إذا كان التنظيم الخارجي (بمعنى تنظيم أمور المرء وترتيب أولوياته)، أمراً مهماً لكل داعية فإن التنظيم الداخلي، لا يقل أهمية، بل يكاد يزيد على التنظيم الخارجي. فمن الخطأ أن تنظم ما حولك وتترك الفوضى في داخل قلبك.

“فلا دعوة ولا ذكر، ولا أمر ولا نهي، ولا إخلاص ولا احتساب، ولا صبر ولا توكل ولا إيثار ولا سخاء، ولا أدب ولا حياء، ولا خشوع في الصلاة ولا تضرع، ولا ابتهال في الدعاء، ولا زهد في زخارف الحياة الدنيا ولا إيثار للآخرة على العاجلة، ولا شوق إلى لقاء الله”(1).

وكان الأجدر أن يتكفل الداعية بتزكية نفسه، وتهذيبها وتحليتها بالفضائل الشرعية، وتخليتها عن الرذائل النفسية والخلقية.

فالدعاة إلى الله هم أصحاب النفوس المزكاة، الذين وصلوا إلى درجة الإحسان والدعوة إلى ربهم العلام.

ولكن نتيجة الفوضى في داخل القلب والفراغ فيه “أصبحت الصفوف معوجة منشقة والقلوب خاوية جائرة، والسجدة خامدة جامدة، لا حرارة فيها ولا شوق، ولا عجب، فقد انطفأت شعلة القلب وخمدت جمرة الفؤاد”(2).

ونشأت مع هذا مشكلة ألفة المنكر لكثرة اقترافه، وهذا ما كان يخيف أبا الحسن الزيات رحمة الله فكان يقول: “والله ما أبالي بكثرة المنكرات والبدع، وإنما أخاف من تأنيس القلب بها، لأن الأشياء إذا توالت مباشرتها أنست بها القلوب، وإذا أنست القلوب بشيء قل أن تتأثر به” (3).

إلف العقوبة:

وأخطر من إلف المنكر، إلف العقوبة، حتى يصل إلى درجة عدم الإحساس بأن الحال الذي هو فيه عقوبة لذنب قد اقترفه، وليستمع من وصلت به الحال إلى هذه الدرجة لقول ابن الجوزي: “واعلم أن من أعظم المحن، الاغترار بالسلامة بعد الذنب، فإن العقوبة قد تتأخر، ومن أعظم العقوبة ألا يحس الإنسان بها، وأن تكون في سلب الدين، وطمس القلوب وسوء الاختيار للنفس، فيكون من آثارها سلامة البدن، وبلوغ الأغراض”.

ومن أمثالها ألا يوفق البعض لصلاة الفجر زمناً طويلاً حتى يألف هذا الذنب، وإننا لنعجب أشد العجب من بعض الدعاة الذين عاهدوا أنفسهم على حمل الأمانة، وهم من أشد الناس تقاعساً عن صلاة الفجر، فما يعود الواحد منهم يشعر بوخز الضمير وألم الذنب، بينما كان الرعيل الأول يعزي بعضهم بعضاً عندما تفوته صلاة جماعة.

وقد تحصل الحال إلى درجة انعدام الإحساس بعقوبة الذنب، فهذا على خطر كبير، إذ ربما سبب ذلك سقوطه ورجوعه إلى طريق الضلال والعياذ بالله، والذي يطلق عليه ابن الجوزي (القتل) إذ يقول: “الذنوب جراحات، ورب جرح وقع في مقتل”(4) فأي الفريقين تختار؟! إذ القلوب جوالة لا تنفك عن أمرين “إما قلوب تحوم حول العرش، وإما قلوب تحوم حول الدنيا والحش”(5). فالله الله في إصلاح الداخل إذ “من أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في السرائر، فما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر”(6).

الهوامش

(1) (2) أبو الحسن الندوي: ربانية لا رهبانية.

(3) (4) عبد الحميد البلالي: أدب البلاء، ص14.

(5) ابن القيم : الجواب الكافي.

(6) محمد أحمد الراشد: فضائح الفتن ص26.