ حسن خزبك قبل فجر رمضان إلى اعتكاف ليال بطولها مع لفيف من الإخوان الحصافية الصالحين في هذا المسجد: نصلي العشاء ثم نتناول قليلا من الطعام بحضرة الشيخ محمد عامر أو الأستاذ حسن فوزي أفندي المقيم بالقاهرة الآن، ثم نذكر الله بعض الوقت، وننام قليلا، ونقوم نحو منتصف الليل للتهجد إلى الفجر، ثم قراءة الوظيفة والأوراد، والانصراف بعد ذلك إلى المدرسة، إلى الوعظ للطلاب وإلى العمل لغيرهم.

“وكثيرا ما كنا نستيقظ ونحن في بيوتنا قبل الفجر بوقت طويل، لم تكن المساجد قد فتحت أبوابها فيه. فنمضي إلى المصلى على شاطئ ترعة الخطاطبة عند كوبري إفلاقة، حيث نصلي إلى قبل الفجر ونسرع إلى الفجر لندرك الجماعة.

الزيارات والصلات

قال رحمه الله: “وكنا في كثير من أيام الجمع التي يتصادف أن نقضيها في دمنهور، نقترح رحلة لزيارة أحد الأولياء الأقربين من دمنهور، فكنا أحيانا نزور دسوق فنمشي على أقدامنا بعد صلاة الصبح مباشرة، حيث نصل حوالي الساعة الثامنة صباحا، فنقطع المسافة في ثلاث ساعات، وهي نحو عشرين كيلومترا، ونزور ونصلي الجمعة، ونستريح بعد الغذاء، ونصلي العصر ونعود أدراجنا إلى دمنهور، حيث نصلها بعد المغرب تقريبا.

“وكنا أحيانا نزور عزبة النوام حيث دفن في مقبرتها الشيخ سيد سنجر من خواص رجال الطريقة الحصافية والمعروفين بصلاحهم وتقواهم، ونقضي هناك يوما كاملا ثم نعود.

أيام الصمت والعزلة

قال رحمه الله: “وكانت لنا أيام ننذر فيها الصمت والبعد عن الناس، فلا يتكلم أحدنا إلا بذكر أو قرآن. وكان الطلبة على عادتهم ينتهزونها فرصة للمعاكسة، فيتقدمون إلى الناظر أو الأساتذة مبلغين أن فلانا الطالب قد أصًيب في لسانه، ويأتي الأستاذ ليستوضح الأمر، فكنا نجيبه بآية من القرآن فينصرف. وأذكر بالخير أستاذنا الشيخ فرحات سليم، رحمه الله، الذي كان يحترم هذه الحالة فينا ويزجر الطلاب، ويوصي بقية الأساتذة ألا يحرجوننا بالأسئلة في فترة صمتنا. وكانوا يعلمون حقا أن ذلك ليس هربا من إجابة أو تخلصا من امتحان، إذ كنا متقديمن دائما في الدروس مجيدين لها إجادة تامة. وما كنا نعرف الحكم الشرعي في هذا، ولكننا كنا نفعل هذا الصمت تأديبا للنفس، وفرارا من اللغو، وتقوية للإرادة حتى يتحكم الإنسان في نفسه ولا تتحكم فيه. ولقد كانت هذه الحالة تتطور في بعض الأحيان حتى تصل إلى نفور من الناس يدعو إلى العزلة وقطع العلائق. والصوفي متخفف يجب عليه أن يقطع علائقه بكل ما سوى الله، وأن يجاهد في هذه السبيل ما أمكنه ذلك” (مذكرات الدعوة والداعية، ص 19-31).

مع فضيلة الشيخ الدجوي والصلة الروحية

قال رحمه الله: “كنت أقرأ للشيخ يوسف الدجوي، رحمه الله، كثيرا. وكان الرجل سمح الخلق حلو الحديث صافي الروح. وبحكم النشأة الصوفية كان بيني وبينه، رحمه الله، صلة روحية وعلمية تحملني على زيارته الفينة بعد الفينة، بمنزله بقصر الشوق أو بعطفة الدوداري بحي الأزهر” (المرجع نفسه، ص 60).

رضى الله في التصوف الصادق وطريق التعليم والإرشاد

قال رحمه الله: “وأعتقد أن أجل غاية يجب أن يرمي الإنسان إليها، وأعظم ربح يربحه، أن يحوز رضى الله عنه؛ فيدخله حظيرة قدسه، ويخلع عليه جلابيب أنسه، ويزحزحه عن جحيم عذابه، وعذاب غضبه. والذي يقصد إلى هذه الغاية يعترضه مفرق طريقين، لكل خواصه ومميزاته يسلك أيهما شاء: أولهما طريق التصوف الصادق، الذي يتلخص في الإخلاص والعمل، وصرف القلب عن الاشتغال بالخلق خيرهم وشرهم، وهو أقرب وأسلم. وثانيهما: طريق التعليم والإِرشاد الذي يجامع الأول في الإخلاص والعمل، ويفارقه في الاختلاط بالناس، ودرس أحوالهم، وغشيان مجامعهم، ووصف العلاج الناجح لعللهم. وهذا أشرف عند الله وأعظم، ندب إليه القرآن العظيم. ونادى بفضله الرسول الكريم. وقد رجح الثاني  بعد أن نهجت الأول- لتعدد نفعه، وعظيم فضله، ولأنه أوجب الطريقين على المتعلم، وأجملهما بمن فقه شيئا “لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون”” المذكرات، ص 64.

في زاوية الحاج مصطفى بالعراقية

قال رحمه الله: “كانت هذه الزاوية الثانية هي الزاوية التي بناها الحاج مصطفى تقربا إلى الله تعالى، وفيها اجتمع هذا النفر من طلاب العلم يتدارسون آيات الله والحكمة في أخوة وصفاء تام.

“ولم يمض وقت طويل حتى ذاع نبأ هذا الدرس، الذي كان يستغرق ما بين المغرب والعشاء. وبعده يخرج إلى درس القهاوي حتى قصد إليه كثير من الناس، ومنهم هواة الخلاف، وأحلاس الجدل وبقايا الفتنة الأولى.

“وفي إحدى الليالي شعرت بروح غريبة روح تحفز وفرقة، ورأيت المستمعين قد تميز بعضهم من بعض، حتى في الأماكن، ولم أكد أبدأ حتى فوجئت بسؤال، ما رأي الأستاذ في مسألة التوسل؟ فقلت له: يا أخي أظنك لا تريد أن تسألني عن هذه المسألة وحدها، ولكنك تريد أن تسألني كذلك في الصلاة والسلام بعد الأذان، وفي قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، وفي لفظ السيادة للرسول صلى الله عليه وسلم في التشهد، وفي أبوي النبي، صلى الله عليه وسلم، وأين مقرهما، وفي قراءة القرآن وهل يصل ثوابها أو لا يصل، وفي هذه الحلقات التي يقيمها أهل الطرق وهل هي معصية أو قرب إلى الله. وأخذت أسرد له مسائل الخلاف جميعا التي كانت مثار فتنة سابقة وخلاف شديد فيما بينهم. فاستغرب الرجل، وقال نعم أريد الجواب عن هذا كله؟ فقلت له: يا أخي إني لست بعالم. ولكني رجل مدرس مدني أحفظ بعض الآيات، وبعض الأحاديث النبوية الشريفة، وبعض الأحكام الدينية من المطالعة في الكتب، وأتطوع بتدريسها للناس. فإذا خرجت بي عن هذا النطاق فقد أحرجتني، ومن قال لا أدري فقد أفتى. فإذا أعجبك ما أقول، ورأيت فيه خيرا، فاسمع مشكورا. وإذا أردت التوسع في المعرفة فسل غيري من العلماء والفضلاء المختصين، فهم يستطيعون إفتاءك فيما تريد، وأما أنا فهذا مبلغ علمي، ولا يكلف الله نفسا إلى وسعها. فأخذ الرجل بهذا القول، ولم يجد جوابا وأخذت عليه بهذا الأسلوب سبيل الاسترسال، وارتاح الحاضرون أو معظمهم إلى هذا التخلص” (المذكرات، ص 75).

ما أجمله من تخلص! وما ألطفه من موقف! فراسة من خبير، يحصي ما يجول في ذهن السائل، وما يتلجلج في صدره. وتواضع صادق يحسم الموقف لصالح القلب السليم، وعلى حساب الجدل العقيم مع المتحجرة عقولهم على مسائل الخلاف الكلامي. “يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا” (البقرة، 269).

أركان الدعوة الجامعة

قال رحمه الله: “وأما رجال الطرق فقد كانوا كثرة كثيرة في هذا البلد الطيبة قلوب أهله. وكان يتردد عليهم الكثير من الشيوخ. ولا أنسى مجالس الشيخ حسن عبد الله المسلمي والشيخ عبود الشاذلي، والشيخ عبد الوهاب الدندراوي وغيرهم. وفي هذه الفترة زار الإسماعيلية الشيخ عبد الرحمن سعد وهو من خلفاء الشيخ الحافي. فهو أخونا في الطريق حينذاك، وكان يدرس ويعظ، ويرأس بعد ذلك حلقة الذكر، فقصد المسجد ولم أكن أعرفه ولا يعرفني، ودرس ووعظ، ثم دعا الناس إلى الذكر. فرأيت أسلوب الطريقة الحصافية، وتعرفت إليه أخيرا. ولكن الحق أنني لم أكن متحمسا لنشر الدعوة على أنها طريق خاص لأسباب أهمها: أنني لا أريد الدخول في خصومة مع أبناء الطرق الأخرى، وأنني لا أريد أن تكون محصورة في نفر من المسلمين، ولا في ناحية من نواحي الإصلاح الإسلامي. ولكني حاولت جاهدا أن تكون دعوة عامة قوامها العلم والتربية والجهاد، وهي أركان الدعوة الإسلامية الجامعة. ومن أراد بعد ذلك تربية خاصة فهو وما يختار لنفسه. ولكني مع هذا أكرمت الشيخ عبد الرحمن، وأحسنت استقباله، ودعوت الراغبين في الطريق إلى الأخذ عنه والاستماع إليه حتى سافر. كما تعرفت في هذه الفترة إلى السيد محمد الحافظ التيجاني الذي جاء إلى الإسماعيلية خصيصا ليحذر من دسائس البهائيين ومكايدهم، وقد كان لهم في هذا الوقت دعوة ودعاة في هذه النواحي، تقوى وتشتد وتنشر. فأبلى البلاء الحسن في تحذير الناس منهم، وكشف خدعهم وأباطيلهم والرد عليهم. وقد أعجبت بما رأيته من علمه وفضله ودينه وغيرته، وناقشته طويلا  وكنا نسهر ليالي عدة- فيما يأخذ الناس على التيجانية من غلو ومبالغة ومخالفات، فكان يؤول ما يحتمل التأويل، وينفي ما يصطدم بالعقيدة الإسلامية الصافية ويبرأ منه أشد البراءة.

التأدب مع الشيوخ بأدب الطريق

قال رحمه الله: “كانت طريقتي مع هؤلاء الشيوخ الكثيرين الذين يزورون الإسماعيلية، أن أتأدب معهم بأدب الطريق، وأخاطبهم بلسانهم. ثم إذا خلونا معا شرحت لكل منهم حال المسلمين، وجهلهم بأوليات دينهم، وتفكك رابطتهم، وغفلتهم عن مصالحهم الدينية والدنيوية، وما يهددهم من أخطار جسام في كيانهم الديني: يزحف الإلحاد والإباحية على معسكراتهم، وفي كياناتهم الدنيوية بغلبة الأجانب على خيرات بلادهم. وكان المعسكر غرب الإسماعيلية ومكاتب شركة قناة السويس في شرقها مددا لا ينضب من الأمثلة على ذلك. ثم أذكرهم بالتبعة التي على كاهلهم لهؤلاء الأتباع الذين وثقوا بهم وأسلموهم قيادهم، ليدلوهم على الله ويرشدوهم إلى الخير. ثم أطلب إليهم في النهاية التربية الإسلامية الصحيحة، وجمع كلمتهم على عزة الإسلام والعمل على إعادة مجده” (مذكرات الدعوة والداعية، ص 78-79).

وفي ما تبقى من “المذكرات” بيان عما لقيته دعوة البنا، رحمه الله، وما عانته من قبل العادين والجاهلين. والحكمة التي قابل بها الشهيد هذه المعاناة، صابرا محتسبا، يدفع بالتي هي أحسن، عفوا سموحا، إلى رضى الله طموحا، وبذلك نصح إخوانه. وصدق من قال: لم يكن حسن البنا أعلم أهل زمانه، ولكنه كان ربانيا، عالما عاملا ومعلما بصغار العلم قبل كباره. فكان علمه منشئا للعمل، وكان علم الأكثرين من أبناء جيله منشئا للجدل. وبهذا بز أقرانه.

نحن مسلمون وكفى

يقول الشهيد رحمه الله: “يا أبناء أمتنا العزيزة علينا المحببة إلينا، نحن مسملون وكفى، ومنهاجنا منهج رسول الله، صلى الله عليه وسلم وكفى، وعقيدتنا مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله وكفى، فإن لم يعجبكم قولنا فخذوا بأقوال الأجانب عنا ومن لا يمتون بصلة إلينا.

“إننا لا نرى مسوغا للمتشكك في الإخوان المسلمين بعد وضوح أمرهم ونصاعة عقيدتهم إلا أمرين لا ثالث لهما: إما أن هذا المتشكك لم يدرس الإسلام دراسة صحيحة تمكنه من تشرب روحه وإدراك مراميه ومقاصده؛ فهو يرى في مقاصد الإخوان ما يخرج عن روح الإسلام، لأنه لم يعرف من هذا الروح إلا دائرة ضيقة لا تسمن ولا تغني من جوع. وإما أن يكون هذا المتشكك مريض القلب سيء الظن غير سليم القلب فهو يطغى ويتجنى ويلتمس للبرآء العيب، وكلا الأمرين وبال على صاحبه وهلاك للمتصف به” (المرجع نفسه، ص 199).

حسبك من ثوابك على الطاعة أن رضيك مولاك لها أهلا

وفي معنى التجرد عبودية، والتجمل والتجلد صبرا وفداء، والتماس الرضى من الله تقربا وتوددا ووفاء، قال رحمه الله:

“أيها الإخوان: قبل أن آخذ معكم في حديث الدعوة أحب أن أوجه إليكم هذا السؤال: هل أنتم على استعداد بحق لتجاهدوا وليستريح الناس؟ وتزرعوا ليحصد الناس؟ وأخيرا لتموتوا وتحيى أمتكم؟ وهل أعددتم أنفسكم بحق لتكونوا القربان الذي يرفع الله به هذه الأمة إلى مكانتها؟ من العاملين من يعمل ابتغاء مال أو جاه أو وظيفة أو منصب أو عرض من أعراض هذه الدنيا، ومنهم من يعمل ابتغاء ثواب الله ورضوانه في الآخرة، ومنهم من سمت نفسه ورق حسه ودق شعوره وتسامى من مواطن المادة جميعا وانتقل إلى الملإ الأعلى، فأحب الخير للخير، وعمل الجميل لذاته، وشعر بأن ما يجد من حلاوة التوفيق لهذه المنزلة فيه الكفاءة لما بذل من تضحيات في سبيلها، وأدرك سر قول العارف “حسبك من ثوابك على الطاعة أن رضيك مولاك لها أهلا”. بل سر قوله تعالى: “بل الله يمن عليكم أن هداك للإيمان إن كنتم صادقين” (الحجرات، 17)، فإن كنتم من الصنف الأول فتخلوا حالا عن هذا الميدان الكريم فما أفلح فيه نفعي قط، ويأبى الله أن يكون دينه القيم أحبولة لجر المغانم الدنيوية الزائلة، وإن كنتم من الصنف الثاني فاعملوا راشدين فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا وستجزون بالدرهم دينارا وبالحسنة أضعافا مضاعفة، “وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما” (النساء، 40). وإن كنتم من الصنف الثالث فبخ بخ وهنيئا لكم السمو إلى ذلك العالم والاتصال بهذا الملإ الروحاني والدخول في حيز قوله تعالى: “ولسوف يرضى” (سورة الليل، 21)” (المذكرات، ص 264-266).

مذكرات أخرى من غير المذكرات

وجميل أيضا أن نصغي إلى حسن البنا وهو يحدث إخوانه ويعرف بدعوته في كلمات نورانية تؤكد  بما لا يرقى إليه جدال- أن الرجل كان نفسا مطمئنة، راجعة إلى ربها، راضية مرضية في دنيا العبادة والعمل والشهادة والجهاد والمجاهدة قبل آخرة الجنة والنعيم، والرضى والرضوان، وما يخص به الكريم أهل الإحسان من عطايا السابقين المقربين، المحبين المحبوبين الذاكرين المذكورين، الشاكرين المشكورين، المريدين المرادين، الأسوياء على صراط مستقيم من نعيم مقيم، وخلود ونضرة ونظرة في وجه من لا يخيب أجر المحسنين. وهي كلمات أثرت عنه في غير المذكرات، أو نلقها عنه بلفظه ثلة من أصحابه العدول الثقات، وأخرى أثنى عليه بها، ووصفه من عاصره وعاشره طيلة مراحل دعوته، إلى أن وافته المنية، ورحل عن هذه الحياة شهيدا، صدق ما عاهد الله عليه، قضى نحبه ولم يبدل تبديلا رغم ما قاساه في سبيل دعوة الله من ظلم الأعداء، وكيد الحساد. وعلى قدر إيمان العبد وحبه الله ورسوله يكون الابتلاء وتكون المعاناة. ويجعل الله مع العسر يسرين والسهولة والمؤاتاة …

كلام الإمام حول المعرفة الروحانية

يقول الإمام حسن البنا: “.. تقوية الصلة بين الوجدان الإنساني والخالق جل وعلا حتى يصل الإنسان بذلك إلى نوع من المعرفة الروحانية هو أعذب وأصدق أنواع المعرفة جميعا.” (مجلة الدعوة، عدد 113، فبراير 1986، ص 24).

ويزيد الإمام الشهيد هذا العنصر توضيحا وشرحا بقوله: “…وذلك أن الوجدان الإنساني أقدر على كشف المستورات غير المادية من الفكر المحدود، ويستثير الخواص النفسية الكامنة في الإنسان لتسمو إلى حظائر الملإ الأعلى، وتستشعر لذة معرفة الله تبارك وتعالى. ثم يستدل على هذا العنصر بآيات من القرآن الكريم مثل: “الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب” (الرعد، 28) “وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه” (الإسراء، 67)” (مجلة الدعوة، عدد 113، ص 24).

أنا ورقة بيضاء

ويتحدث الشهيد بنعمة الله عليه فيقول: “أنا ورقة بيضاء ناصعة البياض، أنا من ضوء محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى ضوء محمد أسير، وهذا سر ما يدركني من نجاح فهو من توفيق الله وحده، لست عبقريا كما تصورونني، ولست فذا مفردا في علم أو خبرة، فهذا البناء الضخم يساهم في بنائه كثيرون مجهولون لعلهم عند الله أكبر ثوابا مني، فأنا قد أخذت في الدنيا حظا من شهرة ومعرفة حرم منه هؤلاء. لقد أخذت من الدنيا نصيبا من الشهرة وإقبال الناس علي، وكان الصالحون من المتصوفة يعتبرون ظهور الكرامة على يد الولي نقصا، وأنا أرجو أن يكرمني الله فيجعل هذه المظاهر خالصة له ولدعوته، ويجعل سبحانه من هذا الإقبال أو الجاه نصرا لدعوته ودينه” (المرجع نفسه، ص 24).

ولنصغ إليه وهو يحدثنا عن عماد الدين وعموده كلاما ينتشلك به من عالم المادة، وضوضاء المدينة، وهوس العالم، وانكماش النفس وشحها، ليحلق بك في فضاء فسيح مريح، تشعر في صفائه وعلوه بالبعد عن كل شيء، والقرب من رب كل شيء. وتلك سعادة لا يذوق حلاوتها ويشتم عبيرها إلا عشاق الليل، القائمون إلى مناجاة ربهم في جوف الظلام وباب الله ليس عليها زحام، تتورم منهم الأقدام وهم قيام، وتلتصق جباههم بأرض العبودية والاستسلام للملك العلام، ويسألونه أن يدرجهم في سبل السلام مع النبي والصحب الكرام، لنيل الأوطار وبلوغ المرام.

كلام الإمام عن الصلاة عماد الدين

يقول الإمام: “قد علمت، أعزك الله، أن الإخوان المسلمين رأوا في الإسلام أفضل الوسائل لتهذيب نفوسهم، وتجديد أرواحهم وتزكية أخلاقهم، فاقتبسوا من نوره عقيدتهم، واغترفوا من فيضه مشربهم. وأنت جد عليم بأن منزل الصلاة من الإسلام منزلة الرأس من الجسد، فهي عماده ودعامته وركنه، وشعيرته ومظهره الخالد، وآيته الباقية. وهي مع ذلك قرة العين، وراحة الضمير، وأنس النفس، وبهجة القلب، والصلة بين العبد والرب، والمرقاة تصعد برقيها أرواح المحبين إلى أعلى عليين، فتنعم بالأنس، وترتع في رياض القدس، وتجتمع لها أسباب السعادة من عالمي الغيب والشهادة. وتلك بارقة تسطع في نفس من قدح زنادها، وحلاوة يستشعرها من تذوق شهدها، وهل رأيت بربك أعذب وأحلى وأروع وأجلى من مظهر ذلك الخاشع العابد الراكع الساجد القانت آناء الليل، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، وقد نامت العيون وهدأت الجفون، واطمأنت الجنوب في المضاجع، وخلا كل حبيب بحبيبه، ونادى منادي العارفين المحبين:

سهر العيون لغير وجهك ضائع وبكاؤهن لغير فقدك باطل

“آه يا أخي! إن موقفا واحدا من هذه المواقف أنفع للقلب وأفعل في النفس وأزكى للروح من ألف عظة قولية، وألف رواية تمثيلية، وألف محاضرة كلامية، وجرب تر. ولأمر ما كان ذلك في لسان القرآن آية الإحسان: “إنهم كانوا قبل ذلك محسنين، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون” (الذاريات، الآية 16-17). ولأمر ما كان أجر هؤلاء سنيا خفيا “فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون” (السجدة، الآية 17). ألم يكن عملهم خفيا كذلك؟ وهل تصلح الخلوات في حضرة الرقباء؟ وهل يلذ المحب في غير خلوة نجاء؟ وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ ولقد حدثوا أن أبا القاسم الجنيد رئي بعد وفاته فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: طاحت الإشارات، وفنيت العبارات، وغابت العلوم، وضاعت الرسوم، وما نفعنا إلا ركيعات كنا نركعها في جوف الليل.

لا تستغرب أيها القارئ الكريم فما نفع القلب خير من خلوة يدخل بها ميدان فكرة، وما تزكت النفس بأفضل من ركعات خاشعات تجلو القلوب، وتقشع صدأ الذنوب، وتغسل درن العيوب، وتقذف في القلب نور الإيمان، وتثلج الصدر ببرد اليقين” (حسن البنا، الحياء في محراب الصلاة، مجلة الدعوة، عدد 110، ص30).

وما أكثر ما ألهم الإمام البنا، رحمه الله، في صلاته دروسه وعظاته التي ألقاها بين إخوانه في “عاطفة الثلاثاء” عندما كان الإخوان المسلمون يفدون من كل حدب وصوب من القطر المصري، مشتاقين متلهفين لسماع إمامهم أول عهد الدعوة بالتأسيس والانتشار. فهلم بنا إلى أحد دروسه التي ألقاها على مسامع الإخوان تحت عنوان:

الوحدة التي نريدها، والداعية الذي نرضاه

قال رحمه الله: “أيها الإخوان الكرام، إنها عاطفة الثلاثاء تأبى إلا أن تبرز وجودها، وتبرهن على حياتها. وصدقوني يا إخوتي أني في صلاة المغرب كدت أستغرق في تأمل هذا المعنى (معنى الوحدة وضرورتها) فجاء ذلك من وحي الصلاة، ولا خير في صلاة لا أمر فيها ولا نهي معها، ولا أثر لها، ولا وحي فيها. إن للصلاة لوحيا، وإن فيها لأمرا ونهيا. وهي الركن الأول وحجر الزاوية في بناء الروحانية الإسلامية. وإن عمر، رضي الله تعالى عنه، ليقول: “إني لأرتب جيشي وأنا في الصلاة” (…)

“أيها الإخوان الكرام. كان في صلاة المغرب الليلة شيء من هذا. فبينما أنا في الصلاة، ويظهر أني كنت مشتغل الخاطر بحديث الوحدة، رأيت في صلاة المغرب ونظامها وجماعتها ووضعها، رأيت في هذا كله الجواب الذي تنحل به مشكلة الفرقة الإسلامية اليوم. فحين قال المؤذن الله أكبر، الله أكبر، فإننا سكتنا وأنصتنا لهذا النداء، ونسينا حوائجنا ومصالحنا، حتى إذا تقدم شخص للإمامة، ثم سويت الصفوف بأمره، ثم قال: الله أكبر، ارتفعت الأيدي لهذا النداء. ثم إذا كبر كبروا، وإذا قرأ قرأوا، وإذا ركع ركعوا، وإذا سجد سجدوا، حتى إذا قال السلام عليكم ورحمة الله قالوا مثلما قال.

“أيها الإخوان الأحباء. لا يحتاج المسلمون في وحدتهم إلا إلى هذا الصوت. المسلمون يحتاجون إلى مناد مخلص، فينادي إلى الوحدة. وأن يكون الله سبحانه وتعالى هو الغاية، فتجتمع القلوب على حسن معرفة الله، تبارك وتعالى، وعلى كلمة التوحيد.

“نريد  أيها الإخوة- مناديا ينادينا إلى الله، ويدعونا إلى الله. فإن دعانا إلى الدنيا اختلفنا. وإن دعانا إلى المناصب اختلفنا. وإن دعانا إلى الوظائف اختلفنا. وإن دعانا إلى التقدم المادي اختلفنا. أما حين يدعونا إلى الله، تبارك وتعالى، فلن نختلف بفضل الله، ولن تختلف لنا كلمة “ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين” (فصلت، 33). نريد داعية يتمثل قول الله تبارك وتعالى: “قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن. وسبحان الله وما أنا من المشركين” (يوسف، 108). ونريد  أيها الإخوة- استجابة لهذا الداعي (…) وحسن الاستعداد، تماما كما كان الاستعداد والتأهب عند إقامة الصلاة. نريد هذا، ثم نريد حسن التنظيم تماما كما قمنا واتجهنا إلى القبلة. إلى قبلة واحدة لتوحيد الهدف.

“أيها الإخوان الكرام، فإذا ما وجدت هذه الأمور أو هذه الشرائط: الداعية، والهدف، والاستعداد، والقبول، ثم التنظيم فأبشروا بكل خير، فإن هذه القوة التي ستزداد بكل هذه الأمور، لن تغلب ولن تهزم ولو اجتمع عليها أهل الأرض.” (حديث الثلاثاء، للإمام حسن البنا، ص 362-365).

صدقت أيها الحبيب. داع إلى الله على بصيرة ومستجيب. وصف مرصوص منظم. وهدف سام موحد. ونصر من الله وفتح قريب. وإلا فهي الحيرة والتعب.

أيها الحيارى المتعبون

ولننصت إليه وهو في بحبوحة نعيم المكرمين يشرف على الحيارى الهائمين ويربت على أكتافهم بيد رحيمة ويهمس في آذانهم بصوت الداعية الذي كله رحمة ورفق ولين يقول: في مقال بعنوان: رسالة في كلمات “أيها الحيارى المتعبون”:

“أيها الحائرون في بيداء الحياة، إلى متى التيه والضلال وبيدكم المصباح المنير؟ “قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجكم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديكم إلى صراط مستقيم” (المائدة، 16). أيها الحيارى المتعبون الذين التبست عليهم المسالك فضلوا السبيل، وتنكبوا الطريق المستقيم. أجيبوا دعاء العليم الخبير: “يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له” (الزمر، 53). وترقبوا بعد ذلك طمأنينة النفس، وحسن الجزاء، وراحة الضمير. “والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين” (آل عمران، 135-136).

“أيها الأخ العاني المتعب الرازح تحت أعباء الخطايا والذنوب، إياك أعني وإليك أوجه القول: “إن باب ربك واسع فسيح غير محجوب، وبكاء العاصين أحب إلى الله من دعاء الطائعين. جلسة من جلسات المناجاة في السحر، وقطرة من دموع الأسف والندم، وكلمة من كلمات الاستغفار والإنابة يمحو الله بها زلتك، ويعلي درجتك، وتكون عنده من المقربين. وكل بني آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون. ما أقرب ربك إليك وأنت لا تدرك قربه، وما أحبك إلى مولاك وأنت لا تقدر حبه، ما أعظم رحمته بك وأنت مع ذلك من الغافلين” (حسن البنا، مجلة الدعوة، ع 116، ص 49).

وسنقوم بقسطنا من هذا التجديد

وفي كلمة له كتبها في جريدة “النذير” تقرأ هذه العبارات الدالة على رحمة الداعي وحكمته ويقينه في وعد الله، وموعود رسوله، وحسن ظنه، وواسع ثقته بتأييد الله ونصرته: “منهم من يرى مستحيلا على هؤلاء الفتية المجاهدين من الإخوان المسلمين أن يستطيعوا تحطيم هذه القيود والعودة بالناس إلى الإسلام.

“معذورون هؤلاء لأنهم لم يؤمنوا بعد بما في الإيمان من قوة وجبروت، ولم يذكروا ما فعل هذا الإيمان بالأمة من قبل ومن بعد. وهي رسالة الإسلام التي أداها الرسول، صلى الله عليه وسلم، أكمل الأداء، وائتمن عليها المجددين المصلحين من أمته. وسنقوم بقسطنا من هذا التجديد إن شاء الله. وسيغير الله بنا هذه النظم وهذه الأوضاع. ولتعلمن نبأه بعد حين…

“أما واجب الأخ المسلم إن كان جادا، فهو أن يتخطى حدود النصح إلى حدود العمل، فقد آن أوان الجد. يتصور الإخوان المسلمون أوان الجد هذا بأنه الاشتباك مع الحكومات، وهو ما يعبرون عنه دائما بنزول الميدان. لا أيها الإخوان! اشتبكوا مع أنفسكم أولا وانزلوا منها ميدان الخصومة، واشتبكوا مع هذه النظم الفردية التي درجتم عليها وهي تخالف الإسلام. سأدعوكم في القريب إلى تغيير الزي لنقترب من مظهر الإسلام، وسأدعوكم إلى تربية اللحية لنخالف الخواجات، وسأدعوكم إلى تغيير الأوقات فننام بعد العشاء ونستيقظ قبل الفجر أو قبيله دائما … وسأدعوكم إلى إتقان الصلوات والحرص على الجماعات … سأدعوكم إلى هذا وإلى كثير من أمثاله. فمن انتصر منكم على نفسه فسينتصر على كل حكومة طاغية، وسيكتب الله للجماعة النصر. ومن عجز عن قيادة نفسه فهو أعجز عن قيادة الناس. سأوافيكم ببيان كل ذلك مفصلا في القريب، وسيكون عامنا هذا القادم  إن شاء الله- عام جهاد عنيف مع النفس والبيت والعادات، فاعصوا أنفسكم. والله معكم” (مجلة الدعوة، عدد 116، ص 48-49).

حسن البنا وصناعة الموت الطاهرة

ونختم مذكرات الرجل بهذه الكلمة العظيمة عظمة من عاش عيشة المؤمن المطمئن الموقن بأن الله لن يتره عمله، ولن يخيب رجاءه، ولن يضيع جهاده، رغم ظلم العادين، وعداء الجاهلين، وكيد الحاسدين، وهو المحتسب الذي حسبه الله ونعم الوكيل. عظيمة هي كلمته عظمة من مات كي لا يموت، مات ليحيى ويحيي موات الأمة. مات الموتة الشريفة الطاهرة التي تمناها ودعا بها وسعى لها سعيها ثم نالها. وهو الذي كان يقول دائما: “أرجو أن يتم الله علي نعمته فألقى الله وأنا على هذه الطهارة، وأن يرزقني الله أيضا الموتة الطاهرة التي طلبها أحد الصوفية في دعاءاته، وأنا أرددها في أورادي … وهذه الموتة الطاهرة هي الشهادة” (مجلة الدعوة، ع 113، من مقال تحت عنوان: “جوانب من ربانية الإمام الشهيد”).

“وفي موقف مشهور أمام مئات ممن كانوا يسمعونه، تحدث عن الجهاد في سبيل الله، ثم انتفض وقال: ألا تعجبون من إخواننا العباد الذين لا ينقطعون عن تلاوة دعاء الشيخ أبي الحسن الشاذلي في حزب البر، ويرددون من ذلك دائما “اللهم وارزقنا الموتة الطاهرة؟” ماذا تراهم يستحضرون من معنى الموتة الطاهرة؟ ألا إن أطهر موتة يحبها الله هي هذه، ورفع يده فحز بها على رقبته وكأنما والله قد مس الناس كلهم كهرباء، واستعلن أمامهم مشهد الفداء والذبح رأي العين. وسالت دموع، وثارت عواطف، وتعالت هتافات.

“ولقد سجل هذا المعنى في مقال ذائع له تحت عنوان (صناعة الموت) حين قال رحمه الله: “الموت صناعة من الصناعات، من الناس من يحسنها ويعرف كيف يموت الموتة الكريمة، وكيف يختار لموتته الميدان الشريف، والموقف المناسب، فيبيع القطرة من دمه بأغلى أثمانها، ويربح بها ربحا أعظم من كل ما يتصور الناس، فيربح سعادة الحياة وثواب الآخرة ولم ينقص من عمره ذرة، ولم يفقد من حياته يوما واحدا، ولم يستعجل بذلك أجلا قد حدده الله.” (المرجع السابق).

لقد كان داعية ربانيا أصيلا، وكانت دعوته نبوية أصيلة أيضا. ومن الأصالة التي حرص عليها الإمام البنا، رحمه الله، وألزم الإخوان المسلمين المحافظة عليها، الاهتمام بالجانب الروحي، باعتباره من العمل الإسلامي بمثابة الروح من الجسد سواء بالنسبة للفرد أو للجماعة. لذلك نجده يقول في ركن العمل من أركان البيعة: “إن مراتب العلم المطلوبة من الأخ الصادق: إصلاح نفسه حتى يكون قوي الجسم، متين الخلق، مثقف الفكر، قادرا على الكسب، سليم العقيدة، صحيح العبادة، مجاهدا بنفسه، حريصا على وقته، منظما في شؤونه، نافعا لغيره” (عبد الحليم محمود، وسائل التربية عند الإخوان المسلمين، ط 6، ص 15). “وعلم الإمام البنا أن هذه الصفات لا تتحقق إلا بالتربية، فأرشد إليها ومارسها مع الإخوان، فكانت الدروس والأسر والكتيبة والرحلة والمعسكر وغيرها من وسائل التربية المعروفة في الجماعة. وتربى على يديه جيل أكرمه الله بالثبات والصدق والصبر رغم المحن وقسوتها”. (مجلة الدعوة، عدد 116، ص 7).