دروس وعظات

القارئ الذي نريد

أشرنا في مقدمات هذا الكتاب أن للقراءة دورا مهما بل حاسما في إنزال المقروء منزلته، وتقديره قدره، وإعطائه البعد المراد الذي إليه قصد الكاتب وإياه أراد. وصنفنا القارئ أصنافا، صنف المستحيي القاعد، وصنف المستغني المعرض، وصنف المستعدي المغرض. وميزنا منهم صنفين: الأول هو القارئ الذي إليه نقصد، وهو القارئ الضحية الذي يقرأ بعيون غيرية أو بعقلية حصرمية. وأما الثاني فهو القارئ الأمنية الذي يتناول المقروء بعين غير تقبلية ولا مرآوية انعكاسية، بل بعين ناقدة نافذة تبحث في المقروء عن ضالتها من المتعة والفائدة، ومن خلال المقروء عن طلبتها من الدروس والعظات التي شأنها أن تغير ما بالنفس، حملا لها على اقتحام العقبات، ومواجهة التحديات، ونشدانا للإحسان وهو أعلى المقامات  أستغفر الله- بل طلب لوجه الله الذي بذكره تطمئن القلوب، وبحمده تتم الصالحات.

وإليك قراءات في سيرة الرجل ومسيرته، وفكرته وجماعته بعيون نحسبها، إن شاء الله، منصفة، همها أن تبحث في المقروء عن الحق والحقيقة، وأن تنسج على منوال الرجل وتسلك طريقه، إذ كان ممن سلك السبيل القويم واستقام على الطريقة.

وهكذا تصبح القراءة إبداعا قد يجعل من المقروء محطة إقلاع نحو آفاق أرحب وأوسع، وأعلى وأرفع، من الاستفادة والاستمتاع.

حتى لا يضيع الدرس من بناء الإمام وجماعته بين جهل الجاهلين وتأويل المؤولين

يعلق الأستاذ عبد السلام ياسين على هذه الصفحات المشرقة من عمر الرجل وفكره وحركته التجديدية التربوية الجهادية بقوله: “كان (يعني الأستاذ البنا) صوفيا صحب الرجال وبايع الشيخ وتتلمذ للذاكرين وسافر مع الذاكرين وزار أضرحة الأولياء، وجالس المؤمنين، وحظي بدعوات الصالحين، وفصل كل ذلك في مذكراته.

“وكان بعدئذ مربيا صوفيا وضع لجماعته مأثورات يتلونها وظيفة في مجالس الذكر، واتخذ لهم وردا. وألح في كل مناسبة على الرابطة الروحية بين أعضاء الجماعة. وهذا ما لا يكاد يدركه حتى أصحاب البنا أنفسهم، لأن من رفقه، رحمه الله، ومن حسن اجتهاده أنه كان يعرف جماعته بأنها جماعة إسلامية ثقافية رياضية وما يشبه هذا من ضروب النشاط، ويجعل النعت الصوفي واحدا من نعوتها من بين صفات أخرى يفهمها الناس بلغة العصر على أنها حركة وجهاد وعلم ونشاط ومشاركة في الحياة العامة.

“كان من رفقه، رحمه الله، ومن حسن اجتهاده أنه تنصل من جل المصطلحات الصوفية، ليتجنب مواطن الغلط في ذهن أصحابه ومريديه الذين لا يعرفون من الصوفية إلا تكايا الانعزال، وحرفة أصحاب الأسمال.

“ورجع، رحمه الله، للكتاب والسنة، فيما يخطب ويكتب، ليتكلم بلغة جهادية هي لغة القرآن، طاويا تاريخ الإيمان والإحسان في زمن الفتنة الذي أصبح الصوفية أثناءه  القاعدون منهم- يتحدثون بلغة المناقب، وتأمل كرامات السابقين، يكتبها اللاحقون بغير دراية، فتفوتهم العبرة في حياة الأولياء من حيث تزكيتهم لأنفسهم وطلبهم لربهم بالفرض والنفل والاستقامة على الطريقة.” (ذ. عبد السلام ياسين، الإسلام غدا، ص 449-450).

ثم يقول: “ودعا الأستاذ البنا بعد هذا لالتقاء العلماء والواعظين بالصوفية، ليبحثوا عن منهاج ليردوا الأمة إلى سواء السبيل، وتفاءل خيرا. لكن من يسميهم بعض الناظرين “صوفية الحقائق” هؤلاء الذين يتكلمون الكلام المعمي، ويدخلون الشك في عقائد المسلمين، لا تزال لهم سوق رائجة كما للمحترفين في الأدعياء، أولئك بضاعتهم الاسم والشارة والسبحة والعمامة، وكل يسبحون في فلك الكسل والجهل والمرض المزمن في هذه الأمة، مرض حب الرئاسة والظهور.

“وكأني بمن يقرأ مذكرات البنا وأخباره عن زمان إرادته وسلوكه الصوفي، يعتقد أنه يقرأ تاريخا طواه البنا يوم قام للدعوة. وإنك لتقرأ ما كتبه الإخوان المسلمون في مجلاتهم وكتبهم فلا تقرأ عن الصوفية إلا أحكاما سلبية تنبئ عن إغفال روحانية البنا ومصدرها ومصرفها في النظام التربوي للإخوان.” (الإسلام غدا، ص 451-452).

وقد أفاد الشهيد، رحمه الله، من تجربة الصوفية كثيرا من الأساليب التربوية الفعالة التي ضمنها نظامه التربوي، معبرا عنها بلفظ غير اللفظ، وهادفا إلى تحقيق معاني أسمى مرتبة وأبعد مرمى.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “كان يبدأ بمبايعة تتضمن قراءة الأوراد والوظيفة إلى جانب الشروط الجهادية العامة. بعد نحو عشر سنوات من قيام الدعوة نشر البنا منهاجا يلخص ما كان فصله في رسالة التعاليم. يقول: الواجبات العشر: 1. حمل شارتنا، 2. حفظ عقيدتنا، 3. قراءة وظيفتنا، 4. حضور جلستنا، 5. إجابة دعوتنا، 6. سماع وصيتنا، 7. كتمان سريرتنا، 8. صيانة وصيتنا، 9. صحبة إخوتنا، 10. دوام صلتنا. وكل هذه الواجبات يجمعها مفهوم الصحبة والجماعة، وهي تفصل شروط الصحبة والجماعة. فترى كيف ذهبت مصطلحات الصوفية في التعبير عن آداب المريد من الشيخ والفقراء. وحل محلها تعليم أكثر تفتحا على الحياة العامة، وأكثر جمعا لمعاني المحبة والنصيحة والتضامن والولاء الجماعي.

” (…) لاشك أن ما بناه الشاب المجاهد وما أصابه من نجاح وتوفيق كان كفاء لصدق الروحانية، وكفاء لعمل الليل والنهار، وكفاء للمحبة التي وصلت قلب مؤمن زكي بقلوب مساكين كانوا يعملون في بحر الظلمات قبل أن يرتفع لهم نور الهداية في طلعة البنا” (المرجع السابق، ص 456-455).

إنها كلمات شاهدة بالحق إنصافا من رجل قرأ المذكرات قراءة متفحصة وأمينة، وقراءة تحليلية عميقة، وقفت بنا على مشرب البنا، رحمه الله، الصوفي الذي كان وكانت فكرته نسخة من نماذج أهل الله ودعواتهم منقحة من الانزوائية والانعزال، ومزيدة بالجهاد في سبيل الله، منطلقها ومقصدها طلب وجه الله على شرعة الله ومنهاج رسول الله لإعلاء كلمة الله في إطار عمل جماعي منظم ومدعم برباط روحي محكم أساسه المحبة.

والمحبة هي أًل شجرة الإيمان الثابت، وإلا فهو المنبت، لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. يقول الأستاذ حسان حتحوت متحدثا عن هذا المعنى عند الشهيد حسن البنا: “وكان من الاصطلاحات الشائعة جدا على ألسنة أتباعه” المهم: الحب في الله”. وكان يردد في درسوه: “سنقاتل الناس بالحب”، بل كانت البيعة التي صاغها لهم أن يعاهدوا الله على الاستقامة والمحبة والثبات على الدعوة” (من مقال حول حسن البنا، حسان حتحوت، مجلة الأمة، العدد 55، ص 28).

هذه المحبة أو الصحبة بين الأستاذ وتلامذته المعززة بذكر الله اجتماعا عليه وانجماعا، هي كانت روح العمل، وكانت الجماعة جسده، وكانت الأصول العشرون عقله الضابط، والرسائل والوصايا في التعليم. ويبقى السؤال الجوهري والجهوري في الآن ذاته، هل يملك جسد بلا روح أن ينمو، وعقل بلا روح أن يضبط، وجوارح بلا روح أن تنشط وتنفذ؟ إلا أن يكون هذا النمو اصطناعيا لا طبيعيا، ما يلبث أن يصبح انتفاخا ورميا وزبدا رابيا، ويكون هذا الضبط استجابة اضطرارية أو إكراهية أو مصلحية نفعية، بعيدا عن رقابة الله وخشيته. ويكون هذا النشاط حركة جوفاء وجعجعة بلا طحن، وتعبا ونصبا بلا طائل.

عودة إلى العنوان من جديد

والذي نأسف له أشد الأسف أن “مذكرات” البنا ورسائله قرئت قراءات أفقية سطحية أو انتقائية جزئية، بعقلية تأويلية أو تبريرية مصانعة لم تنفذ منها إلى بيت القصيد، أو ذهبت بها مذهبا آخر غير ما كان يروم الشهيد وغير ما كان يريد. فإذا كان الأعداء، من داخل مصر وخارجها، قد عملوا وسعهم على التشويش على دعوة الشهيد والتحريش ضدها بمكر الليل والنهار، فإن حساده كانوا، عن وعي منهم أو عن غير وعي، عونا لأولئك الأعداء على الشهيد، إن بشيطنة خرساء، أو بكذب وافتراء، أو بعداء واستعداء.

والمطالع في بعض الصحف والمجلات والكتب المسطرة بأقلام هؤلاء المكرة الحاسدين، أو ما نقل عنها في مذكرات الشهيد، رحمه الله، وبعض كتب الإخوان ومجلاتهم، سيلفي نفسه أمام ما يحز في النفس من نسل هذا الحسد الذي لا يحد، وسيف هذا الحقد الذي لا يغمد، وسيل هذا العداء الحالق الذي لا يرد، ولا ينفع معه رد.

يقول الدكتور توفيق علوان، مبينا كيف واجهت جماعة الإخوان المسلمين إشاعات المغرضين، بإيعاز من مرشدها الذي دعاهم إلى:

“الإعراض عن تفاهات مبشري الفتنة ومروجي التخاذل، والإعراض عن دعاويهم وأوهامهم، والانصراف إلى ما هو أنفع للإسلام وأجدى لنصرة الرسالة، وباختصار اعتماد سبيل المواجهة العملية، لا المواجهة الكلامية فحسب (…) بل إنه (يعني حسن البنا رحمه الله) حذر أشد التحذير من استفراغ الجهد والطاقة في تتبع المشاغبات التي يلجأ لها هؤلاء، إذ هم في شغل عظيم بوضع العراقيل، وإثارة الفتن. كأن شغلهم الشاغل هو إيقاف مسيرة الجماعة، دون أي تبرير أو سبب لكل ما يصنعون. بل ربما لجأوا لألد أعداء الإسلام يستنصرونهم على فعلهم الأثيم.

“فأنت إن شئت إقناعهم، أو مقارعتهم، فأنت تحرث في الماء، وتستنبت البذور في الهواء. فإن كنت جادا في السعي لنشر رسالتك، ماض لا تردد لأمر ربك، كان عليك ألا تضيع الوقت فيما لا طائل وراءه، بل اغتنمه واقتنصه فيما هو نافع مجد على الهدف الأصلي.

“يقول الإمام في مذكراته: “تتعرض الدعوات في سيرها إلى كثير من الإشاعات والأكاذيب يطلقها المغرضون الذين امتلأت قلوبهم بالحسد والغيرة من العاملين للإسلام. فلا بد من اعتماد قاعدة مهمة في سير الدعوة العملي، وهي أن الإشاعة والأكاذيب لا يقضي عليها بالرد أو بإشاعة مثلها، ولكن يقضى عليها بعمل إيجابي نافع يستلفت الأنظار ويستنطق الألسنة بالقول، فتحل الإشاعة الجديدة وهي حق، محل الإشاعة القديمة وهي باطل”.” (د. توفيق علوان، نجم الدعاة حسن البنا، ص 121-122).

من هنا كان شق عنوان هذا الكتاب “حسن البنا بين ظلم حساده”.

وأما أبناء حسن البنا، وهم من صحبوه، وعنه أخذوا، وفي حجر تربيته تلقوا دفء المحبة، ورضعوا لبان العلم النافع المنشئ للعمل الصالح، وتنسموا عبير اليقين في النبأ العظيم، وسمعوا صوت الحق الدال على الصراط المستقيم، فقد تدثروا بنعمة تلك الصحبة المباركة وحدهم، وشربوا كؤوسها خفيفة حلوة، حتى ارتووا وطعموا منها وانتشروا يسعون بنورها ويفيضون، وهي جارية في عروقهم جريان الماء في الجداول والكهرباء في الأسلاك. لكن من أتوا بعدهم سهوا  وهم معذورون على كل حال- عن هذه الصحبة الربانية، وروحانية بداية التأسيس، والأجيال الأولى البانية، بعد أن اضطرهم سيف الحاسدين والجاحدين المصلت فوق رقابهم أن يداروا التيار ويصانعوه. ومع مرور الأيام، ومع بعد العهد بين الأجيال اللاحقة وأهل الحظ من الله والغناء والسابقة، أضحت المداراة مجاراة، والمصانعة صناعة، حيث بدأنا نسمع محاضرات ودروسا وندوات تدعو إلى محاربة الأولياء واستباحة حرمهم، وتتخذ أخبارهم  أعني منها الصادقة الموثقة التي يحتملها الشرع- هزوا، وتحمل الأموات منهم تبعات ما فعله الأحياء، فتضع الكل في سلة واحدة من التكفير والتفسيق والتشهير. كما بدأنا نقرأ كتبا ومقالات لقادة من أعلام العلم والفكر والأدب فلا نكاد نجد فيها ذكرا لله والغيب والآخرة، حتى إنك لا تستطيع أن تميز الإسلامي منها من غيره إلا بعد معرفة اسم الكاتب، أو عنوان المجلة أو الجريدة التي فيها كتب. بل إننا لنرى في كثير من برامج الدعوة والتربية قلة الاعتناء بالجانب الإيماني الإحساني، الروحاني الغيبي الرباني، وأثره في الاستقامة والدعوة والنصيحة والجهاد.

يقول الأستاذ عبد العزيز بن ناصر الجليل في هذا المعنى: “فالمتأمل اليوم في مناهج التربية والتعليم يلاحظ القصور في هذا الجانب، وإذا وجد الاهتمام فهو قليل بالنسبة إلى الجوانب الأخرى. بل وصل الأمر عند بعض الموجهين في الدعوة إلى الاستهانة بهذا الجانب العظيم. وصرنا نسمع من يقلل من أهمية الكتاب أو المحاضرة أو الدرس الذي يركز على جانب التذكير والوعظ. فيقول: هذا كتاب وعظي، أو هذا درس يغلب عليه الوعظ، أو هذا مقال عاطفي … إلخ. والمتأمل في كتاب الله، عز وجل، وأحاديث الرسول، صلى الله عليه وسلم، يرى جانب الوعظ والربط بالآخرة والثواب والعقاب واضحا فيهما، أشد الوضوح”. (عبد العزيز بن ناصر الجليل، قل هو نبأ عظيم، ص 17).

وهكذا اضطرت معاول الضغط المعنوي لفكر “الفرقة الناجية”، وعواصفه الصيفية، وغيرها من عوامل التعرية، الأجيال اللاحقة إلى التعامل بنوع من التقية مع نحلة الفهم السائد، والفقه الغالب، جنبتهم كثيرا من غوائل الجدال والتهارج القتال  وتلك حكمة مطلوبة- لكن زكاة هذه التقية، بل ضريبتها، إنما أداها أبناء الصحوة الإسلامية الذين، بعد أن طال الأمد بينهم وبين دعوة الجد الشهيد، رحمه الله، ألفوا أنفسهم أمام تحليلات مختلفة، وتعليلات متباينة، وتأويلات متضاربة، غاب معها وضوح الهدف ووحدة التصور حتى تعالت وسط الأمة صيحات، وسودت على صفحات “الأمة” (إشارة إلى الباب الذي فتحته مجلة “الأمة” على مصراعيه أمام أقلام المفكرين الإسلاميين تحت عنوان: أين الخلل؟) مقالات تتساءل، لا تمل من الترديد: أين الخلل وما العمل؟ من نحن وماذا نريد؟

وجزى الله خيرا الدكتور مازن فزوخ الذي أعد كتيب “ثوابت العمل الإسلامي عند الإمام الشهيد حسن البنا” مقدما له بكلمات، ومضمنا إياه، من كلام الشهيد، جملة من الأصول والرسائل والمذكرات، دالة على أن الرجل لم يكتب له القبول في ميدان الدعوة وقلوب الدعاة، إلا لأنه صحب وذكر، وجمع على الله قلب من هاجر وقلب من نصر، فربى وعلم وجاهد وغير.

يقول: “فقد انتشرت الكتب الإسلامية الفكرية الحركية والدعوية في الأٍسواق وفي أيدي الناس، وكثرت، بالتالي، الآراء المطروحة حول المنهج السليم للعمل الإسلامي، ونسبت بعض تلك الآراء  عن حسن قصد- إلى الإمام الشهيد حسن البنا، مما أدى إلى حدوث بعض الالتباس عند بعض شباب الحركة الإسلامية، حتى إن بعضهم أخذ يحاكم قيادته إلى تلك الآراء، ويرى عدم تطبيقها انحرافا عن منهج الحركة الإسلامية الأًيل، فكان لابد، بالتالي، من أن تقوم الحركة ببذل بعض الجهد في محاولة إخراج فكر الإمام الشهيد لأبنائها مجردا من الاجتهادات الشخصية والآراء الفردية، فكانت هذه الدراسة حول ثوابت العمل الإسلامي عند الإمام حسن البنا.

“إن المادة التي تحتويها هذه الدراسة ليست جديدة، وإنما هي خلاصة فكر الإمام الشهيد مقتبسة من مذكراته ورسائله وما نقله عنه ودونه بعض الإخوان القريبين منه.” (ثوابت العمل الإسلامي عند الإمام الشهيد حسن البنا، إعداد الدكتور مازن فروخ، ص 5-6).

وأهيب بالقارئ الكريم أن يعود إلى الكتاب، ففيه ما يشفي الغليل، ويقف بك على آراء الإمام في مختلف القضايا والمسائل بأمانة ودقة دون تأويل أو تبديل أو زيادة أو نقصان. من هنا جاءت فكرة الشق الثاني من العنوان “وسهو أحفاده”.

وبعد، فأي قارئ نريد؟ وكيف نعتبر ونستفيد؟

رحم الله حسن البنا، ورحمنا بذكره، ونفعنا بعلمه، وجعلنا على أثره وقدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم وأحبابه، لنكون على شرعة الله ومنهاج نبيه. ورد الله كيد أعدائه في نحورهم، وجعل تدميرهم في تدبيرهم، ونبه حساده وحساد جماعته إلى صفاء القلب وفضيلة العدل والإنصاف، والتبين والاستيضاح، والشهادة بالقسط وعدم غمط الناس حقوقهم، وبخسهم أشياءهم، والنظر إليهم بأعين الأعداء أو استعداء الظالمين عليهم بالمكر والدهاء “ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله” (فاطر، 43) “ومكر أولئك هو يبور” (فاطر، 10).

وهدى الله أحفاد الشهيد للعودة إلى كتبه وسيرته، ومذكراته وأقواله ورسائله، للتعرف على شخصيته عن قرب، ومعاينة فكرته عن كثب. وليتبين لهم أن الدعوة إلى الله تربية وعلم وجهاد، وأنها نسبة قلبية إلى أهل الله المؤمنين المتقين المبشرين الذاكرين وسط الغافلين، القائمين وسط النائمين، الصائمين وسط المتخمين، المجاهدين وسط القاعدين، الصادعين بالحق وسط الشياطين الخرس الصامتين، الرجال المحسنين الذين سبقت لهم من الله الحسنى فاستيقظوا، وإلى الله عادوا، ثم أحسنوا فنالوا الحسنى وزيادة، وتابوا واستغفروا، وذلوا لله وانكسروا، واعترفوا بذنوبهم وأقروا، واضطروا إلى الله وفروا، وسارعوا إليه وبادروا، ثم عبدوا الله بالفرض والنفل تقربا، وجاهدوا أنفسهم حملا لها على ما تكره من ترك فضول الكلام ابتغاء البهاء، وعن فضول المزاح ابتغاء الهيبة، وعن الاشتغال بعيوب الغير ابتغاء إصلاح عيوب النفس، وعن حب الدنيا ابتغاء حب الآخرة، وعن التجسس في كيفية الله تعالى ابتغاء البراءة من النفاق، كما قال الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه.

إننا نريد من قراء هذه الشهادات عن الإمام ومنه، أن يقرأوها بعيون قلوبهم لا بشحمة أبصارهم، لكي توقد في جنانهم وسنان الإيمان، وتوقد في جنوبهم جذوة الإحسان، علنا نهب ملتاعين، علنا نخرج إلى صعدات العمل المضني الشاق على النفس نجأر خائفين طامعين، سائلين الله أن يقيض لنا مثلما قيض الله حسنا البنا للإخوان المسلمين حسن البناء الخبير المنيب، الصادق الذاكر المنعم عليه، الجليس الصالح، الخليل الفالح، الرفيق الناصح، الدليل المنهض، العالم العامل المجاهد.

ويا سعادة من بحث فوجد، وزرع فحصد، وعرف ما قصد فهان عليه ما وجد، وإلا فإن كنت عالما مستغنيا، ووليا سويا، فالكلام مع غيرك من الفقراء المحتاجين إلى من يأخذ بأيديهم إلى الله، ومن مات ولم يفز بالله فلا نهاية لحسرته.

لو استقبلت من أمري ما استدبرت

وإذا كان حسن البنا قد قال في آخر أيام حياته قولته المشهورة: “لو استقبلت من أمري ما استدبرت لرجعت بالإخوان المسلمين إلى أيام المأثورات”، فلأنه علم علم يقين أن “المترفين أصحاب المنصب والثروات لا يتحركون إلا في آخر الركب، ويلتمسون مع ذلك الصدارة والرئاسة، ويفسدون العمل الصالح بنياتهم المترفة (…).

“كان أتباع البنا الأول من المساكين، من العمال والفلاحين، يبدأون بتواضع تلمذتهم للشيخ، يتعلمون الوضوء والصلاة يجمعون القروش ليبنوا لله بيتا. ولقد كاد البيت يكون أمة منبعثة لولا أن هب مترفو الفكر والمال والجاه يجرون خلف الزعيم الناجح، ويرهقون جهاده. وكان رجل دعوة ليس له أن يستعمل وازع السلطان، ليعيد تربية المترفين (…) وكانت المطالبة السياسية بديل الأسف عن تلك التربية المتكاملة التي أنِشأها مجدد هذا القرن (الرابع عشر) وإمامه، رضي الله عنه، وجازاه عن المسلمين خيرا (…).

“ولا يزال عمل البنا وأصحابه خميرة ونموذجا عمليا يصرخ فينا أن الإسلام الفكري إسلام مبتور، وأن ذكر الله وصحبة أهل الله هي المنهاج، إن أقامها العلم على منهاج الجهاد والدعوة على بصيرة”. (الإسلام غدا، ص 457).

ثم أما بعد

فلعل قارئا لم يتخلص من نظارته السوداء يقرأ هذه الصفحات، بعضها أو كلها، فيذهب به استعجال الحكم، وعدم القصد، وسوء الظن والتأويل إلى القول بأن محرر هذا الكتاب صوفي، أو مترذي بزي الصوفية، فيحملني مالا أطيق من تبعات غيري أحياء وأمواتا، وينكر علي دفاعي عن حسن البنا  والرجل لا يحتاج إلى من يدافع عنه فهو بالله غني، وفي ثناء الخلق زاهد، وقد أفضى إلى ما قدم، ونعم ما قدم  أو يدعي أنه يعرف الرجل أعمق مما عرفته به، وأنه أكثر إلماما مني بفكرته، وأنا الغريب الدخيل، أو يقنع من معرفته وفكرته بما قيل وكتب، وكل ذلك من مطايا الحرمان. إذ القناعة من الله حرمان، والمنكر يحرم مثلما يحرم المدعي. وإني أربأ بك، أخي القارئ، أن لا تتبين فتظلم، أو لا تتمعن فتجانب الصواب؛ ويحيد قطار همتك عن سكة الحق وفصل الخطاب. أقول لك في نهاية مطاف هذا الكتاب:

ما كان حسن البنا صوفيا فقط، ولا “سلفيا” فقط، بل كان ربانيا نبويا، وعالما مجددا، ومجتهدا مجاهدا. ولكنه صحب الصوفية ونشأ بين ظهرانيهم وأحبهم وتأدب معهم، وشهد لهم شهادة الحق ونصح لهم، وظل وفيا لصحبتهم، وأنشأ أتباعه على حبهم واحترامهم. كما نسج تربيته لأتباعه على منوال تربيتهم لمريديهم، اجتماعا على الذكر والوظيفة والقيام والمجالسة والزيارة، والتماس الخير عند أهل الخير.

فأين نحن من هذا كله، ونحن نرى بعض الدعاة يجرون ألسنتهم على ما لا يحمد من الطعن في أولياء الله وإذايتهم أحياء وأموتا.

صحيح أن الطرق الصوفية اليوم غيرها بالأمس، وأين طمع اليوم من عفة الأمس؟ وأين شره اليوم من زهد الأمس؟ وأين ابتداع اليوم من اتباع الأمس؟ وأين تمني اليوم وتعنيه من إرادة الأمس؟ وأين كدر اليوم من صفاء الأمس؟ وبالجملة، أين شيوخ اليوم من شيوخ الأمس؟ أستغفر الله، لعلي عممت، وفي شيوخ اليوم أيضا رجال أفاضل، وأهل إيمان وتقوى وبشرى وعرفان. وأين مريدو اليوم من مريدي الأمس؟ وقد عاد الإسلام غريبا كما بدأ، وكثر الادعاء والانتحال والافتعال، وقد صدق شكيب أرسلان إذ قال: “لقد عادت البدور أهلة، وذهب المجد إلا أقله، وصارت الأوساط أطرافا، واستحالت الأثواب أطمارا، ولم يبق من تلك المعالي السوالف إلا أخبار وسير ومثلات وذكر وحكايات.” (مقتطف من كتاب “الحلل السندسية من الأخبار الأندلسية).

لا معنى لوجود صوفية القعود في زمن الجهاد

ثم إن الصوفية أمس كان مبررا وجودهم وانعزالهم، والناس قريبو العهد من النبوة، والمعروف معروف، والمنكر منكر، والمساجد مفتوحة، والعلماء فتواهم راجحة لا مرجوحة، والشريعة، رغم فسق الحكام وفجورهم، قائمة حاكمة، والجهاد فرض كفاية. أما اليوم فقد طال الأمد، وقست القلوب، وأصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا، والحق باطلا والباطل حقا، وأفواه الدعاة إلى الله مكممة، والمساجد مؤممة، واستبدلت القوانين الوضعية والمذاهب التحررية بشريعة الرحمان، وبيضة الإسلام مكسورة، وأمة الإسلام مقهورة، يتداعى عليها الأعداء كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، ليس من قلة بل من كثرة، ولكن غثاء كغثاء السيل، بسبب من الوهن الذي أصابها بحب الدنيا وكراهية الموت.

فلا مسوغ، والحال هذه، للقعود عن الجهاد بدعوى الزهادة والروحانية، وللابتعاد عن العباد نشدانا لصلاح النفس وتغيير ما بها مع الاستقالة من هم تغيير ما بالأمة والمطالبة بحقها في معرفة الله إحسانا، والحكم بما أنزل الله عدلا. ومن فعل فقد ظلم نفسه، إذ حرمها فضيلة الجهاد وعطل فريضته العينية. وظلم الناس، إذ حجب عنهم، بتفرجه على مآسيهم ورقصه على جرائحهم، شمس الهداية، وبارك بانسحابه ما يمارس عليهم عضا وجبرا ووصاية وحجرا.

فلعل رسم خريطة قرآنية للمجتمعات البشرية كالتي رسمها الدكتور إدريس الكتاني، حفظه الله، مما يساعد كل مسلم ومسلمة، وطائفة وجماعة، على البحث عن مكانها وموقعها في جغرافية الدين إسلاما وإيمانا.

ولعل تصنيف الأستاذ عبد السلام ياسين لمعادن الناس مما ينبهنا على المعدن الذي منه صنعت نفوسنا، وصيغت طباعنا. هل من ذهب إحسان الرجال؟ أم من ورق الإيمان وصلاح الأعمال؟ أم من نحاس إسلام فردي فاتر لا يسمن من حق ولا ينجي من ضلال؟ أم من حديد بارد لا فائدة من الضرب فيه؟ أم من قصدير القصور والتقصير؟ أم من خليط، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “… والناس معادن، منهم من يجمعك به دائرة الحلال والحرام، فإن خاطبته بما يقتضيه هم الآخرة والتزود لله بزائد عن الصلاة والتوحيد والفرائض من إصلاح الدنيا والتصدي للظالمين وجهاد الكافرين، أغربت عليه. ومنهم من إذا ابتعدت به عن منطق “المواجهة” و”الحل الإسلامي” وبناء الدولة وحاولت الحديث إليه عن إصلاح النفس والتصفية بالفرض والنفل وحفظ القرآن وقيام الليل فقد فجعته فيك حيث كان يظن إسلامك شيئا آخر غير ما يعتبره عبادات نتفرغ لها بعد قيام دولة الإسلام. ومن المسلمين والمؤمنين، بل من عامتهم، من غاب عنهم غيابا تاما، وهم يقرأون الكتاب وسنة من نزل عليه الكتاب، ما معنى وجود العبد؟ وما المسلك لنيل كماله؟ وما الدرجات في الآخرة؟ وما القرب من الله عز وجل؟ وبم يكون التقرب، ومع من وكيف؟ والعاكفون في الزاوية الصوفية أو الطرقية، حدثهم عن هذا وعن هذا فقط؛ تشوش عليهم إن أسمعتهم من أمر الدنيا وهم الأمة وتخلف المسلمين وواجب الجهاد والتشمير للصراع مع الجاهلية ما هم فيه من ذكر أو سماع أو أحوال أو خيال أو قعود دسم. لا يقدرون يتجاوزون ما نشأوا على سماعه جيلا بعد جيل.” (مقتطف من رسالة من الأستاذ عبد السلام ياسين إلى إخوانه بتصرف)

والمقصود من تصنيف معادن الناس، فضلا عن معرفة المعدن الذي به صنعت نفوسنا، وصيغت طباعنا، هو أن نعرض هذا المعدن على خبرة صناع الحياة والموت والتاريخ ليدخلوه فرن الصحبة، في معمل الجماعة ليفتن بنار الذكر فيتخلص مما علق به من دسائس النفس ورعونات الطبع، ويتحول بعد صهره إلى مادة الفطرة الخام لتعاد صياغته من جديد على نحو يعجب الصانع، ويغيظ المنافس والمستعدي.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين بأسلوبه البلاغي البياني، ما به يوضح هذه المعاني: “والمطلوب إلي وإليك وإلى كافة المؤمنين الذين يريدون أن يصونوا حياتهم من العبث المفضي إلى الحسرة والندامة، في الدنيا ويوم القيامة، هو الجهاد المستمر والعمل الصالح. ليست العبرة أن يمضي المؤمن العمر في الفرجة على مشاهد الأنوار. يكون مغبونا يوم الجمع والتغابن إن جاء الناس بالعمل الصالح، وجاء هو بسجل مشاهدات ما كشف له. ومن كشف الله عن عين قلبه فرأى بعض حقائق ما هو غيب عن غيره، محجوج إن لم يوف الشريعة حقها. محجوج أكثر من غيره ومسؤول. فليحترس من سكرة الأحوال وما يستطاب من الأوهام. ارتقى الرجال إلى درجة المجاهدين، وهي أعلى من درجة المكاشفين شرط أن يكون للمجاهدين نية وطلب لوجه الله، عز وجل، وصحبة وذكر وصدق. وهنا بقي الفقراء الطرقيون يحملون السبحة، فتتدفق عليهم أنوار الذكر، فيحسبون أنهم بلغوا القمة. القمة الصحابة رضي الله عنهم، جمعوا الإرادة القلبية إلى الشغل بالذكر الدائم إلى الجهاد المستديم. وكانت صحبتهم لخير الخلق، صلى الله عليه وسلم، رفعتهم عن رخاوة القعود واستلذاذ المشاهد والبطالة في الزاوية.” (المرجع السابق).

خاتمة

– خاتمة

– حسن البنا حسن البناء

خاتمة

تلك كانت مذكرات الشهيد، قدمناها للقارئ الذي نقصد والقارئ الذي نريد، بمقدمات أتبعناها بشهادات، ثم علقنا عليها بخلاصات وملاحظات، واستخلصنا منها بعض الدروس والعظات. لكن هذا كله لن يغني فتيلا إن قرأنا بأعين الأعداء والحساد والجاحدين. ولن يكون لنا دليلا إن استغنينا بالقراءة عن الاستفادة من دروس المذكرات، وبالاستفادة منها عن التزود بها في رحلة الحياة بحثا عن إحسان الرجال طلبة ورغبة، ورجال الإحسان محبة ونسبة. رجال الإحسان الذين أحصى القرآن صفاتهم: تصديقا وفهما، وإرادة وعزما، وصبرا وحلما، وجهادا في سبيل الله وشهادة وقياما، وذكرا لله وصياما، ومعرفة والتزاما. وغيرها من الصفات المتوجه بهذه العبارات القرآنية المبشرة: “والله يحب المحسنين”.

فبصحبة هؤلاء الرجال يتزكى المؤمن ويتعلم الكتاب والحكمة. وبصحبتهم يقتحم العقبات الفتنوية الثلاث: أنانية مستعلية وعادة جارفة وذهنية رعوية. وبصحبتهم يواجه تحديات واقع الجاهلية والكراهية، ليغير الله ما بنفسه، قبل ومع أن يستعمله في دعوته ليغير الله به ما بالأمة من ظلم وجور، في ظل العض أو تحت حكم الجبر.

فإذا كان حسن البنا قد حظي منا بهذا الاهتمام فلأنه أشهر من نار على علم، وللأسباب التي ذكرناها في مقدمات هذا الكتاب. لكن هذا لا يمنع من البحث في سير الرجال، ومذكراتهم، وطبقاتهم المكتوبة بقلوبهم وأقلامهم، وذاك أمثل، أو بقلوب من عاصرهم وعاشرهم، عما يؤكد حقيقة تلك الصحبة الربانية البانية.

ونخص من سير أولئك الرجال وشهاداتهم ومذكراتهم ذكرا لا حصرا، الأقربين إلينا عصرا كالأمير عبد القادر الجزائري، وسعيد النورسي، والسنوسي بليبيا، والمهدي بالسودان، وأحمد بن عرفان وغيرهم. يسر الله لهؤلاء الرجال من يعرض درس حياتهم على العاملين في حقل الدعوة والجهاد، حتى يعلموا أن شجرة القادة والقدوات الرواد، أصلها في أرض الصحبة ثابت، وفرعها فوق تربة الذكر نابت، وفي سماء الصدق شامخ باذخ، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها صدقة جارية، وعلما ينتفع به، وولدا صالحا يدعو. أما المنبت فلا ثبات له ولا نبات.

نسأل الله أن ينزل على حسن البنا شآبيب رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجعله من الخالدين في نعمة النظر إلى وجهه. وأن يجلسنا وإياه على منابر من نور على سرر متقابلين في أعلى عليين مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.

ونسأله تعالى أن يقيض لأمة خير البشر رجالا في هذا القرن الخامس عشر على التجديد أقدر، وبه أجدر. وإننا في هذا الواقع المنكر لأمام عقبات كأداء، وتحديات كبيرة، والله أكبر.

كما نرجوه، سبحانه، أن يجعلنا على قدم أحبابه، وأن يجمعنا وإياك، أخي القارئ، مع أوليائه وأصفيائه، مستخلفين قائمين لله بالحق، شاهدين بالقسط، مؤمنين أقوياء أمناء ثابتين في رباطهم لا يتزعزعون عن جادة الحق مهما كانت العقبات. وأن يستعملنا في دعوته لتغيير ما بأنفسنا إحسانا، وتغيير ما بالأمة عدلا، بما يناسب العصر وعقباته، وتحدياته ومستحقاته. إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير. نعم المولى ونعم النصير.

والصلاة والسلام على خير الورى، من نبت في أم القرى فأوثق الله به العرا، محمد أفضل من مشى فوق الثرى. وعلى آله البررة وخلفائه وباقي العشرة المبشرة، وصحبه أولي السبق والهجرة والنصرة، وإخوانه وحزبه إلى يوم الدين.

والحمد لله رب العالمين

انتهى بفاس يوم الخميس فاتح جمادى الأولى 1418هـ.

حسن البنا حسن البناء

حسـن البنـاء وفي فـؤادي لوعة*****مـن كيـد ظـلام وخسـة حـاقد

وفسـوق حسـاد رمـوك ببدعـة *****أن فزت بالإحسـان صحبة عـابد

وجمعت إخـوان الصفاء على التقى*****وعـلى الفداء وكنت خير مجـاهد

أنجبـت أبنـاء سعـدت ببـرهـم*****والابـن يشـرف إذ يبـر بـوالد

لكـن أحفـادا نسـوك ومـا دروا*****أن المـعيـة لا تـكـون لجـاحد

خـل عـلى دين الخليـل إذا وفـا*****ليـس الخليـل إذا أخـل براشـد

لـو أنصفـوا لاستقبلوا من أمرهم*****مـا استـدبروا من صحبة ومحامد

جـددت دينـا للعبـاد من البـلى*****فسـمـا وعاد إلى الصفاء كما بدي

يـا ليت شعـري من يجـدد ديننا*****لخـلافـة أخـرى بقـومة شـاهد

حسـن البنـاء وسيـدا قطبـا بـه*****نحيـي الـورى بمثال حكم راشدي

عـودا عـلى بـدء الهـداية بعثة*****بـأعـزة شـم الأنـوف أمـاجـد

ثـم الصـلاة عـلى النـبي وآلـه*****والصحب مـا حن المشوق إلى غد

ذ. منير الركراكي