لا يخفى على أحد، ما أصاب كثيرا من الناس، وحتى الإسلاميين منهم، من يأس وإحباط نظرا لطول أمد الاستبداد، وضعف التصديق بموعود الله وموعود رسوله صلى الله عليه وسلم. وما تمر به أمة الإسلام اليوم من اشتداد الكربة، والتباس السبل، وتآمر قوى الشر على المؤمنين. مرحلة عصيبة، تُوجّه فيها ضربات متلاحقة إلى الصحوة الإسلامية، بغية إطفاء نور الإسلام، وإجهاض يقظته.

ومن المعلوم أيضا أن القوى المعادية للإسلام تشوه وتضع في قفص الإتهام العلماء العاملين والدعاة الصادقين، والإسلاميين بصفة عامة؛ مستعملة جميع وسائل التعتيم الإعلامي، وملفّقة كل أنواع التُّهم؛ تسترهب بذلك النفوس الضعيفة، وتشتري الضمائر الخربة. هدف هذه الحملات الشرسة المعلنة على الإسلامين تيئيسهم من الأمل في غد مشرق، ومستقبل أفضل، وصبح قريب.

فتكاد تغلب في هذه المرحلة عوامل اليأس، ومشاعر الإحباط؛ علما بأن هذا الشعور إذا استولى على النفوس، واستسلمت له، ضعّف فيها الهمم، وخدّر العزائم، ونشر التخاذل، ودمّر الإرادات، وأشاع اللامبالاة. لذا كان لزاما أن نبحث عن أسباب النهوض، ومقومات الإرتقاء، وسُبل القومة، بحيث نستطيع مواجهة هذه الحرب النفسية الشعواء. وذلك ببث الثقة بموعود الله عز وجل وموعود رسوله صلى الله عليه وسلم، وإفشاء البشرى بانتصار الإسلام، وإحياء الأمل في مستقبل رسالته الخاتمة، ودعوته المحفوظة بأمر الله.

أضف إلى ذلك، أن كثيرا من الدعاة والخطباء، لا تخلو جل خُطبهم ومواعظهم من أحاديث الفتن وأشراط الساعة. وتفسر هذه الأحاديث تفسيرا خاطئا، مما يوحي بأن الإسلام في انحدار دائم، وأنه لا يأتي على الناس زمان إلا وما يأتي بعده شر منه. وهذا من شأنه أن يُخيّب الرجاء في التغيير المنشود، ويحطّم الدوافع لإحقاق الحق وإبطال الباطل، ويحبط البواعث لتحقيق العدل وإقامة مجتمع التراحم والعمران الأخوي.

في حين تغفل المبشرات الكثيرة، الصريحة الصحيحة، والقاطعة الناصعة، التي تؤكد بأن النصر لهذا الدين وأن هذه الأمة موعودة بالسناء والرفعة والتمكين في الأرض، وأنها كالمطر لا يُدرى أوله خير أم آخره. ومن المبشرات التي تبين كرامة هذه الأمة على ربها عز وجل، قوله عز من قائل : ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، ذلك هو الفوز الكبير، جنات عدن يدخلونها، يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا، ولباسهم فيها حرير، وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور، الذي أحلنا دار المقامة من فضله، لا يمسنا فيها نصب، ولا يمسنا فيها لغوب ﴾

هذه الآيات من جملة ما ميز الله به أمة الإسلام على سائر الأمم، ببركة انتمائها إلى أفضل أنبيائه وأشرف رسله، وأحب خلقه إليه، وأكرمهم عليه، وأعظمهم منزلة ومكانة لديه. وذلك بتوريثها الكتاب الذي جعله الله مسك الختام لكتبه، وجعله المصدق لها والمهيمن عليها، وحجته على العالمين.

لقدخص الله هذه الأمة بكتابه العظيم، منّة منه وعطاء وتفضلا، دون طلب سابق وبدون مقابل، وبلا كد ولا نصب. وأورثنا هنا، دون أعطينا، لما في معنى الإراثة من إشارة إلى استمرارية هذا الدين وهذا الميراث بين جميع أفراد الأمة عصرا بعد عصر، وجيلا بعد جيل، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

منّة عُظمى، ومسؤولية كبرى، وإرث ثمين، من أخذ به فقد أخذ بحظ وافر.

ثم ثنى الله عز وجل ببشارة الاصطفاء و سماهم عباده : ﴿ الذين اصطفينا من عبادنا ﴾، وهذا دليل على فضل هذه الأمة، لأن الإصطفاء افتعال من صفوة الشيء وخياره. وشرف عظيم كذلك، أن يحظى الإنسان بأن يسميه الله عبده، ويرضاه أن يكون له عبدا. ثم زادهم شرفا على شرف حين أضافهم إلى جنابه الأقدس، وهذا ما أشار إليه القاضي عياض رحمه الله في بيتيه المشهورين :

ومما زادنـي شرفـا وتيهـا وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا

ثم قسم الله هذه الأمة إلى ثلاثة أقسام : إلى ظالم لنفسه، وإلى مقتصد، وإلى سابق؛ ثم أخبر أنهم جميعا يدخلون الجنة : ﴿ جنات عدن يدخلونها ﴾. روى أسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم

قرأ هذه الاية ثم قال : « سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له » .

قال ابن جرير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : إن هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة، ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا، وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول الله عز وجل : ما هؤلاء ؟ وهو أعلم تبارك وتعالى، فتقول الملائكة : هؤلاء جاءوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا بك شيئا. فيقول الرب عز وجل : أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي، وتلا عبد الله بن مسعد رضي الله عنه الآية.

وفي هذا بشارة عظيمة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، لكل من مات منهم على الإيمان، وتوفاه الله على الإسلام، وشهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، أن يدخله الله جنته، إن لم يكن من السابقين فمن اللاحقين.

قال محمد بن الحنفية رضي الله عنه : إنها أمة مرحومة، الظالم مغفور له، والمقتصد في الجنان عند الله، والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله. وهذا مصداق الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي موسى رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم : « أمتي أمة مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة. عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل ».

هذه المبشرات ينبغي أن نعتز بها، ونفرح بفضل الله علينا، لكن لا نتخذها سلوة وذريعة للاسترخاء. بل يجب أن تحملنا على الإسراع إلى المبادرة والعطاء، وبذل قصارى الجهد في تحصيل أسباب القوة لتغيير ما بأمتنا من ظلم واستبداد واستعمار وبأس شديد بين أبنائها وفرقة وعداوة، وبالتالي إقامة مجتمع العدل والكرامة والخلافة على منهاج النبوة.

1- سورة فاطر الآية : 32- 33- 34- 35.

2- رواه ابن مردويه، والبيهقي في البعث عن ابن عمر ورمز له السيوطي بالحسن.