(… وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون. قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم.) سورة سبأ الآيات: 24، 25، 26.

هكذا كان الله تعالى يعلم نبينا الكريم آداب الحوار ومنطق التواصل مع من يدعوهم ويبتغي هداهم… على هذا المنهاج النبوي، وعلى هذا المنوال في الدعوة والتواصل والجدال تحاول جماعة العدل والإحسان أن تعمل وتنسج.. ليس في نية الجماعة إقصاء أحد ولا استبعاد طرف، ولا الاستهانة برأي أو التنقيص من فكرة أو اقتراح، غاية ما تسعى إليه هو انتزاع فرصة البداية وإيقاد شعلة الانطلاقة، وحتما ستلي ذلك خطوات وخطوات، قد يطول بها السير لكنها لن تتيه بحول الله.. بل ستدرك وستصل.. لقد دشن الأستاذ عبد السلام ياسين مرحلة الحوار منذ بداية تحركه، بل وقبل أن يؤسس أي عمل منظم وقبل أن يجتمع حوله الناس والمؤيدون، الحوار والإشراك في أمر الأمة مبدأ أصيل في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين، مبدأ لم يتخلى عنه أبدا رغم كل الصدود الذي واجهه به من سعى إليهم وتواصل معهم.

لقد قدمت الجماعة ما في وسعها من أجل التعريف بمشروعها، رغم كل الإكراهات والموانع، ولم تتأخر في يوم من الأيام عن بيان موقفها من شتى الأمور ذات البال التي تهم الشعب والأمة الإسلامية، بل كل المستضعفين في الأرض، اقتناعا منها بأن الإسلام جاء رحمة للعالمين، وهي تسعى جاهدة إلى استرجاع وتثبيت ثقة الناس في أن حل مشاكل المغرب والخروج من الأزمة الراهنة ممكن جدا لو تضافرت الجهود وخلصت النيات وصدقت الإرادات.

ناصية الحقيقة..!

الغرب أحكم قبضته على رقاب المسلمين التي سلمه إياها حكامنا، ورغم ذلك فإن فينا بقية ممن يقومون ويتصدون لتسلط الطغاة وجبروت المستكبرين، رغم ضعف تلك الطائفة ورغم قلة حيلتها، فما تزال تدافع وتنافح، حتى يأتي الله بالفتح المبين.. فمع هذه القلة تضع الجماعة نفسها، وضمنها تدرج مجهودها وتدلي بدلوها، الجماعة مع طالبي العدل والإنصاف لهذا الشعب، الجماعة مع من يرفض ويجرم الاستبداد مهما كان شكله وأيا كان مصدره.. الجماعة مستعدة لطرح تصورها الشامل لمشاكل المغرب، وتشخيصها الخاص لأمراضه وأدوات وآليات الإصلاح والتغيير والعلاج، فما العيب في أن يصغى إليها ويؤخذ اقتراحها ويبادل بالرأي ويقارع بالحجة، فتتلاقى الأفكار وتتلا قح لينتج عنها رأي موحد أو على الأقل متقارب وأقل تباعدا، إن الجماعة لم تقل أبدا بحتمية بطلان رأي أو تصور أي طرف لمشاكل المغرب وأسباب معالجتها وتدبيرها، ما قالت هذا على الإطلاق، بل إن ما فعلته هو أنها قدمت في أدبياتها، وفي بعض المناسبات رأيها في الخروج من أزمة المغرب، وعبرت عن وجهة نظرها في ما طرحه غيرها من حلول وبينت بما توفر لديها من براهين ودلائل وحجج فشل تلك البرامج والتصورات أو نسبة بعدها أو قربها من الصواب، لكنها لم تجزم قط بأن تلك العقول وتلك الهمم والإرادات التي أنتجت هذه البرامج وأبدعت تلك الحلول قد عقمت عن إنتاج غيرها، فقط ترى أنها في حاجة إلى مسعف ومعين، وفي حاجة إلى طرف آخر ربما ينظر إلى الأمور من زاوية مخالفة، وقد يكون في اختلاف زاوية نظر كل طرف بذرة أمل في الاقتراب أكثر من الحقيقة والصواب..

ناصية الحقيقة بين أيدينا جميعا مجتمعين، وهي متمنعة وممنوعة علينا ونحن على هذا الحال من النفور والتدابر.. الحقيقة ليس لها موطن إلا في انجماع أهل الغيرة وأهل الصدق والإرادة على خدمة الصالح العام.. الحقيقة عنوانها منقوش دائما على مائدة الحوار والتواصل البناء والمسؤول، ومن يبتغي للحقيقة موطنا غير هذا فانه لا شك يعبث، ويا ليته يعبث برخيص وهين بل بمصير أمة فهل بعد هذا من غال !؟

إن الجماعة لا تستجدي عطاء أحد ولا منحة أحد ولا عطف وشفقة أحد، ولا يظنن أحد أنها قد فقدت الطريق وضاع أملها في تحقيق وإنجاح مشروعها في البناء والتغيير والإصلاح، طالما أن النظام يحاصرها وبعض الأطراف تزكي ذلك الحصار بالمقاطعة.. بل حرصها هذا على جمع شتات الشعب من خلال رجاله ومفكريه ومؤطريه إنما مبعثه هو اقتناعها بضرورة ذلك التعاضد والتلاحم وهو أمر إلهي ( وتعاونوا على البر والتقوى ) والامتثال له واجب ومحتوم ما وسع الأمر.. وهي أي الجماعة، معذورة بعد ذلك إذا لم يستجب الناس لدعوتها، فلا ينبغي أن يفهم هذا التأكيد من الجماعة على حتمية الحوار مع كل من يهمه أمر هذا الشعب، لا من قبل عامة الناس ولا من قبل بعض المتعاطفين أو حتى من قبل بعض أعضاء الجماعة نفسها.. بأنه استعطاف وطلب للقربة والوصلة كيفما اتفق وبأي ثمن..

إن المتتبع للساحة السياسية في بلدنا يقدر تمام التقدير أسهم ورصيد جماعة العدل والإحسان من الشعبية والقبول ويدرك أيضا قيمة ما تطرحه من مبادرات، فدعوتها إذن إلى الحوار ينبغي أن توضع في هذا الإطار وينظر إليها من هذه الزاوية حتى يكون الحكم منطقيا وذا مصداقية وموضوعية.

مطلب العدل

إن ما بلغته الجماعة في ظرف وجيز إنما هو عطاء من الله، وهذا العطاء ليس حكرا عليها ولا على أعضائها بل هو عطاء لكل مغربي ولكل مسلم، فلا احتكار لعطاء الله ولا منة ولا تضييق.. جماعة العدل والإحسان مشروعها الأسمى بعد رضوان الله هو خدمة الناس، خدمة الشعب وإسعافه والرفق بضعفائه ومد العون لصاحب الحاجة وتطبيب المريض وإغاثة اللهفان وهداية الضال ومسح دمع اليتيم.. كيف لها إذن أن تحقق هذا الهدف إذا لم تتمكن من حيازة أسبابه وإمكانياته ؟ لا شك أن الكثير بل الجميع يرغب ويحب أن يقدم خدمة ولو بسيطة لإسعاد الآخرين، لا شك أن هناك من يود أن يفرش رداءه للمعدوم، وينفق من ماله على المحتاج، ويعطي من دمه للمريض. وهذا موجود ونراه ونشهده كل يوم وفي كل مكان.. لكنه غير منظم وغير مسؤول ولا مضمون الاستمرارية والبقاء.. كي تخدم الجماعة الناس ينبغي أولا أن تحقق مطلب العدل في شموليته.. وهذا المطلب الذي يشكل الجزء الأول من الشعار الذي ترفعه لا يمكن أن يتحقق من فراغ، ولا يمكن أن يفرض على الناس بالقوة والقهر، بل لابد من الصبر والتدرج والتدبير الحكيم في تسيير دفة الأمور حتى تصل بها إلى نتائج إيجابية لا تترك وراءها آثارا قد تضيع الطريق أو تشوه النتائج، وهذه الدقة والتفاني في العمل لا يمكن أن يقوم به طرف واحد في هذا البلد، وإلا لوصف بأوصاف الملائكة التي لا يعتريها الخطأ.. إذن لابد من تضافر الجهود لخدمة الشعب ولابد من الانصياع لتحقيق مطلب العدل بين الناس فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب..أصبح إذن واجا علينا أن نجلس ونتحاور ونتفاهم حول كيف ومن أين نبدأ ومع من نشتغل وبأية إرادة ونية..

ما أسميه أنا عدلا قد تسميه أنت أسماء أخرى، فليكن ذلك ما دامت النتيجة ستكون واحدة وهي إسعاد الناس وخدمتهم.. وما تدعو إليه أنت قد أنكره أنا، لكنه لا يضيع للود قضية ولا يتلف معالم الطريق التي وضعناها جميعا لعملنا فلن أكون معولا للهدم ولن أعترض طريقك.. بل سأنصرف إلى تنفيذ ما أنيطت بي مسؤوليته وفي نفس الوقت سأشتغل في البحث عن أسباب التقارب فيما لا يزال يشكل نقطة اختلاف بيني وبينك، لكن لا يمكن أن تتصور مدى سعادتي وفرحتي وأنا أشتغل معك جنبا إلى جنب، يلامس جلدي جلدك، ويختلط عرقي في خدمة الأمة بعرقك، وأحس بالتعب من أعباء المسؤولية وجسامتها كما تحس أنت.. لا يمكن أن تتصور كيف سأقضي ليلتي بعد يوم طويل من العمل إلى جانبك في حل مشاكل الناس والتخفيف عنهم والاستجابة لمطالبهم وتلبية حاجاتهم.. سأصلي طويلا شكرا لله أن جمع الشمل وخفف الحمل وجنب بلدنا أسباب الفتنة.. فإذا كانت هذه هي نتائج ما أسميه عدلا أفلا يجدر بي وبك أن نسعى إلى تحقيقه ؟