من أراد العافية فليتق الله، ما أقبل مقبل عليه، إلا وجد كل خير لديه ولا أعرض معرض عن طاعته، إلا وتعتر في ثوب غفلته..

فيا من يريد العيش على البقاء، دم على الإخلاص والنقاء، وإياك والمعاصي، فالعاصي في شقاء المعاصي، والمعاصي تذل الإنسان، وتخرس اللسان، وتغير الحال المستقيم، وتحمل الاعوجاج مكان التقويم.

راقب من يراك على كل حال، ومازال نظره إليك في جميع الأفعال، وطهر سرك فهو عليم بما يخطر بالبال .. “وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم”، يا من نسي العهد القديم وخان “وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى” من ذا الذي سواك في صورة الإنسان؟ من ذا الذي غذاك في أجب مكان، من الذي بقدرته استقام الجثمان؟ من الذي بحكمته أبصرت العينان؟ من الذي بصنعته سمعت الأذنان؟ من الذي وهب العقل فاستبان للرشد وبان؟ من الذي بارزته بالخطايا وهو يستر العصيان؟ من الذي تركت شكره فلم يؤخذ بالكفران؟

يا واقفا مع الأماني ضيعت عمرك، يا فارحا بقصره تذكر قبرك، يا حاملا أثقال الذنوب هلا خففت ظهرك، سار الصالحون إليه، وآثرت هجرك، وسمعت سيرهم وضيعت أجرك، إن أردت صحبة المتقين فاشرح لليقين صدرك…

لله در أنفس تطهرت من أجناس هواها، وتجلبت جلباب الصبر عند دنياها، وشغلها ما رأى قلبها عما رأت عيناها، وإن مالت إلى الدنيا نهاها نهاها، وإن مالت إلى الهوة شفاها شفاها، سهرت تطلب رضى المولى فرضي عنها وأرضاها، وقامت سوق المجاهدة على سوق هداها .. ورمت نجائب الأسحار فساقها حادي الاستغفار إذ عناها، وقطعت بيداء الجد بآلة المستعد فبلغت مناها. فلا خوف عليها ولا يحزن سار على دربها وخطاها.

لله در أقوام شغلهم تحصيل زادهم عن أهاليهم وأولادهم، ومال بهم ذكر المآل عن المالي في معادهم، وصاحت بهم الدنيا فما أجابوا شغلا بمرادهم .. واتخذوا الليل مسلكا لجهادهم واجتهادهم..

أقبلت قلوبهم تراعي حق الحق فذهلت بذلك عن مناجاة الخلق، فالأبدان بين أهل الدنيا تسعى، والقلوب في رياض الملكوت ترعى، نازلهم الخوف من الله فصاروا والهين .. وجن عليهم الليل فباتوا “سجدا وقائمين” وناداهم منادي الصلاح، حي على الفلاح، وهبت ريح الأسحار فتيقظوا مستغفرين وقطعوا بند المجاهدة فأصبحوا واصلين.

فاللهم إياك نعبد وإياك نستعين.

من كتاب الياقوتة لابن الجوزي بتصرف 1