في كل صفحات هذا الكتاب ذكر للمنهاج النبوي وتدليل عليه بالنص الشرعي وبالبرهان التاريخي. ونعني بالفقه المنهاجي البيان العلمي الذي يكون حافزا مجليا لرؤية الأهداف والغايات ولوعي الموقف وسلوك المنهاج المنقذ برغبة وطلب. ولعل هذا التعريف قريب من تعريف معنى الإيديولوجية عندما يستعملون اللفظة استعمالا إيجابيا لا عندما يتراشقون بها يتهمون بعضهم بالتدليس الفكري لتبرير العمل الإرادي التعسفي. ونحن نهجر الجاهلية ومفاهيمها بقدر ما يتناسب مع ضرورة مخاطبة الناس على قدر عقولهم. ونحن نهاجر إلى الله ورسوله نلتمس الهدى، ونستن من شرع الله منهاجا لعملنا الإسلامي الطالع علينا يومه غدا.

إن الربانيين أشخاص بأعيانهم يوجدون اليوم في دار الإسلام حيث يعلمهم خالقهم الذي فطرهم ليستجيبوا لنداء دينه غدا، إنهم قابلية اجتماعية لهذه الأمة المسكينة المرحومة المستضعفة الوارثة غدا. إنهم لا يتعارفون، وبضعفهم الواقع المفتون فينكمش بعضهم في ركنه وبعضهم يقول ربي الله فيشنق أو يزج به في سجون الطاغوت القومي.

هذا النداء الذي آن له أن ينطلق والذي سيجمع أذانه الربانيين المستضعفين ليتحملوا عبء التربية بأي لغة يخاطبون ؟ وفي أي عالم وبأية وسيلة سيبلغهم النداء ؟ وبم يخاطبهم النداء من مبادئ يحللون على ضوئها مجتمعهم المفتون ويرفقون بمقتضاها ويبذلون ؟ هذه أسئلة تحدد شكل الفقه المنهاجي ومضمونه. وقد كتبنا ما شاء الله إجابة عنها، ونعود هنا لننظر إلى المنهاج النبوي في اقتحام عقبة التربية ابتداء من تربية المربين الربانيين ثم إلى تربية سواد الأمة، فمنهم المحسنون المومنون السابقون، ومنهم من يدخلون في دين الله أفواجا فنسبح عندئذ بحمد ربنا ونستغفره إنه كان توابا، وإنه بالتوبة ورفقها ينفتح باب الفقه المنهاجي.

المسلمون اليوم في موقف الحيرة وفي موقف الإعجال من ضرورة حل هذه المشاكل التي يترامون بين أمواجها لا حيلة لهم إلا اقتباس الاشتراكية ريثما تصعد موجة أخرى من الشباب أدركت خفاق الاشتراكية القومية في دار الإسلام فتريد قومية شيوعية تخلع العذار. بعض الدول الإسلامية أسيرة في عصبيتها القومية تحسب إسارها موقفا ثوريا متحررا، وبعض الدول في موقف ما قبل الثورة أو قل ما قبل الانقلاب. وإذا قلنا “الدول الإسلامية” فإنما نعني جهاز الحكم في دار الإسلام الممزقة. في مجموع البلاد الإسلامية المسلمون في موقف ألم وحسرة وغيظ تتوالى عليهم الضربات فتزيدهم يأسا، فضربات من بني قومهم المترفين وضربات من عدوهم الماهر الماكر الآكل لفريسته سائغة هينة.

المسلمون في دار الفتنة تنخر عظامهم العنصرية القومية، ويأكل قلوبهم غضب المحروم على الظالم، ويخرب جسمهم الحرص على حياة أي حياة، وتعشش في عقولهم أفكار مخدرة، بعضها يوهمهم بأحلام المتعة الحضارية واستمرارها جزءا ترفعهم على بني جلدتهم وعيشهم على مستوى الترف الجاهلي، وهؤلاء هم سادة المجتمع الكراهي القاعدين على كراسي العدوان، لا اختلاف بين عقلياتهم إلا اختلافا في لون القناع الإيديولوجي وشكله. والمخدرات الفكرية في حسبان طائفة المثقفين المحرومين من طلبة ومحترفين ثوريين هي هذه الإيديولوجية الشيوعية التي يأخذون قوالبها المنطقية فيستعمرونها بمضمونات حقدهم العنصري أو ألمهم القاطع من مضاضة ظلم الظالمين. وكل هؤلاء بمعزل عن جسم الأمة المسلمة الرازحة تحت نير فتنتها بهم ونير فتنتها بالعوز والفقر والمرض والجهل.

وتتجمع الفتنة وتنصب روافدها في مظهر بشري يشخص حاضر المسلمين البغيض، إنه هذا المستوزر وهذا الموظف وهذا الحاكم الذي يعيش في عرصات قصره، فإن لم يكن له قصر فقصير. وتكثر حاجاته ويكثر بذخه وتبذيره فيذهب اليتيم والأرملة بعد أن يهب مال المسلمين ويرتشي ويسرق ويكذب.

وللفتنة مع هذا المظهر حركية مخربة، إنها حركية الحقد والغضب العاجز، وينتج عن هذا العجز الغاضب شلل في إرادة الأمة فهي عرضة جاهزة لكل دعوة، وهي مستعدة راغبة في التغيير أي تغيير. إنها لا تملك فسحة للاختيار فكل من دعاها وهي منهمكة منهوكة لبت نداءه بموقفها السلبي العاجز والقلب لا يستجيب أبدا. والتغيير المقترح دائما بل المفروض دائما تغيير يستبدل أشخاصا بأشخاص وفق قانون الغاب المنبني على صراع العنف والدهاء في خدمة الغضب أو الأنانية أو في خدمتهما معا. هذا التغيير المفروض دائما، المتقبل بسلبية، يدخل في دورة مفرغة لا نهاية لها هي دورة الانقلابية. والانقلابية تغيير سطحي لواقع سطحي، لا تربي أبدا لأنها لا تجد مشدا تمتلك به قلوب أمة مسلمة لا يحب قلبها الشرك ولا الجاهلية، ويفتضح عندها مكر القادة المترفين إذ يلوحون لها بشعارات ممسوخة تمزج الحق بالباطل وتدعو لاشتراكية قومية إسلامية.

واقعنا بغيض كريه ونحن نجهل إسلامنا، ومن بيده السلطان لا يعلمنا الإسلام لأنه يجهل الإسلام، ولا يربينا بالإسلام لأنه لا يربي بالإسلام إلا من كان ربانيا. فإلى أين المفر من الوهن ومن الظلم ومن الدورة المفرغة دورة العنف والكراهية ؟.

هنا ينادي الإسلام بالتوبة والرفق، ويخاطب المسلمين بلغة أولا ريثما يتعلمون لغة القلب. يخاطبهم بلغة العقل أن انتماءنا للجاهلية وذوباننا فيها أمر واقع لا تغطيه الأسماء إلا عن عين الجاهلين. إننا ننتمي للجاهلية بفكرنا لأننا ننتمي إليها بشهوة نفوسنا. آية ذلك أننا أول المستجيبين لكل هيعة في بلاد الكفر وأننا إذ ندعو لعصبية القوميات فإنما نؤيد دعوتنا ونبررها بأن أوربا ما تقدمت إلا بعد أن تقلصت إلى مجتمعات عصبية قومية. فتدخلها الجاهلية من جانبين، من عصبيتنا القومية نفسها ثم من تبريرنا لها بواقع جاهلي كافر. يدعونا داعي الإسلام وأن وهمنا القومي وانتماءنا للجاهلية لن يتغير بتغيير الأسماء والوجود والشعارات لكن يتغير بطرحنا للجاهلية ورفضنا لكل ولاية إلا ولاية الله ورسوله والمومنين.

داعي الإسلام يحررنا من التبعية ويحررنا من اليأس إذ يفتح لنا باب التوبة، لنرجع إلى ربنا برفق ولكي نتولاه فيتولانا. إن الإسلام وحده يغير الله به ما بنا من مكروه حين نغير ما بأنفسنا من أعراض وغفلة عن الله.

نحن الآن ننتمي لعالمية مقلدة، مثلنا الأعلى جاهلي، ودواعي التقليد في نفوسنا هي دواعي الإعجاب بالسيد المتفوق، ومظهر تقليدنا تبعية خانعة. والإسلام يرفعنا إلى عالمية المسؤولية عن أنفسنا ليربطنا نحن الأمة الممزقة بين القوميات رباط الولاية والمحبة، ثم يرفعنا إلى عالمية المسؤولية عن الأرض ومن عليها. فحركة التوبة إلى الله حركة تغيير تربوي رائدها التطلع لقيادة العالم عبر الجهاد للاستقلال عن الجاهلية استقلالا يوحدنا بعد ما فرقتنا فتنة التاريخ وقصرتنا في القوميات.

ولابد للتوبة أن تنقلنا من إسلامنا الفردي الذري إلى إسلام جماعي، ولكل رباط تنظيمي ضروري. فنحن اليوم ننتمي لدول لها قيادات بعضها يتنكر للإسلام علانية ويضطهد كل حركة إسلامية، وبعضها يخدر الإرادة الإسلامية عند الأمة بنصب شعارات هي بديل المسخ للإسلام المحرر من الطاغوت.

فإذا أردنا فقها منهاجيا لغدنا فلا بد أن نعلم من نتوب على يده كما نعلم كيف تكون التوبة ومم تكون التوبة.

وهنا عقدة الفقه المنهاجي بأكمله، فإذا أعطتنا البديهة أن في الأمة يكمن الربانيون كقابلية اجتماعية ويكمنون في المساجد والسجون، فإن السؤال المحوري هو ، من يخطو الخطوة الأولى نحو الإسلام ؟ والسؤال يتضمن أننا رغم ما نسمعه لا نزال في موقف عداء أو موقف فتور تجاه الإسلام في كل دار الإسلام.

من يخطو الخطوة الأولى ؟ أهو الإمام المهدي المنتظر كما يتصوره العامة نازلا من السماء بسيفه ؟ كلا ! فإن الله عز وجل أنبأنا بلسان نبيه أن سيحل بيننا عيسى بن مريم رسول الله يعدل بعدل الإسلام، ونحن نومن بآيات ربنا وغيبه. لكنه سبحانه علمنا بما وضعه من نواميس في الكون وفي نفس الإنسان أن التغيير التاريخي إنما يتم بحوافز بشرية ووسائل بشرية. وحتى الأنبياء والرسل عليهم السلام كانوا رجالا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ويقاتلون ويقتلون، ويجاهدون حياتهم لنصرة أمر الله. فليس أكثر منا غباء إن انتظرنا أن ينبعث لنا نداء الإسلام من صور الملائكة في السماء!

ها نحن أولاء بشرنا بالإسلام وقرب ظهوره وحلول أوانه منذ هذه الصفحات الكثيرة، أفترانا ندخل في مساومات الإيدولوجية ويوتوبيتها ؟ كلا فإن وعد الله ورسوله حق، وما بحثنا عن منطلق الحركية الإسلامية ضربا من الفضول. وإن معرفتنا أن لله ناموسا سببيا في الكون هي التي تهدينا سبيل البحث والطلب. لقد قامت دعوات إسلامية مجاهدة منذ هجم الجاهليون المستعمرون على دار الإسلام في هذا القرن الرابع عشر الذي ستشرق علينا شمس الإسلام من مغربه. وكان قادة هذا الجهاد الإسلامي رجالا مومنين ذاكرين كان منهم في الهند وكان منهم في السودان وفي شمال افريقيا وكان للبناء رحمه الله جهاد متكامل، وجهاد تربوي برهن للمسلمين نجاحه أن الروحانية العليا في شخص القائد هي موطن القوة وموطن الرجولة ومنها تقتبس الأفئدة المقبلة على الدعوة كل طاقات العمل. شهيدا الهند ومهدي السودان ومشايخ السنوسية والبناء رجال مثلنا رغبوا إلى ربهم بعد أن رباهم رجال ليسوا مثلنا إلا في رأي العين. إنهم خريجو هذه المدرسة المحمدية مدرسة الصحبة والذكر. ثم إن هؤلاء المجاهدين لم تعلن عن قيامهم أصوات الملائكة. وإنما درجوا على الأرض كما يدرج غيرهم متمسكين بأسباب السعي البشري، ومروا من الأرض كما مر غيرهم من أهل الله الصالحين يؤيدهم روح الله وتسطع على محبيهم نورانية ينكرها معاصروهم ويعزون أثرها لمصدر هواهم ويدهم. فقد كان الهدي في نظرهم مشعوذا وكان البناء عميلا. هؤلاء الرجال لم ينـزلوا من السماء كما يتصور الناس المعجزة، بل هم حققوا في أنفسهم معجزة فصعدوا لسماء الروحية وخرقوا عادات الغفلة وحجاب الترف. وهم بذلك معجزة تسعى بقدمين.

أننتظر معجزة تنقدنا من ورطتنا ؟ نعم ! ننتظرها بكل تأكيد؟ وإن لم يكن ممن يومنون بغيب الله ويرون إعجازه عز وجل في تدبير أسباب العالم كما يرونه في كشف عالم الغيب لسكان عالم الشهادة لما صح أن ننتسب لإيمان. درجنا منذ حين نتأمل مصدر الفاعل التاريخي نستعمل تصورا شائعا يفهمه معنا من لا ينظر إلا للأسباب، فوجدناه في ذلك المومن المتحرر عقله بحرية روحه المريد المجاهد. وهذا منطق مشروع غير مدفوع بيد أن الحق المطلق هو إطلاق إرادة الله سبحانه إذ هو المهيمن القادر المريد وهو الفاعل وحده لا شريك له. فهو جل ذكره يغير ما بالناس ويده القوية ماسكة بناصية كل شيء . وخطابه التكليفي لنا بالعمل والجهاد نصيبنا من فضله إذ ينسب لنا عملا هو ميسره ومدبره.

على ضوء الإيمان والإحسان يكون معنى انتظار المعجزة، ومعنى الرجاء انفتاح على عالم الأسباب بكل ثقة وانطلاق، ومع هذا الانفتاح ومن خلفه اعتماد على الله ربنا يسهل معه الصعب وتذوب معه العراقيل. ومن يرى هذه النواصي الكاذبة الخاطئة التي تسير كواكب مذنبة في مدارها حول الجاهلية وقيمها لا يرجو منها خيرا ولا يأنس عندها ميرا. فإذا اعتبر إلى ذلك أصابع الرحمان التي تقلب قلوب عباده وتذكر من أين خرج للإسلام عمر بن عبد العزيز وصلاح الدين حتى عز بهم بعد أن عزوا به يسلم أن انتظار المعجزة في زمننا أشبه بانتظارها قبيل ظهور صلاح الدين. كانت يومئذ الفرقة الذرية وكان الناس يومئذ فتاتا إنسانيا خلفته فتنة الفاطميين وكان العدو الإسلامي الغازي في أوج قوته واتحاده وتألبه. فلما أراد رب الحركة والسكون عز وجل أن يمن على عباده المستضعفين اليائسين ابتعث للأيوبي رجلا اسمه رمز خالد هو “قطب الدين” فجدد للأمير الأيوبي عقيدة وصحب الأيوبي الأخيار والصالحين فصلح وصلح به الدين.

وإن حالة المسلمين اليوم حالة استيئاس، وقانون الله في كونه أن يأتي نصره لرسله واتباعهم عند الاستيئاس، وينجي الله من يشاء ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين. فتنة اليوم لا تختلف عن سابقتها إلا شكلا، وهي هي والمسلمون اليوم كالمسلمين قبيل أن يجمعهم الله على يد عبيده المماليك الذاكرين لربهم، وقبيل أن يجمعهم على يد عبده الصالح الأيوبي الكردي لينصرهم على التتار وعلى كفار أوربا الصليبيين.

قد يحلل لنا محلل تاريخ انبعاث المماليك والأيوبي فينسب انفجار الطاقة الإسلامية لغير أسبابها جهلا وغفلة، وقد نبحث نحن عن ظواهر الأسباب الحالية لنحرر من أي وجهة يطلع علينا وجه قائدنا المجاهد المنتظر المرجو تأملا وترقبا لأمر الله، وفي كلتا الحالتين يمتنع علينا أن ندرك تدبير الله تعالى إلا بقدر ما نتلقى آياته بالقلب الصادق والعقل الفطري المتعجب من كل هذه المعجزات التي نعيش معها. فمعجزة كبيرة أن نسمع صوت البعيدين وأن نطير في جو السماء كالطير، ومعجزة أعظم منها لو كنا نعقل أن يكون على الأرض سبعمائة مليون مسلم وتغلبهم شرذمة من اليهود. تقول إن من وراء اليهود الكفر كله يتألب، فأجيبك أن المعجزة المعضلة أن قوميتنا التي استبدلنا بها أخوتنا الإسلامية عجزت حتى عن التألب نعرة وحمية أن أهين مسجد الله الأقصى.

عوامل استيئاس تحمل بشرى نصر الله الذي لا يرد بأسه عن القوم المجرمين. وإنه الإسلام أو الطوفان لولا أن سبقت كلمات ربك، وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم. وكلمة ربنا للمستضعفين أن يمن عليهم ويورثهم الأرض فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وموعوده للمستيئسين من المومنين أن ينصرهم ويهلك عدوهم بأمر من عنده وبأيدينا.