بعد المقدمات الموضحة للمراد من هذا الموضوع المختار، وبعد الشهادات المقررة لحسن الاختيار، والمذكرات الداعمة لذلك بما تتضمنه من مواقف وآراء وأفكار، نورد هنا بعض الخلاصات منقولة من كتب بعض الدارسين المحللين الأمناء، المشهود لهم بالعدلية والنزاهة العلمية، أو من مقالات بعض الدعاة المجربين والقادة الخبراء، معززة بملاحظات وإضاءات، تقف بنا على معالم مدرسة البنا التجديدية، تنظيرا وتأطيرا، وتعبئة وتغييرا.

حسن البنا وتربية الرعيل الأول

من خلال كتاب “وسائل التربية عند الإخوان المسلمين، دراسة تحليلية تاريخية”، نتعرف مفهوم التربية عند أبناء حسن البنا رحمه الله: “التربية هي الأسلوب الأمثل في التعامل مع الفطرة البشرية توجيها مباشرا بالكلمة، وغير مباشر بالقوة، وفق منهج خاص، ووسائل خاصة، لإحداث تغيير في الإنسان نحو الأحسن” (د. علي عبد الحليم محمود، وسائل التربية عند الإخوان المسلمين: دراسة تحليلية تاريخية، ص 15).

و”المنهج” هو الطريق الواضحة المعالم والخطة المرسومة بدقة، وهو المنهاج كذلك، قال تعالى: “لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا” (المائدة، 48)، أي طريقة إلهية يتحاكم إليها الناس” (نفس المرجع، ص 16).

من هنا يتبين أن الرجل كان يعتمد منهاجا خاصا في تربية الإخوان المسلمين، وأن هذا المنهاج مستقى من النبع الصافي، كتاب الله وسنة رسوله، لكن بعقل يقظ وفهم نير نافذ هو من الله عطاء ونور، وهدى وفرقان، وبإرادة جهادية بنائية تغييرية. ومن هنا كان الإجماع، أو كاد، على أن الرجل كان مجددا مجتهدا، ولم يكن فقط عابدا زاهدا، أو داعية حركيا مجاهدا.

فكانت جماعته، نتيجة لذلك، دعوة سلفية، وطريقة سنية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية. ومع هذا كله كانت حقيقة صوفية: “لأنهم يعلمون أن أساس الخير طهارة النفس ونقاء القلب والمواظبة على العمل، والإعراض عن الخلق، والحب في الله والارتباط على الخير” (وسائل التربية عند الإخوان المسلمين، ص 98).

أما مراحل هذه الدعوة الجامعة، كما تحدث عنها الإمام، وفصل القول فيها، فهي ثلاث: التعريف والتكوين والتنفيذ.

ويعنينا، في ما نحن بصدده من هذه المراحل، مرحلة التكوين التي قال عنها الإمام في حديثه عن الطاعة بما هي ركن من أركان البيعة: “التكوين باستخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الجهاد وضم بعضها إلى بعض، ونظام الدعوة في هذه المرحلة:

– صوفي بحت من الناحية الروحية.

– وعسكري بحت من الناحية العملية.

“وشعار هاتين الناحيتين، دائما، (أمر وطاعة)، من غير تردد ولا مراجعة ولا شك ولا حرج. وتمثل الكتائب الإخوانية هذه المرحلة من حياة الدعوة (…) والدعوة فيها خاصة لا يتصل بها إلا من استعد استعدادا حقيقيا لتحمل أعباء الجهاد طويل المدى كثير التبعات، وأول بوادر هذا الاستعداد (كمال الطاعة).

“وواضح أن المقصود بهذه المرحلة في تاريخ التربية عند الجماعة مرحلة الانتظام في أسر، بعد أن يكون الفرد قد مر بمرحلة التعريف التي تعد فيها الدعوة (عامة).” (المرجع السابق، ص 160-161).

الوسائل التربوية التي اعتمدها البنا في البناء

حتى إذا ما رجعنا إلى الوسائل التربوية التي تعتمدها الجماعة في تنمية أفرادها وتقويمهم وتكوينهم وإعدادهم للمهمات الجسام، ألفيناها متفقة كلها على حضور الجانب الروحي بكثافة ضمن أهدافها ومفردات برنامجها التطبيقي العملي وبخاصة ما يتعلق بالأسرة والكتيبة.

وبرجوع القارئ الكريم إلى كتاب “وسائل التربية عند الإخوان المسلمين” عند حديثه عن هاتين الوسيلتين، سيقف على هذه الحقيقة وقوفا دقيقا وعميقا وموثقا. وسنكتفي هنا بذكر بعض ما ورد في الكتاب فيما يتعلق بالكتيبة فقط؛ لأن نظامها، من بين مختلف أنظمة التكوين، “يعد نظام التكوين المركز، وأسلوب التربية العميق المباشر؛ لأنه، وحده، هو النظام الذي يجد فيه الموجه والموجه نفسيهما متجردين متفرغين، كل منهما للآخر وجها لوجه، لا تشغل أيا منهما عن نفسه ولا عن صاحبه شاغلة، فيكون القلب والعقل معا في أسمى حالات التهيؤ للتلقي والإلقاء. وبالتعبير الحديث: للاستقبال والإرسال” (المرجع السابق، ص 221) “ونظام الكتائب نظام فريد مبتكر، لعل الأستاذ حسن البنا، رحمه الله، قد اشتقه من اجتماعات دار الأرقم بن أبي الأرقم، حيث كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يجمع المؤمنين به في ذلك الوقت المبكر  وكانوا قلة- فيبثهم ما عنده، ويقضي إليهم بذات نفسه، ويأخذهم بأسلوب من التربية الروحية العالية، حتى خرج من تلك الدار المتواضعة من كانوا أعلام الهدى، ومن حملوا مشعل النور الإسلامي فأضاءوا به جنبات الدنيا.” (المرجع السابق، ص 221).

الكتيبة إحدى أهم وسائل تربية الإخوان المسلمين وتكوينهم

“الكتيبة تعني أسلوبا خاصا في تربية مجموعة من الإخوان. يقوم هذا الأسلوب على تربية الروح، وترقيق القلب، وتزكية النفس، وتعويد البدن والجوارح على الاستجابة للعبادة بعامة، وللتهجد والذكر والتدبر والفكر بصفة خاصة”. (المرجع السابق، ص 220).

“وكان في نية الأستاذ المرشد أن يتدرج في إنشاء الكتائب حتى يسلك فيها كل إخوان المركز العام، على أن يقوم هو بنفسه بدور التوجيه والتربية. فبدأ أول خطوة فيه بأن جمع من الرعيل الأول أربعين أخا، وكانوا هم الكتيبة الأولى، ثم ما لبث أن جمع أربعين آخرين، فكانوا الكتيبة الثانية. وكان النظام يقتضي أن تتم كل كتيبة أربعين أسبوعا.

“ويتلخص نظام الكتيبة وبرنامجها، سواء تلك التي أنشأها الإمام البنا، رحمه الله، مع الرعيل الأول أو تلك التي تفرعت عنها في:

1. المبيت الجماعي ليلة في الأسبوع، والأفضل أن يكون يوم صيام. هذا مع تناول الإفطار أو العشاء معا، طعاما رمزيا دون إسراف.

2. فكلمة الافتتاح من أمير الكتيبة، أو من يكلفه الأمير عن أعضاء الكتيبة، ويستحسن أن تشتمل هذه الكلمة على عظة، وتذكير بآداب الكتيبة وأهدافها.

3. تلاوة القرآن الكريم، قارئ يتلو ويسمع الباقون. وقدر التلاوة جزء من القرآن على الأقل. ويمكن أن يقرأ كل واحد في مصحفه أو من ذاكرته جزءا من القرآن، بصوت يسمعه القارئ ولا يزعج من بجواره. ولو وزع القرآن كله على عدد أعضاء الكتيبة فختموا القرآن كله في هذه الليلة لكان ذلك أكثر بركة للمجلس حيث قرئ فيه القرآن الكريم كله.

4. تلاوة الوظيفة الكبرى “المأثورات”، كل على حدة، إلا إذا دعت الضرورة لتلاوتها في جماعة.

5. قيام جزء من الليل.

6. التهجد ببعض الركعات قبل الفجر بوقت كاف.

7. الاستغفار والذكر والدعاء.

8. 9. 10. 11. دروس وكلمات في التفسير والسيرة وتاريخ الدعوة والدعاة، والتربية والتكوين.

12. كلمة في ختام اللقاء يلقيها أمير الكتيبة، أو من ينيبه، يؤكد فيها على معاني الأخوة والحب في الله والعمل والجهاد في سبيله. ثم دعاء ختم المجلس.” (المرجع السابق، ص 240-241).

والناظر الممعن، والقارئ المتفحص لهذا الذي سطرناه بتلخيص، نقلا عن كتاب أحد الخبراء المعتبرين والمعتمدين في التعريف بجماعة الإخوان المسلمين وبرامجها التنظيرية المختلفة، يتبين بما لا يدع مجالا للشك، أن حسن البنا وأبناءه من الرعيل الأول، إنما صنعوا صناعة ربانية وبنوا بناء روحيا وفق منهج تربوي روحي معلوم، وطريق سلوكي مرسوم، وبرنامج تكويني موسوم بملامح صوفية بارزة، منضبطة بضابط الكتاب والسنة. فهناك الاجتماع على الخير في مكان واحد وزمان واحد يضم الأمير وأتباعه، وهناك الوظيفة الصغرى والكبرى (المأثورات) ذكرا وتلاوة، وهناك أيضا القيام والتهجد، وهناك التذكير والتعليم والوعظ والتربية والتكوين.

وكلها داخل في أعمال تعبدية الاجتماع عليها رحمة، وتعاون على البر والتقوى، وتسابق بالخيرات وتنافس فيها. والمؤمن ضعيف بنفسه قوي بإخوته، لو وكل إلى نفسه في خلوته لأكل وقته العجز والكسل، وجبن عن مواجهة مغريات النفس ووساوس الشيطان وفتن العادة فبذل وتبذل. هذا في ِأن العبادات الفردية التي يملك الإنسان أن يؤديها وحده إذا قويت إرادته وسمت همته، فكيف بالأعمال التي لا يملك يقوم بها وحده إلا أن يعينه عليها مذكر ناصح، أو مساعد صالح، أو مرب معلم فالح، أو جماعة مؤمنة. لاسيما إذا تعلق الأمر بتعلم علم نافع، أو القيام بعمل جهادي بنائي تغييري تدفع به المضار، وتتحقق بموجبه المنافع.

عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “.. ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده.” (حديث رواه مسلم في باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر).

وعن شعبة سمعت أبا إسحاق يحدث عن الأغر أبي مسلم أنه قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنهما شهدا على النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: “لا يقعد قوم يذكرون الله، عز وجل، إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده.” (رواه مسلم في نفس الباب).

وعن أبي سعيد الخدري قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال آالله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أقل حديثا مني وإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا. قال: آالله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله، عز وجل، يباهي بكم الملائكة.” (رواه مسلم في نفس الباب).

إنه الاجتماع على الخير، الخير تلاوة ودراسة، والخير ذكرا، والخير مذاكرة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وليجتهد المجتهدون، وبمثل هذه القربات الجماعية فليعمل العاملون، وليتقرب المتقربون. أما المغبون المفتون، أما المغبونون المفتونون ففضل الله يحجرون، ومن خرج عن سنة اجتماعهم يتهمون، ومن لم يتقيد بما قيدهم به فهمهم الحصرمي، وتأويلاتهم الضيقة، وعقلياتهم الذرية التبسيطية، وفقههم المنحبس، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، فهو كافر أو بدعي أو مشرك، أو من الفرق الضالة، وما شئت من أحكام متعسفة جائرة، ممن حرم الحكمة ولم يحذر الآخرة.

ولا يجادل أحد في أن الاجتماع على الخير يشرف بشرف المكان الذي تم فيه. ولو خيرنا وخير المحاصرون أمثالنا بين الاجتماع على العلم والدراسة والذكر والمذاكرة في بيت الله وبين الاجتماع في بيت من بيوت المؤمنين لما كان لنا إلا أن نختار بيت الله على كل بيت وكل مكان. ولكن الدعوة الصادقة تستخلص اجتماعاتها ولقاءات أعضائها من بين فرث ودم، مثلما كان يجتمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع صحابته، في بدء دعوته قبل هجرته، في دار الأرقم بن أبي الأرقم، ويتنعم من يعجب الكفار نباته ولا يغيظهم زرعه في الدور والقصور والمساجد الضرار، همهم الذي ليس لهم هم غيره، “علم هو بالجهل أشبه، إذ يعمدون إلى الكتاب والسنة يستنطقونهما بذهنية لم تستكمل وسائل العلم، فهي تنظر إلى ماضي القرون الفاضلة النيرة بحنين ومحبة، حتى إذا دعوا لمواجهة الحاضر وتخطيط مستقبل الإسلام انكفأوا عن كآبة الحاضر وشره، وانغلق فهم التاريخ عليهم، فلعنوا، واستعاذوا بالله، وبرروا بلعناتهم الانزواء. وعلم هو الشر حين تكون النصوص سلاحا لتكفير المسلمين وتضليلهم” (عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص 212)، حسدا أن قعدوا وجاهد الرجال، وغفلوا وذكر الرجال، وعزف الناس  إلا جاهل أو حسود- عن الاجتماع بهم والانضمام إلى جماعتهم وإمامهم، إن كان لهم جماعة أصلا وإمام، وأقبل الناس على دعوة الله مجسدة في جماعات مؤمنة صادقة، وقيادات قوية أمينة يجمعها  وإن تفرقت بها سبل التعبير والتغيير- هم الله والاهتمام بأمور المسلمين ورفض إعطاء الدنية من الأنفس طوعا وكرها.

لسنا هنا في معرض الانتصار لدعوة البنا وجماعته، وإنما قصدنا من هذا الذي سطرناه  يعلم الله- أن نبين أن الدعوات والحركات والجماعات والجمعيات والمنظمات الإسلامية منذ البنا، رحمه الله، أبي الصحوة الإسلامية إلى اليوم، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، هم أحرص الناس على أخذ دينهم من كتاب ربهم وسنة نبيهم. لكن ما يميزهم من غيرهم هو كونهم يأخذون هذا الدين عن ذلك الكتاب المبين وسنة سيد المرسلين بعقل يستخير الله وبه يستجير، لا بعقل الأجير الحسير، وبإرادة جهادية مؤيدة بالفهم الصحيح لا بإرادة ذيلية للجهات الرسمية أو للجهات المترفة المغرورة أو المأجورة المأزورة بالأموال النفطية، والعلوم الكلامية الجدلية، والنيات الكليلة العليلة. أستغفر الله من تعميم لا يصيب الذين ظلموا منهم خاصة، بل قد يصيب علماء عاملين وأنصارا للسنة صادقين وقعوا في شراك الأنباء الفاسقة فأصابوا بجهالة. وقانا الله وإياهم الندم. أو توهموا أن النصوص لا تحتمل إلا فهمهم، وأن من خالفهم الرأي فقد ضل السعي. وقانا الله وإياهم آفة التعصب، وخلع علينا جلابيب الحكمة والرحمة والرفق واللين والتواضع وحسن الظن بالآخرين تحت ظلال شعار: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي الآخرين خطأ يحتمل الصواب”. وما احتمل الصواب فالتمس له سبعين عذرا، فإن لم تنسبه إلى محتمله إحسانا فلا أقل من أن تكف لسانك عن تخطئته حيطة وحذرا، نشدانا لعدل ليس بعد حقه إلا الضلال.

ورب عقول غلف وقلوب عمي، من ورائها ألسنة شداد وأقلام حداد تنعت بالبدعة والضلالة والشرك كل اجتهاد يحتمله النص ويجيزه الشرع ويدعو إليه الواقع وتستوجبه فضائل الأعمال، جلبا لمنفعة وتحقيقا لمصلحة فردية أو جماعية. تعودت الألسن الحداد والأقلام الشداد أن تنعت كل اجتهاد من هذا القبيل اعتسافا يفتقد الدليل، وزيغا عن سواء السبيل، وعودا بالأمة إلى طرقية هي الضلال المبين! ألا إن كتابي وكتابك القرآن، وسنتي وسنتك سنة المصطفى من ولد عدنان. ولكن بأي فهم أقرأ وتقرأ؟ وبأية إرادة أطبق وتطبق؟ بل بأية أذن تصغي وأصغي، وبأي قلب نعقل ونعي؟ هنا يكمن الاختلاف، والله يحكم بيننا في ما كنا فيه نختلف. فلا يجوز لأحد أن يعتلي منبر القضاء بغير حق وأن يصدر الأحكام جزافا، بل المطلوب صون الآخرة عن حصائد الألسنة التي ترمي بالذي لا يلقي لكلامه بالا سبعين خريفا في نار جهنم.

بل إن التصوف الذي تتحايل ما وسعتك الحيلة لتلبس خصمك تهم الانتساب إليه، ويتحايل الخصم ما وجد إلى ذلك سبيلا ألا يدرج في سلكه، وألا يلقى في سرب أهله، إن هو إلا علم من جملة العلوم. أخطأ الناس فيه وأصابوا مثلما أخطأ أصحاب كل علم في علمهم وأصابوا. بل علمهم أشرف علم، إذ يشرف العلم بشرف من ينسب إليه، وعلمهم هو العلم بالله، وهو ثمرة تقوى الله، وهو عطاء من لدن الله إلا أن تشوبه الشوائب، أو تحجب عن غير الباحث النزيه والمتبين الأمين والمنتسب الخبير رؤية حقائقه ورقائقه ودقائقه خيوط العناكب. ولا ينتفع من المصحوب إلا الصاحب، وإلا فالواصف غير المتصف، وليس كل منتقد ناقدا، ولا كل ماش قاصدا، ولا كل متواجد واجدا، ولا كل متعبد عابدا، ولا كل متزهد زاهدا. ولا ينبئك مثل خبير. فاتقن العمل فإن الناقد بصير.

فإن شهدت مع من شهد للصوفية بما لديهم من حق، فليس لأني منهم، وأنى لمقصر مثلي أن يجاهد جهادهم ويتقرب إلى الله بمثل ما تقربوا إليه به. وما ينبغي لي وما أستطيع. وإن استدرك على الصوفية المستدركون في واقع غير واقعهم، وبفهم غير فهمهم، وبإرادة غير إرادتهم، فليس معنى هذا أنه يتبرأ منهم. وهل يملك أن يتبرأ من أمثال حجة الإسلام أبي حامد، أو سلطان العلماء العز بن عبد السلام إلا مكابر أو معاند أو جاحد. وإنما لكل قوم هاد، وكما تتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان. تتغير أساليب الدعوة بتغير الزمان والمكان. وتبقى الغاية وجه الله والطريق اللاحبة سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والتلاوة والتزكية وتعلم الكتاب والحكمة هي السنة النبوية في التربية والتغيير والبناء، وإلا فهو الضلال المبين.

وأهيب بقراء هذا الكتاب / الشهادة، أن يرجعوا إلى كتاب قيم عنوانه “التربية الروحية بين الصوفيين والسلفيين” للدكتور محمد شيخاني الصادر عن دار قتيبة سنة (1416-1995)، ففيه من النصوص والأقوال والشهادات والتراجم والأخبار ما يشفي الغليل ويعين على إعطاء كل ذي حق حقه، وإنزال الناس منازلهم عسى يتبين متبين قبل أن نصيب قوما بجهالة فنصبح على ما فعلنا نادمين. أم أن الصخابين الطعانين اللعانين العيابين، من لهم سوق رائجة في عالم الكتب والأشرطة وما وراءها من أموال وأمامها من أهوال، قد أعماهم ما يحبون، وأصمهم ما يطلبون، فنسوا الله فأنساهم أنفسهم، فهم في غيهم يعمهون، صم بكم عمي فهم لا يرجعون.

حسن البنا الداعية الرباني بكلمة جامعة

لقد استحق حسن البنا، رحمه الله، بما قدمه بين يدي آخرته من علم وتربية وجهاد أن يندرج في سلك الدعاة الربانيين أهل التقوى والإحسان، يقول الدكتور عبد الله صالح علوان:

“لاشك أن الداعية الرباني حين يكون على هذا المستوى العظيم من التقوى والفهم والروحانية، وحين يتحلى بهذه القيم العالية من الإخلاص والصدق وحرارة الإيمان والدعوة، فإنه ينطلق في ميادين الدعوة والتبليغ والجهاد. ولو أردنا أن نستقصي أخبار هؤلاء الذين أثروا وأصلحوا وغيروا لرأيناهم أكثر من أن يحصوا، وأعظم من أن يستقصوا؛ بل إنهم كثير وكثير، كأمثال الإمام أحمد بن حنبل، والإمام الشافعي، والإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام الحسن البصري، والإمام الفضيل بن عياض، والإمام معروف الكرخي، والإمام الجنيد البغدادي، والإمام سعيد النورسي، والإمام حسن البنا. فهؤلاء الأئمة الربانيون هم الذين حملوا خلال العصور إمامة الدعوة، ورسالة الإصلاح، ومسؤولية الهداية؛ وهم الذين جمعوا بين العبادة والجهاد، ووفقوا بين حق الله وحق العباد، وهم الذين أعلنوا صوت الهدى والحق أمام المستبدين الظالمين، ووقفوا ببسالة فائقة أمام المستعمرين الغاشمين. وهم الذين جددوا بدعوتهم وصحبتهم ميثاق الإسلام، وأدخلوا الناس في السلم فقها وعملا بعد أن دخلوا فيه وراثة وعادة، وأذاقوا مريديهم وتلامذتهم حلاوة الإسلام ولذة الإيمان. وهم الذين أخرجوا أصنافا من البشرية من سلطان الهوى ورق الشهوات، واستحواذ حب الدنيا، إلى نور الحق وهدى الإسلام، ولذة الطاعة والمناجاة.” (د. عبد الله ناصح علوان، مجلة المجتمع، ع 680، ص 40-41).

يقول أحد تلامذة الشهيد البررة، الأستاذ عمر التلمساني، في شأن القائد القدوة الذي تطلبه الدعوة وفي ِشأن التربية الروحية أس البناء، وعمدة بقائه وارتقائه، في مقال بعنوان: “بين القيادة والجندية على طريق الدعوة” وهو يستحضر سيرة الشهيد ومسيرته القيادية الرائدة. قال، رحمه الله، يتحدث عن تجربته:

“على القيادة أن تولي الجانب التربوي، على كل المستويات، الاهتمام اللائق به. فالتربية هي الأساس في قوة البناء وتماسكه، وهي تعد الأجيال التي ترث الأمانة، وتتحمل الأعباء وتواصل العمل والتضحية والجهاد في جو من الأخوة والحب ودون مشاكل أو خلافات.” (مجلة الدعوة، ع 98، ص 9).

إلى أن يقول: “يجب أن تحترز القيادة من الاستغراق في الإداريات على حساب الجانب الدعوي والروحي الذي هو الأصل، وإلا تحول العمل إلى رسميات وشكليات لا روح فيها، وقد يحدث ذلك جفوة بين الأفراد العاملين، إذ أن الناحية الروحية هي التي تغذي جو الحب والتعاون.” (المرجع نفسه، ص 12).

ومثل هذا الكلام في قولة للشهيد سيد قطب، بعثها من وراء القضبان إلى شقيقته أمينة قطب بين يدي تنفيذ الحكم عليه بالإعدام من قبل قوى الظلم والظلام، مختزلا فيها تجربته الدعوية بكلمة جامعة رائعة، تؤكد أن القادة الربانيين، كانوا ولا يزالون وحدهم المؤهلين لتجديد الدين، بما خصهم الله به من طاقات روحية فائقة، أين منها الطاقات الفكرية التي يكتسبها المختصون العلوميون. يقول الشهيد:

“نحن في حاجة ملحة إلى المتخصصين في كل فرع من فروع المعارف الإنسانية، أولئك الذين يتخذون من معاملهم ومكاتبهم صوامع وأديرة، ويهبون حياتهم للفرع الذي تخصصوا فيه، لا بشعور التضحية فحسب، بل بشعور اللذة كذلك (…)

“ولكننا مع هذا يجب أن ندرك أن هؤلاء ليسوا هم الذين يوجهون الحياة، أو يختارون للبشرية الطريق.

“إن الرواد كانوا دائما، وسيكونون هم أصحاب الطاقات الروحية الفائقة. هؤلاء هم الذين يحملون الشعلة المقدسة التي تنصهر في حرارتها كل ذرات المعارف، وينكشف في ضوئها طريق الرحلة، مزود بكل هذه الجزئيات قوية بهذا الزاد، وهي تغذي السير نحو الهدف السامي البعيد.

“هؤلاء الرواد هم الذين يدركون ببصيرتهم تلك الوحدة الشاملة، المتعددة المظاهر في العلم، والفن، والعقيدة، والعمل، فلا يحقرون واحدا منها ولا يرفعونه فوق مستواه (…)

“إنهم قليلون. قليلون في تاريخ البشرية؛ بل نادرون، ولكن منهم الكفاية. فالقوة المشرفة على هذا الكون هي التي تصوغهم، وتبعث بهم في الوقت المقدر المطلوب.” (سيد قطب، رسالة إلى أختي المسلمة، ص 26-30).

ونختم الكلام عن ربانية حسن البنا والرعيل الأول من جماعة الإخوان المسلمين بمقتطف من مقدمة كتاب للدكتور يوسف القرضاوي، حفظه الله ورعاه، عن التربية الإسلامية ومدرسة حسن البنا بمناسبة مرور ثلاثين عاما على استشهاد الإمام. ولا ينبئك عن الرجل ومدرسته التربوية التجديدية مثل خبير عاشر الإمام وصحب الجيل الأول من الإخوان وذاق في رفقتهم حلاوة الإيمان، وظل وفيا لأيام المأثورات. حتى إذا ما جمع العلم من كل أطرافه، وحاز الجاه والحظوة لدى الناس، التفت إلى البناء المتشامخ على ذلك الأساس وقد زال طلاؤه أو كاد وامتدت إليه أيدي الأعداء والحصاد على حين غفلة من الأحفاد فكتب وأعاد، عن التربية الربانية أهم جوانب التربية وأشدها خطرا، وأعمقها أثرا. فكان مما كتبه سلسلة جديدة عنونها بالطريق إلى الله ضمنها خلاصات تجاربه ودروسه التي تلقاها في مدرسة البنا التي قال عنها في مقدمة كتابه المذكور أعلاه:

“ولست أكتب هذه الصحائف مؤرخا لحركة الإخوان ومبلغ تأثيرها في الحياة المصرية والعربية والإسلامية، فهذا جهد ينوء به فرد مهما تكن قدرته ووسائله. وإنما هو واجب الجماعة الذي فرطت فيه حتى اليوم، وإن كانت الضربات المتلاحقة التي أصابت الجماعة في العهود، تجعل لها بعض العذر لا كله.

“إنما أكتب هنا عن جانب واحد من جوانب هذه الحركة الضخمة؛ وهو: جانب التربية، كما فهمه الإخوان من الإسلام، وكما طبقوه.

“ولست أحاول هنا الاستقصاء والإحاطة، وإنما أكتفي بإبراز المعالم وإعطاء الملامح، التي تكفي لإيضاح فكرة الجماعة عن التربية، وجهودها في ممارستها، ونقلها إلى واقع حي يتمثل في بشر أحياء.

“ولا يخفى على دارس أو مراقب أن حركة الإخوان تمثل  في الدرجة الأولى- مدرسة نموذجية ناجحة للتربية الإسلامية الحق. وأن أهم ما حققته هو تكوين جيل مسلم جديد يفهم الإسلام فهما صحيحا، ويؤمن به إيمانا عميقا، ويعمل به في نفسه وأهله، ويجاهد لإعلاء كلمته، وتحكيم شريعته، وتوحيد أمته.

“وقد ساعد على هذا النجاح جملة عوامل:

1. إيمان لا يتزعزع بأن التربية هي الوسيلة الفذة لتغيير المجتمع وبناء الرجال، وتحقيق الآمال. وكان إمام الجماعة الشهيد حسن البنا يعلم أن طريق التربية بعيدة الشقة، طويلة المراحل، كثيرة المشاق، ولا يصبر على طولها ومتاعبها إلا القليل من الناس من أولي العزم. ولكنه كان يعلم كذلك علم اليقين، أنها وحدها الطريق الموصلة لا طريق غيرها، فلا بديل لها، ولا غنى عنها. وهي الطريق التي سلكها النبي، صلى الله عليه وسلم، فكون بها الجيل الرباني النموذجي الذي لم تر عين الدنيا مثله، والذي تولى بعد ذلك تربية الشعوب وقيادتها إلى الحق والخير.

2. منهاج التربية محدد الأهداف، واضح الخطوات، معلوم المصادر، متكامل الجوانب، متنوع الأساليب، قائم على فلسفة بينة المفاهيم، مستمدة من الإسلام دون سواه.

3. جو جماعي إيجابي هيأته الجماعة، من شأنه أن يعين كل أخ مسلم على أن يحيى حياة إسلامية عن طريق الإيحاء والقدوة والمشاركة الوجدانية والعلمية. والمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، ضعيف بمفرده، قوي بجماعته. فالجماعة قوة على الخير والطاعة، وعصمة من الشر والمعصية. “وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية”.

4. قائد مرب بفطرته، وبثقافته، وبخبرته. وهبه الله شحنة إيمانية نفسية غير معتادة، أثرت في قلوب من اتصل به، وأفاض من قلبه على قلوب من حوله، وكان أشبه بـ “المولد” أو “الدينامو” الذي ملأ منه الآخرون “بطاريات” قلوبهم. والكلام إذا خرج من القلب دخل القلوب بغير استئذان، وإذا خرج من اللسان لم يجاوز الآذان. فصاحب القلب الحي هو الذي يؤثر في مستمعيه ومريديه. أما صاحب القلب الميت فلا يستطيع أن يحيي قلب غيره، ففاقد الشيء لا يعطيه، وليست النائحة كالثكلى.

5. عدد من المربين المخلصين، الأقوياء الأمناء، آمنوا بطريقة القائد، ونسجوا على منواله، وأثروا في تلاميذهم، ثم أصبح هؤلاء أساتذة لمن بعدهم … وهكذا.

“ولست أعني بالمربين هنا خريجي المعاهد العليا للتربية، أو حملة الماجستير والدكتوراه فيها. وإنما أعني أناسا ذوي “شحنة” عالية من الإيمان، وقوة الروح، وصفاء النفس، وصلابة الإرادة، وسعة العاطفة، والقدرة على التأثير في الآخرين … وربما كان أحد هؤلاء مهندسا أو موظفا بسيطا أو تاجرا أو عاملا، ممن لا علاقة به بدراسة أصول التربية أو مناهجها.

6. وسائل مرنة متنوعة، بعضها فردي، وبعضها جماعي، بعضها نظري، وبعضها عملي، بعضها عقلي، وبعضها عاطفي، بعضها إيجابي، وبعضها سلبي، من دروس إلى خطب، إلى محاضرات، إلى ندوات، إلى أحاديث فردية، ومن شعارات تحفظ، إلى هتافات تدوي، إلى أناشيد تؤثر بكلماتها ولحنها ونغمها. ومن لقاءات دورية لمجموعات مختارة في البيوت على القراءة والثقافة والعبادة والأخوة. سميت مجموعة منها “أسرة” إيحاء بمعنى الألفة والمودة بين أبناء العائلة الواحدة، إلى لقاءات أخرى في شعبة الجماعة غالبا، موعدها الليل، تتجدد فيها العقول بالثقافة، والقلوب بالعبادة، والأجسام بالرياضة. وسميت هذه “الكتيبة” إيحاء بمعنى الجهاد، إلى غير ذلك من الوسائل والطرائق التي تهدف إلى بناء الإنسان المسلم المتكامل.” (د. يوسف القرضاوي، التربية الإسلامية ومدرسة حسن البنا، ص 3-6).

تلكم كانت مذكرات من الرجل، وخلاصات عن فكرته، دالة على أنه كان إلى الله وبه ومعه وله، فكتب لدعوته الاستمرار، وكتب لها في القلوب وأرجاء الأرض القبول.

إنها صفحات على قلتها وقصورها وتقصيرها في الإحاطة بحياة من أبلى شبابه في طاعة الله، وأفنى عمره في الجهاد في سبيل الله، فهي شاهدة على رجل عاش طاهرا ومات طاهرا، وعلم بحياته وربى بموته رجالا وأجيالا صنعوا الحياة كما صنعوا الموت. شهادة بين يدي من يحمل عنهم قصب السبق، ويواصل مشوار البناء ليصنع التاريخ، ويعيد للأمة سابق عزها الذي افتقدته منذ حل العض محل الرشد، وانتقضت بحلوله عرا الإسلام عروة عروة من الحكم بما أنزل الله إلى الصلاة.

ولئن كانت هذه الصفحات بغير حاجة إلى التعليق لما فيها من أفكار واضحة، ومواقف صريحة، ومعاني ناصحة، وكلمات ناطقة معبرة عن روحانية الصديقين وطهارة الشهداء، وطاعة الصالحين، ناضحة راشحة، فإننا لا نعدم بيننا من يقرأها بعين كليلة، وعقلية عليلة، وقلوب بالغل مغلولة. هذا إن وجدت من يقرأها، وإلا فآفتنا القادحة أننا لا نقرأ، ونحكم قبل أن نتبين.

كما لا نعدم بين ظهرانينا من يقرأها قراءة نوعية تسبر غورها، وتكشف سرها، وتمكن أصحاب الحويصلات الضيقة من جواهرها المكنونة وكنوزها الدفينة.