الدكتور الشقاقي محور الرحى لحركة الجهاد الإسلامي

الشيخ عبد الله الشامي

شكل الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي محور الرحى في حركة الجهاد الإسلامي من حيث صياغة المنظومة الفكرية, ومن حيث التأسيس والتنظيم والقيادة ومن حيث الروح الوثابة التي كانت بين جنبيه والتي فجرها إلى طاقة فعل هائلة ضد المحتل الصهيوني وضد المشروع التغريبي وضد الركود إلى ساحة الفعل الإسلامي الحركي.

وكرد فعل على هذا الجهد الكبير الذي بذله الشهيد ,وفى محاولة لقطع الطريق عليه من مواصلة جهده واستثمار ثماره على الأرض قام الاحتلال المجرم بتغييب الدكتور في غيابات السجن لكن الروح الوثابة لم يؤثر فيهل القيد ولم يحد من طاقاتها الهائلة المخزونة بين جوانحها والتي تحركها طاقة ايجابية هائلة بضرورة تغيير هذا الواقع والخروج من بين الركام ووجوب التصدي للاحتلال رغم قلة الإمكانات ,فاستمر في قيادته وتوجيهه للمشروع الجهادي على ارض فلسطين من داخل السجن وساهم بدور كبير في اشتعال الانتفاضة وزيادة زخم الفعل الجماهيري مما دفع العدو

المجرم إلى إبعاده من السجن ومن الوطن إلى لبنان جريا على نهج المفسدين في الأرض “لنخرجنك يا شعيب من أرضنا” “ولئن لم تنته يا لوط لتكون من المخرجين “لكن الإخراج لم يقيد فعل الشهيد ولم يحد من تأثيره في قيادة انتفاضة الشعب الفلسطيني ومقاومته فكانت عملية الاغتيال الجبانة في 26/10/1995جريا على نهج بني «إسرائيل».

ضربة شديدة لحركة الجهاد الإسلامي باغتيال أمينها العام لتنسجم الخطوة مع الخطوات المجرمة التي كانت تمارسها السلطة الفلسطينية المجرمة ضد قواعد وقيادة حركة الجهاد الإسلامي على الأرض في فلسطين حيث كانت تشن حرب مطاردة واعتقال وتصفية ومحاولة شراء ذمم.فكان المخطط كبيرا يهدف إلى تصفية حركة الجهاد الإسلامي وإنهاء وجودها لكن العناية الإلهية أولا وثانيا قوة النهج الفكري والأخلاقي الذي آمنت به الحركة

وثالثا قوة تحمل قادتها وكوادرها في الميدان أدى إلى امتثال هذا المخطط الشيطاني “ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”حيث تمكنت حركة الجهاد

الإسلامي من المحافظة على وجودها وعلى تعزيز تماسكها وثباتها على المواقف السياسية المعلنة حتى وصلت عملية السلام المزعومة إلى طريق مسدود وانكشف الوجه القبيح للعدو المجرم الذي حاول أن يزينه بمساحيق عملية التسوية وكانت الانتفاضة من جديد ضد العدو المجرم وضد إجراءات السلطة وفسادها وكانت العودة سريعة من حركة الجهاد الإسلامي إلى الميدان والفعل المؤثر في الانتفاضة من خلال حركة جماهيرها ومن خلال فعل مجاهديها الأبطال ومن خلال فعلها الاستشهادي الرائع والذي تمكنت وبمشاركة باقي قوى المقاومة من إخراج الانتفاضة من أيدي الحواة والسياسيين الذين كانوا يحاولون تسخيرها لخدمة مشروعهم التفاوضي ودخلت الانتفاضة والمقاومة في خدمة المشروع الاستراتيجي للشعب الفلسطيني لتحرير

كامل أرضه من المغتصبين .وزاد من قوة التأثير والفعل البطولي لحركة الجهاد الإسلامي تصدى أبطالها المغاوير لعمليات الاجتياح المجرمة التي قامت بها قوات الاحتلال .

وكانت جنين ومخيمها معلما من معالم البطولة ولوحات الشرف التي ساهمت في صياغتها حركة الجهاد الإسلامي بدور كبير حسب اعترافات كبار قادة العدو وجنرالاته وأصبحت حركة الجهاد الإسلامي أكثر قوة من ذي قبل وأكثر قدرة على التأثير في مجريات صناعة الحدث السياسي وليس أدل على ذلك من قدرتها على نسف ترتيبات معينة كانت بعض القوى الإقليمية وبتأثير دولي تريد أن ترسمها بعيدا عن حركة الجهاد الإسلامي فكانت عملية الخليل البطولية التي قلبت الأوضاع رأسا على عقب وجعلت قادة دولة الكيان يقولون لا يمكن أن تنجح أي ترتيبات في المنطقة دون إشراك

حركة الجهاد الإسلامي فيها وليست أدل على ذلك من فتح الأبواب التي كانت مغلقة أمام حركة الجهاد الإسلامي والسعي الحثيث إلى إشراكها في الحوارات والمناقشات السياسية التي يراد تمريرها فى المنطقة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية .

وبناء عليه فان اغتيال الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الشهيد القائد فتحي الشقاقي كان له أثره السلبي على حركة الجهاد الإسلامي إلا أنها تمكنت

برعاية الله سبحانه ثم بجهد أبنائها المخلصين ودماء مجاهديها الأطهار أن تكبر وتتسع بصورة ملفتة للنظر وبصورة فرصت نفسها على مجريات الحدث السياسي في المنطقة وأثرت بصورة كبيرة في صياغة مشروع الصمود الهائل لدى الشعب الفلسطيني والذي تمكن بصموده وتضحياته من حشر المشروع الصهيوني برمته في مأزق الوجود ومستقبله لدولة الكيان المجرمة وعلى قاعدة ” إن الضربة التي لا تميتنى تزيدنى قوة “.

فتحي الشقاقي … الأمل الذي لا يموت

بقلم الشيخ نافذ عزام

المحاولة أكثر من صعبة .. محاولة الكتابة عن رجل نهض من بين الركام .. وبلا إمكانات تقريباً ، أبدع هذا المشروع الكبير الذي يمكن اختصاره بالعناوين الثلاثة ( الإسلام _ الجهاد _ فلسطين ) .

الكتابة عن رجل بحجم فتحي الشقاقي ربما تمثل رحلة سفر نحو هذا الجوهر العظيم ، الذي التقت فيه حمل صفات الزعيم التاريخي والرسالي المسئول والمفكر المبدع ، والإنسان النبيل … فعاش عمره القصير متحركاً بهذه الصفات ، باحثاً دوماً عن تجسيد الحلم الذي أضنى الإنسان منذ القدم .. حلم انتصار الحقيقة وتكريس المثال السماوي بين الناس .. هكذا كان فتحي الشقاقي الزعيم والقائد والمؤسس والمفكر والإنسان وفي كل مراحل حياته القصيرة الطويلة … هكذا عرفناه ملتحماً بالحقيقة ، متوجعاً لعذابات الناس ، غاضباً من جبروت قوى الظلم ، متوهجاً بالإيمان ، ومتفائلاً حد الإزدهار … هكذا عرفناه في رفح ، في الزقازيق ، في باحات الأقصى وفي حلقات الدروس في المساجد والبيوت ،في الزنازين وأقبية التحقيق وفي الشتات ، تغيرت أشياء كثيرة في العالم ، تهاوت أنظمة ومنظومات وامبراطوريات تبدلت أفكار وشعارات .. وأبداً لم يتغير فتحي الشقاقي … من عرفه في السبعينات رأى رجلاً مسكوناً بالتفاؤل يتحدث عن المستقبل الواعد والموعود ، من عاش سيرة الإسلاميين وارتباكهم أمام فلسطين في تلك السنوات المرة ، كان يندهش هو يسمع الشقاقي يبشر بوعد الآخرة وكأنه يراه … ويتلو نظرية الثورة المنبعثة من أحرف القرآن وكأنها البديهية الأصدق ، ويرسم الشعار الجديد ( فلسطين ، القضية المركزية للفلسطينيين العرب والمسلمين ) ، يرسمه بتعبه وحبات عرقه وألمه عن كل سهم يوجه للشعار ، بدا غريباً فتحي الشقاقي مع شعاره ورؤيته واجتهاده … لكنه كان مصمماً وبعناد مذهل على المواصلة ، وكان يقول لنا ولكل حوارييه أن هذا الحلم سيطابق الواقع يوماً وأن هذا الشعار الذي بات كلمة سره ومبعث تفاؤله في آن ، سيصبح الشعار الرسمي حتى لمن يعترض عليه الآن … والآن هذه التي كانت بعيدة في أواخر السبعينات أصبحت في أواخر الثمانيات تفور بالحيوية والفاعلية ، إنها الآن نحن نكتب هذه الكلمات في الذكرى التاسعة لغيابه أكثر حيوية وفاعلية .

زادت الضغوط وتعقدت الظروف ، ولكنه ظل كما هو … الرجل الساعي من أجل خلاص الناس ، المؤمن بأن فلسطين هي البوابة لهذا الحلم العظيم …

كان المعلم الدكتور القائد ( فتحي الشقاقي ) رضوان الله عليه تأكيداً حقيقياً للتواصل مع النماذج المضيئة في تاريخنا منذ حراء وصدر الإسلام الأول رداً بكل المحطات والمشاهد وكان طوال مراحل حياته أميناً مع هذا التراث العظيم وحريصاً على البناء عليه ، ومحافظاً على الملامح التي شكلها القرآن والتاريخ في الإنسان ..ومع ترسخ خياره ، واتساع دائرة أتباعه ومحبيه ، كان رضوان الله عليه يزداد تواضعاً وأكنه يقول لنا أنه ليس من المستحيل وجود النموذج المتكامل الذي بشر به الوحي ووجد فعلاً في لحظة زمنية سابقة ..حتى وهو يحقق أعظم الانجازات ويقف بشموخ بعد ( محنة أوسلو ) مدافعاً عن الحلم الفلسطيني ورافضاً للانحناء أمام ضغط السلام !!

الجماعة الإسلامية تقيم معرضا وطنيا بعنوان «هذه الأمة على موعد مع الدم .. دم يلون الأفق»

نابلس  مراسل نداء القدس

ضمن الأنشطة والفعاليات التي تقيمها الجماعة الإسلامية، التابعة لحركة الجهاد الإسلامي في جامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس بالضفة الغربية, و بمناسبة ذكرى استشهاد الدكتور فتحي ألشقاقي وحلول شهر رمضان المبارك, نظمت الجماعة معرضا وطنيا في إحدى قاعات الجامعة للمعارض تحت عنوان «هذه الأمة على موعد مع الدم .. دم يلون الأفق».

وقد أشتمل المعرض على زوايا متعددة من المعاناة اليومية للشعب الفلسطيني، تمثلت في السجون والحواجز والاعتقالات والاغتيالات الصهيونية.

وقد أرادت الجماعة الإسلامية من هذا المعرض أن ينقل الصورة الحقيقية والواقع المؤلم للشعب الفلسطيني من خلال الرسومات والصور والديكورات لبعض الحواجز العسكرية والتي أصبحت من أكثر المعاناة اليومية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.

وفي حديثه لمراسلنا قال احد ممثلي الجماعة الإسلامية في الجامعة: إننا نريد أن نجسد واقع شعبنا من خلال هذا المعرض، وتوضيح المعاناة والظلم على شعبنا للعالم العربي والإسلامي من خلال هذه الرسومات والصور والمجسمات والتي نالت اهتمام الصحافة والإعلام وسيتم نقلها من خلالهم إلى دول كثيرة وشرحها لهم.

وأكد ممثل الجماعة في حديثه على أن المعرض نال إعجاب الجمهور والذي سيستمر لمدة خمسة أيام، وقال بان المعرض يحمل اسم ” هذه الأمة على موعد مع الدم، دم يلون الأفق “.

وذكر القائمون على المعرض من الجماعة الإسلامية أن المعرض شهد إقبالاً كبيراً ولا زال المئات من طلبة الجامعة يتوافدون إليه, إضافة إلى العشرات من الزائرين من خارج الجامعة.

وقد زين المعرض بالعديد من صور القادة الشهداء وكان ابزهم الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي, وشهداء حركة الجهاد الإسلامي, وحركات المقاومة الفلسطينية الأخرى.

فكر الشقاقي يتأصل وشعلة الجهاد تزداد توهجا

كانت الإيديولوجية التي بشر بها الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي تحولا بارزا في تاريخ حركة العمل الإسلامي والوطني في فلسطين إذ نقل الإسلام من نظرية واضحة منظمة إلى دائرة جاعلا مركزية ومحورية عمل الحركة الإسلامية يدور حولها ” فلسطين القضية المركزية للحركة الإسلامية ” ،بعد أن غابت فلسطين غيابا تراجيديا عن دائرة الفعل المؤثر لها مع عدم إنكار بعض تجارب العمل الإسلامي كتجربة الشيخ المجاهد عز الدين القسام في الثلاثينات إلا أنها لم تتواصل وتكتمل بعد استشهاده والتي منها استلهم الشقاقي جزءا مهما من نظرية الجهاد واصدر كتيبا يؤرخ لتجربته الجهادية في عام 1978.

في ذكرى استشهاده التاسعة فان نظرية فلسطين ” القضية المركزية للحركة الإسلامية ” التي نادى بها في منتصف السبعينات من القرن الماضي تبدو في أجلى صورها وضوحا اليوم إذ أصبحت فلسطين مركز المعادلة الدولية، والفعل الإسلامي فعبرها ومن خلالها تشد الخيوط وتشتعل الجماهير وتبقى جذوة الجهاد مشتعلة في روح وضمير جماهير الأمة المسلمة على ظهر البسيطة.

تلك كانت أكبر إبداعات الدكتور فتحي الشقاقي التي نستشرفها الآن، وعندما بدأ في تأسيس حركة الجهاد الإسلامي جعل هذه النظرية مركزية في شعاراتها وممارساتها ولذا كان الجهاد أول مؤشرات التحول الكبير في عمل الحركة الإسلامية عامة، فلم ينتظر لغياب آخر لها وبمجرد قدومه إلى فلسطين من مصر مع الكوكبة الأولى الحاملة لراية الجهاد في عام 1981 عمل على نشر فكرة الجهاد ضد الكيان الصهيوني في كل مكان ممكن من الجامعة والمدرسة إلى المسجد ،وامتلأت بها أدبيات الجهاد الإسلامي العديدة من الطليعة ـ البيان ـ صوت المستضعفين ـ صوت الجماعة الإسلامية …….. ما يؤكد على هذا التوجه، ولم يكن مستغربا أن تكون أول ضربة توجه لحركة الجهاد الإسلامي تطال مشروع مجلة الطليعة فيعتقل الدكتور فتحي الشقاقي في عام 1982 مع مجموعة من إخوانه المشاركين في إخراج مشروع المجلة وتوزيعها في فلسطين وتصدر أحكام متفاوتة كان نصيب الدكتور فتحي الأكبر منها فيسجن لمدة عامين.

القدس التي تبذل محاولات صهيونية حثيثة لتهويدها اليوم كانت أيضا في قلب وعقل الدكتور فتحي الشقاقي فعلى ساحات مسجدها الأقصى أقامت حركة الجهاد الإسلامي ابتداء من عام 1984مهرجانها السنوي في ليلة القدر في حضور أكثر من 150 ألف مصل يؤمون المسجد الأقصى انتهت في عدة حالات بمواجهات واشتباكات واسعة مع قوات الشرطة الصهيونية وكانت بمثابة تبشير بفكر الجهاد.

لم يمض وقت طويل حتى انعكس هذا الفكر الى ممارسة فجاءت ثورة السكاكين في 1985 وعمليات طعن الجنود الصهاينة في قطاع غزة، والعمليات المسلحة ضد دوريات الجيش الصهيوني ،ثم الضربة الثانية التي اعتقل فيها الدكتور فتحي الشقاقي في منتصف عام 1986 مع عدة مجموعات عسكرية للجهاد الإسلامي ،وجاءت عملية التحرر الكبيرة لفرسان الجهاد الستة من سجن غزة المركزي في شهر آيار 1987 وصولا إلى معركة الشجاعية الكبيرة في عام 6/10/1987 التي استشهد فيها خلال اشتباك واسع مع قوات الاحتلال الفرسان الشهداء محمد الجمل ،احمد حلس ،سامي الشيخ خليل،محمد زهدي،وكان سبقهم حافظ القرآن مصباح الصوري بعدة أيام ،وقتل في هذه المعركة ضابط مخابرات صهيوني ونفذت تلك المجموعات العديد من العمليات العسكرية قتل فيها عدد من الجنود وضباط المخابرات الصهاينة أبرزها عملية الساحة في آيار 1986 .

مهدت كل تلك العمليات وفكر الجهاد الإسلامي لاشتعال أطول انتفاضة عرفها التاريخ الفلسطيني والتي أرخ لها الجهاد الإسلامي بموعد معركة الشجاعية 6/10/1987 وكان للدكتور فتحي الشقاقي دورا مركزيا فيها وهو يقبع في السجن ليبعد مع أول مجموعة لقادة الانتفاضة في شهر آذار 1988 لتبدأ مرحلة جديدة من حياة الدكتور الشقاقي خارج فلسطين .

كان للانفتاح على العالم الإسلامي الذي وفره إبعاد الدكتور فتحي الشقاقي دورا مهما في تأصيل إيديولوجية لجهاد الإسلامي وبناء جبهة واسعة من المشاركة والتفاعل مع العديد من المفكرين والحركات الإسلامية واعادة بناء حركة الجهاد من جديد بعد الضربة التي تعرضت لها الحركة في الأشهر الأولى لتفجر الانتفاضة، واتسعت كتابات ومحاضرات ومشاركات الدكتور فتحي في العديد من اللقاءات الفكرية والندوات وقد جمع كل ما أبدعه الشهيد الشقاقي في تلك المرحلة وغيرها الدكتور رفعت سيد احمد في كتاب من جزئين بعنوان الدم الذي هزم السيف.

اليوم فان طلقة الجهاد التي بشر بها الشقاقي لم تنطفئ شعلتها كما أمل الصهاينة باغتياله في 26/5/1995، بعد أن وجهوا له تهمة مباشرة بالمسؤولية عن عملية بيت ليد الاستشهادية المزدوجة في 20/1/1995 كانت الأولى من نوعها في تاريخ النضال الفلسطيني ضد الجنود الصهاينة حيث قتل 24 منهم والتي نفذها الشهيدان صلاح شاكر وأنور سكر، والتي تكررت أمثالها بعد اغتياله وكان أهمها الهجوم الاستشهادي الثلاثي قبل عامين 15/11/2002) لفرسان سرايا القدس الشهيد البطل أكرم عبد المحسن الهانيني ، والشهيد البطل ولاء هاشم داود سرور ،والشهيد البطل محمد عبد المعطي المحتسب والذي قتل فيه 12 جندي وضابط صهيوني احدهم برتبة عميد.

وفي ذكرى استشهاده السابعة انطلق استشهاديان آخران هما محمد حسنين واشرف الأسمر لينفذا عملية أخرى حصدت 18 صهيونيا في تأكيد على النهج الذي خطه الشقاقي ما زال ينبض حياة ويتواصل فدمه لم يذهب هباء منثورا وهو يحصد المزيد من دماء الصهاينة ويشعل ويوسع دائرة الصراع مع الكيان الصهيوني.

مجاهدون على خطاك

سلاما لروحك الطاهرة سيدي أبو إبراهيم في الذكرى التاسعة لرحيلك

خاص ـ نداء القدس

في سبيل الله كان الشقاقي على موعد. لا يقدم رجلاً ولا يؤخر أخرى. لقد غرس قدمه في ساحة الجهاد لدفع العدوان عن أرضه والانتصار للحق في فلسطين.

أدرك الشقاقي أن الصراع مع هذا الوحش الضاري قد يودي إلى الموت لكنه أيضاً كان يدرك أن الإسلام والوطن يريد رجالاً ينتصرون للحق. وقد يستشهدون في الدرب الطويل للجهاد.

في كل ساعة فلسطينية نستلهم روحه وتفانيه من أجل قضيته. فلا ننكسر مهما قتلوا ولن نساوم مهما هدموا وشردوا.

فلسطين حق لنا من النهر إلى البحر ولئن تهامست الأصوات أو ارتفعت تنادي بالفتات من الأرض فإن شعبنا الذين منح الأمة قائداً كالشقاقي لا يتنازل عن ثوابته لأنها حقوق شرعها الله سبحانه وتعالى.

وعلى طريق الأرض المباركة باع الشقاقي نفسه لله فربحت تجارته ورسم الطريق واضحة للخلاص من براثن هذا الغزو المتوحش.

(يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم و أنفسكم)

(الصف 11)

(وأخرى تحبونها نصرٌ من الله وفتح قريب وبشّر المؤمنين)

(الصف 13)

فهل يعود الناسون إلى حقيقة القرآن. هل نقف أمام حدود الله فلا نتجاوزها حتى لا نخسر إسلامنا وجهادنا.

وما قتلوه وما صلبوه

تسع سنوات مضت، على رحيل القائد الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، تسع سنوات دارت خلالها الأرض حول نفسها آلاف المرات، وجرت في أنهار العالم مياه كثيرة، تغير الكثير من ملامح عالمنا، ومن وجوه ناسه وأخبارهم ومواقفهم.

لكن فلسطين ظلت مركز الكون، وقطب المجرة، كما قال الشقاقي، ظلت فلسطين ميدان اختبار البشرية في تذبذب الناس بين الخير والشر، بين الحق والباطل، بين العدل والظلم. وظلت فلسطين بارقة الأمل لنهضة الأمة ووحدتها، واستعادة مكانتها تحت الشمس.

مضى الشقاقي إلى حيث يمضي أمثاله، ليسكن ذاكرة الأجيال وضمير الأمة، صوتاً يتردد صداه في البرية أن لا حياة ولا مستقبل للأمة بدون فلسطين، جوهرة تاجها، ونبض قلبها وقضيتها الأولى. وأن لا حرية لفلسطين دون اتحاد الأمة وتوحد إرادتنا حول الهدف العظيم الذي يصل ما بين الأرض والسماء، ويتجاوز فوارق الحدود واختلاف الألسن وقسمات الوجوه.

قال الشقاقي: طريقنا الوحيد لاستعادة حقنا في وطننا هو أن نستعيد أنفسنا أولا، وأن نستعيد موقعنا الطبيعي في الخندق المتقدم للصراع، وفي مركز عالمنا العربي والإسلامي. وأن هذا المدى الرحب للصراع الذي يستوعب تاريخ الأمة وجغرافيتها، وهذا الامتداد له الذي يبلغ ما هو أعمق من اغتصاب الأرض ليصل إلى جوهر وجود الأمة، يجعل من فلسطين ساحة المواجهة الفاصلة بين أمة تشق طرقها للمستقبل، وبين عدو ينتمي إلى أساطير الماضي السحيق.

ذات مرة قال الزعيم الصهيوني ناحوم غولدمان:”يجب أن لا ينسى المرء أن العالم يمكنه تصور الشرق الأوسط بدون إسرائيل، ولكنه لا يستطيع تصور الشرق الأوسط بدون العرب والمسلمين”. كان غولدمان، مثل كثيرين غيره من الصهاينة قد أدرك أن مشروعهم حشر نفسه في خانة الوجود والعدم لهذه الأمة، وهي أكثر الخانات خطورة وحساسية بالنسبة لأمتنا كما هي بالنسبة لأي أمة أخرى. إنها خانة لا تترك للآخر أي اختيار سوى المواجهة.

لم يقتحم الصهاينة عالمنا ليشكلوا إضافة كمية أو نوعية له، أو حتى ليتسببوا بانتقاص نسبي كمي أو نوعي منه، بل اقتحموه بوصفهم نقيضاً له، وعلى أمل أن يصبحوا ذات يوم بديلاً عنه,

تلك هي المعادلة التي استوعبها الشقاقي بقدر ما استوعبها الأعداء في الخندق الآخر.

قرع الشقاقي ناقوس الخطر لكل العرب والمسلمين، ليتنبهوا لطبيعة هذا الصراع، الذي وإن انحصرت ميادينه المباشرة في فلسطين ومحيطها، فإن أهدافه ومراميه البعيدة تتجاوز هذه الرقعة المحدودة من الأرض إلى آخر موطئ قدم يقف عليه عربي، أو يصلي فوقه مسلم.

قال الشقاقي: إن فلسطين مركز الصراع، وميزان قوة الأمة أو ضعفها، وعنوان عزتها أو ذلها. وأن الأعداء لم يستهدفوا فلسطين لذاتها فحسب، بل وصولاً إلى ما حولها، فلقد أرادوا أن يجعلوا من احتلالهم لفلسطين مقتلاً لهذه الأمة، ومدخلاً للهيمنة على مقدراتها، وضرب مقومات نهضتها وتطورها.

قال الشقاقي: لتدافع الأمة عن نفسها في فلسطين ولتدفع الشر عن دينها ودنياها في رحاب المسجد الأقصى، ولتترسم طريقها إلى المستقبل، بقبول التحدي، وخوض الصراع حتى منتهاه، إلى أن يتحقق نصر الأمة كلها على روابي فلسطين وفي أكناف بيت المقدس.

أذن الشقاقي في الأمة أن حي على الجهاد، فانطلقت قوافل المجاهدين من أبناء فلسطين تدك معاقل الصهاينة على كل شبر من ثرى الوطن السليب، وتعيد رسم خريطة الصراع وفق قانون الحق الأصلي، لا حسب اعتبارات موازين القوى المادية، ومعايير التسويات المراوغة، ومغريات الحلول الوسط.

وخشي الصهاينة أن يخترق أذان الشقاقي أسس كيانهم المصطنع فيصدعها، وأن تستجيب الأمة لداعية الجهاد، فيتقاطر المؤمنون إلى فلسطين من كل فج عميق، ليذودوا عن ديار الإسلام، فيصبح كل ما بيننا وبين الصهاينة واقعة فاصلة مثل حطين، فتعود الأمور إلى نصابها، والحقوق إلى أصحابها، وتسوء وجوه الذين توهموا أنه في غفلة من الزمن، يمكن استلاب وطن.

ترصّد الصهاينة فكر الشقاقي ودعوته، فهالتهم قوتها وسرعة انتشارها، وتحولها إلى جموع تسعى على دروب الجهاد والشهادة. واغتال الصهاينة جسد الشقاقي، لكن فكره ظل يتقد في العقول والصدور، ودعوته ما زالت تجمع المؤمنين بحق هذه الأمة وبقدرتها على استعادة حقوقها كاملة غير منقوصة.

الذكرى التاسعة لاستشهاد الدكتور فتحي الشقاقي، والذكرى الخامسة لانطلاقة انتفاضة الأقصى المباركة، حدثان يتعانقان في سماء فلسطين، يتجددان مع كل شروق للشمس، ومع كل شهيد يحتضن ثرى الوطن، ومع كل أذان للصلاة، لتظل فلسطين على موعد مع النصر والحرية، وليجدد المجاهدون عهدهم على المضي في طريق الجهاد، الذي رسمه الشقاقي بفكره وعبّده بجسده الطاهر.

الدكتور المعلم الشهيد فتحي الشقاقي

قائد ومنهج

تتمثل في أي إنسان مزايا خاصة به قد لا تنطبق على أي مزايا أخرى في أي إنسان آخر وإذا كانت القيادة صفة لبعض الناس قد لا يتحلى بها بعضهم الآخر فإن لها مستلزمات ومؤهلات تتكامل في شخصية الإنسان ليكون قائداً يقود حركة أو شعباً أو أمة.

فالقيادة مؤهَّل ومسؤولية وما لم يتشكل في الإنسان مزيج من الأهلية وتحمل المسؤولية تصبح القيادة ضرباً من التحكم والسلطوية القمعية وقد تكون محل النقد أحياناً والسخرية أحياناً أخرى، وفتحي الشقاقي جمع في شخصيته المؤهّل وتحمل المسؤولية.

قد يتساءل بعضهم هل المؤهل يعني الشهادة العلمية أو الأكاديمية؟ أم أنه يعني غير ذلك حقيقة الأمر أن كلمة المؤهل الذي درج على فهمها الناس تعني الشهادة العلمية والمستوى العلمي الأكاديمي. لكن هذه الكلمة في جوهرها تعني أكثر من ذلك بكثير.

ففي مفهومنا الإسلامي الجهادي تعرف أن المؤهل للقيادة. يتمتع بصفات درج عليها المسلمون الأوائل ولم يفترقوا على أساسياتها. وهي كما نعلم . العلم والتقوى والعدل.

فقد يكون الإنسان صاحب مال ولكنه ليس صاحب تقوى أو علم عندها لا يصلح أن يقود حتى أبسط الأطر الاجتماعية. فقوى المال دون علم وتقوى تخلق في المجموع التملق والزيف والمراءاة وتحمل في طياتها مخاطر الفساد المستتر. ولا شك أن قوة المال متى ضعفت أو تلاشت بتلاشي كل شيء معها. حتى صاحبها الذي يقعد لا يلوى على شيء، ومن أمثلتنا على ذلك الشيخ المجاهد عز الدين القسام. فقد كان فقير الحال. لكنه كان غني العلم وغني التقوى وهذا ما أهله كي يقود ثورة في حياته وبعد استشهاده.

بل إن الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 انطلقت بشكلها الفعال بعد استشهاده مستلهمة خطه الجهادي وشعاره القائل إنه جهاد نصر أو استشهاد.

وعندما نتناول شخصية الشهيد فتحي الشقاقي تبرز لنا عدة اتجاهات لا بد من فحصها وإلقاء الضوء على جوهرها.

فالدكتور الشقاقي أبن أرض سلبت غصباً من قبل عدو شرس عاش طفولته في مخيم للاجئين برفح تفتحت عيناه على مأساة التشرد. مئات من أبناء الشعب الفلسطيني بل آلاف يتذوقون ثانية بثانية مرارة التشريد والقهر والجوع والفقر. إذاً هو لم ينحدر من أسرة غنية مستقرة ولم تتفتح عيناه على حياة هادئة تجمع مؤهلات السعادة والاستقرار.

كانت تلك الحياة الصانع الأول لجيله لجيلنا كلنا نحن الذين وعينا على المر والقهر والنكبات المتلاحقة.

وكأني فتى فلسطينيٍّ كانت تؤرقه مشاهد الانكسارات التي وقعت على الأمة العربية وشعب فلسطين بالذات. يبحث حوله عن حل يرى القومية العربية في أوج صراعها مع الأعداء فيتعلق بشعاراتها لكنه ما يزال ظمآن إذ لم يكن الشعار قد اكتمل ولم يكن يختزنه الإسلام الجهادي .. كانت نكسة 1967 فأفرغت كثيراً من الشعارات. والجميع يبحث عن حل ومرت السنوات ويهبط العالم العربي إلى الهاوية. اتفاقيات كامب ديفيد وكان قد سبقها مذبحة أيلول بحق الشعب الفلسطيني في الأردن. انحدار التخلي عن الفلسطينيين بلا ثمن هو وأرضه.

لا وطنية بدون إسلام. ولا إسلام بدون جهاد صادق ولا إسلام بدون فلسطين. تلك هي المعادلة الإسلام وفلسطين والجهاد. ويبرز الشيخ عز الدين القسام كأول قائد إسلامي يدرك هذه المعادلة منذ أكثر من خمس وأربعين سنة. فلنبحث مرة أخرى عن هذا الرجل عن القسام ثم لنبحث عن كيفية فهم المعادلة.

وكان اكتشاف السر سورة الإسراء.. القرآن وفلسطين. والجهاد. فكانت البداية اكتشاف الرؤية. اكتشاف طريق البوصلة على حد تعبير الدكتور الشهيد الشقاقي. ولئن كانت ظروف ثورة القسام غير ظروف الثمانينات إلا أن الثوابت التي لا يمكن بدونها فعل شيء لا بد أن تبقى ثوابت ولكن من خلال رؤية عصرية وفهم صحيح للواقع الجديد الذي يعيشه الشعب الفلسطيني تحت نير الاحتلال وفي الشتات.

كل تلك الوقائع التي نختزل الكلام فيها صنعت الشقاقي المفكر وصنعت الشقاقي المنهج وصنعت الشقاقي القائد. فالقيادة مسؤولية أمام الله أولاً وأمام مصير الأمة ثانياً. ليست القيادة زعامة واستعلاء وفوقية إنما هي أعباء تهد الجبال فيها حساب أخروي وفيها مسؤولية دنيوية وفيها دماء تسيل. وفيها سهر الليالي وآلام السفر وعناء المرض والإرهاق حتى الثمالة أترى معي كيف يمكن أن تُصنع القيادة في هذه الرؤية الإسلامية الوطنية الفلسطينية العربية الإنسانية؟

الإسلام وفلسطين والجهاد

أين تكمن المعادلة في القرآن الكريم؟

فلسطين في قلب القرآن

ماذا تعني فلسطين في منظور الدكتور الشقاقي؟

يرى الدكتور الشقاقي أن فلسطين هي مركز الكون مركز الصراع الكوني بين قوى الحق وقوى الباطل وإذا نظرنا إلى جغرافية هذه الأرض وتاريخها أدركنا ماذا يعني فهمنا لفلسطين على أنها مركز الصراع الكوني بين قوى الشر وقوى الخير.

لقد شكلت فلسطين أهم مركز ديني عبر التاريخ بعد الكعبة المشرفة. وفيها التقت الجيوش والحروب الإستراتيجية وحددت مصير كثير من الغزاة والجيوش إنها أولاً آية من كتاب الله سبحانه القرآن، وهي ثانيا مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم

وهي ثالثا: أهم نقطة استراتيجية في المجال الحيوي والإستراتيجي. فهي إذا ما احتلت أكبر عقبة في طريق وحدة الأمة العربية ولهذا عمل المسلمون منذ عهودهم الأولى على تقوية مركزها عسكريا وإداريا حتى تكون سداً أمام الغزاة القادمين من البحر أو البر.

إن أهمية أية بقعة عربية أو إسلامية لا تضاهي أهمية أرض فلسطين. لأن هذه الأرض جمعت رأسي الصراع في العالم. الرأس الصهيوني والرأس الإسلامي الجهادي ولو نظرنا إلى قوى العالم الآن لوجدنا أن الارتباط مع الكيان الصهيوني يعتبر أساس التوجه الاستعماري العالمي في المنطقة. وستكون هذه المنطقة مستقبلاً محور الصراع بين الأمة العربية والإسلامية وبين قوى البغي الصهيوني الأمريكي الغربي.

فالكيان الصهيوني رأس الحربة للاستعمار الغربي في العالم. وهذا العالم الغربي يدرك قبل غيره أن هذه الأمة متى استيقظت وتخلصت من التبعية بكل أشكالها ستكون أكبر خطر على مصالح المستعمرين في العالم. فالأمة العربية والإسلامية فيها من الطاقات الروحية ما سيؤهلها لقيادة العالم. وفي أرضها ثروات أساسية كالبترول لو تحكمت بها أيد أمينة لعجز الغرب عن أي تقدم عسكري أو مادي.

إن هدف الاستعمار منذ اتفاقية سايكس بيكو تجلى من خلال تقسيم المنطقة العربية إلى دويلات ومن ثم إقامة ما يسمى وطناً قومياً لليهود في فلسطين. وفعلا استطاع الغرب أن يشل حركة الوحدة العربية والإسلامية التي تبدو إذا ما تحققت مخيفة للغرب وحتى لا تتعلق أنظار المسلمين بالمركز (القدس) راحت تكرس أشكال التعاون اليهودي الغربي على كافة المستويات لتخلق تطلعات أخرى للمسلمين من شأنها الانشغال الحقيقي عن التوجه إلى مركز الصراع الحقيقي بين الغرب واليهود من جهة والمسلمين والعرب من جهة أخرى.

المشروع الإسلامي الجهادي البديل

من خلال تلمس الواقع الذي تشهده الصحوة الإسلامية التحررية في فلسطين والعالم الإسلامي نجد بدء تباشير انقلاب المعادلة في الصراع بين اليهود والمسلمين، فقد انتشرت تلك الصحوة في فلسطين المحتلة وراحت القوى الإسلامية تتلمس طريقاً جديداً للصراع يعتمد على منهج ذي رؤية وطنية إسلامية قومية إنسانية واقعية. وأصبح واضحاً أن هذا الاتجاه الجديد يحمل تباشير القوة الفاعلة التي تستطيع مجابهة العدو اليهودي حيث يُتخذ في هذا الصراع القرآن الكريم دستوراً والبندقية والجهاد المسلح طريقاً عملياً واقعياً. وصار من الواضح أن الاستناد القرآني التاريخي والوطني الواقعي صار باستطاعته مجابهة الاستناد التوراتي الدموي والاستعماري على السواء. وكم هو الفرق بين الاستناد على عقيدة إلهية وبين الاستناد على فلسفة وضعية.

إن العقيدة والإيمان بها يدفع الإنسان المجاهد نحو الشهادة متيقنا بالفوز الأخروي والرضا الإلهي وهذا ما كان يفتقده الكثيرون ممن يصارعون العدو ويسقطون على طريق النضال دون ربط التضحية بالجزاء الإلهي. ولعل العمليات الاستشهادية التي نفذت خلال سني الانتفاضة كانت الدليل الأقوى على نجاح الإنسان المجاهد المسلم في خلق التوازن بين معنى الحياة والجهاد فيها ومعنى الحياة البرزخية التي بشر القرآن بها الشهداء والإيمان بالله قبل كل حساب يدفع المجاهد نحو الصراع وهو يحمل في روحه وقناعته الراسخة أن الشهادة طريق النصر في الدنيا وطريق الخلود في الآخرة وأن النصر هو تحقيق لوعد الله ومطالبته المؤمنين بعدم الرضوخ للمستبد والمحتل والظالم. يأخذ الجهاد هنا دور الفرض الإلهي الذي فرضه الله على عباده. إنه تنفيذ لطلب من الله والغاية فيه تحرير المقدسات ونشر كلمة الحق والتوحيد ودحر كلمة الشرك والإلحاد والاستغلال والعلو والإفساد ومعاقبة المفسدين أينما وجدوا ونشر عدل الله على الكون. وعندما يعم الجهاد القرآني الواعي في فلسطين والعالم الإسلامي تصبح ردة الفعل عند اليهود كافة ذات منحى مغاير قد يمتاز بالانتحار والهروب وهنا يكمن مقتل العدو لأنه إن حارب سيحارب دون أي استناد ديني أو واقعي.

إن تجسيد التوجه الجهادي عند الشقاقي وحركة الجهاد الإسلامي تقوم على عدم حصر دور الإسلام في المواعظ والإرشاد كما هو الحال في عالمنا العربي والإسلامي. إنها ترى أن هناك علاقة أساسية جدلية بين طريق الجهاد المسلح وطريق الهدى والإرشاد.

وينظر فكر الشقاقي وحركة الجهاد الإسلامي إلى أن هدفنا إقامة الدولة الإسلامية وإبادة الكيان الصهيوني من جذوره ومحاربة الصهيونية في كل مكان من العالم. وزوال الكيان الصهيوني حتمي قدري أو حتمية قرآنية. وصراع المسلمين مع أعدائهم يجب أن يبدأ من فلسطين والحل الأنسب لتحريرها هو حرب تحرير شعبية إسلامية تؤدي إلى تدمير الكيان الصهيوني المغتصب وإقامة دولة إسلامية في فلسطين.

ووجود اليهود في فلسطين هو تجسيد للتحدي الغربي الحديث ولا يمكن الانتصار عليه إلا من خلال نهج إسلامي معاصر يمتلك قوة القران وقوة الجهاد الفعلي ضد الغزو اليهودي الغربي فلا اعتراف بالعدو ولا بالمفاوضات ولا تهادن على الأرض ولا مساومة على الحقوق.

إن حل القضية الفلسطينية لا يتم عن طريق الحلول الجزئية كاتفاق أوسلو أو مفاوضات كامب ديفيد أو وادي عربة. حل القضية ليس بيد الأمم المتحدة والمحافل الدولية التي تسيطر عليها قوى الشر الاستعماري. إن الحل يكمن في الحرب المقدسة ضد العدو بشتى السبل وشتى الأزمان وطالما أن تحرير فلسطين كل فلسطين هو الطرح الذي يتبناه المنهج الجهادي الإسلامي العملي فإن هذا المنهج يرفض أي حل جزئي للقضية ويرفض بالتالي أي طرح لحكم ذاتي أو دويلة في الضفة والقطاع. وجهادنا لن يتوقف طالما هناك شبر واحد محتل في فلسطين كل فلسطين من النهر إلى البحر.

لقد استشرف تفكير الشهيد القائد الشقاقي المستقبل المعتم من جانب والمستقبل الجهادي المشرق من جانب آخر. وقد شكّل هذا الاستشراف لدى الصهاينة هاجس رعب فقرروا التخلص من الشقاقي بأي شكل من الأشكال خوفاً من تعميم نهجه ورؤيته في الجانب الفلسطيني كله.

في ذكرى الشهيد القائد فتحي الشقاقي

«عن رجل عبر حياتنا مثل برق»

نافذ أبو حسنة

ثمة من سأل مرة: هل قدر أولئك الذين نحبهم أن يعبروا سريعاً؟ أم أننا نحبهم أكثر لأنهم مضوا مسرعين؟ هذه حال البرق. يضيء. ونظل ننتظر إطلالة أخرى.

كتب الشاعر معين بسيسو مرة عن رجل «ينبت البرق من بين أصابعه». حينما تقرأ، تحاول تخيل الصورة: كيف لبرق أن يضيء من بين الأصابع؟ لا شك أنه يقصد الاستثناء.. يقصد رجلاً مضيئاً، رجلاً يحطم العتمة كي يشق طريقاً يفتح على مدى شاسع.. من الصعب أن تدرك نهايته. أليس هذا هو حال البرق؟

هو حال شهيد عبر في الحياة مثل برق، لكنه ظل يضيء، ظل يفتح أبواباً نحو رؤى نحو آفاق رحبة، بالضبط، عندما خال للآخرين، فقالوا: إن الطرق مسدودة.

رحمك الله ـ يا أبا إبراهيم ـ ها هي ثمان من السنين مضت، لكن الغياب امتداد حضور. ويحار المرء في كيف يحل لغز معادلة تنبئه أن شهيداً ما زال حاضراً.. ويطل حتى لكأن غيابه يعادل الحضور؟ لا يحتاج الأمر إلى الاستغراق في لغز، أو البحث في معادلة: لقد حملت ضوء البرق وخواصه. لكنك حفرت مساراً على الأرض.. مساراً يستطيع من سمعوا كلامك أن يخطوا عليه وهم ممتلئون بالثقة بأنهم يعرفون إلى أين يتجهون.

سمعوا الكلام. أنت قلت «.. دوروا مع فلسطين حيث تدور». كان هذا الرد على من حاول وضع فلسطين في يده أو جيبه، ومن ثم يدعي النطق باسمها ليل نهار، حتى ليخال سامعه أن التمييز بين الشعب ومن يقول إنه الناطق باسمه أو الحامل لفلسطين في جيبه، أمر مستحيل.

قلت: إن فلسطين أكبر من الجميع. لم يكن هذا شعاراً لغوياً. كان تقرير حقيقة آمنت بها وعملت بمقتضاها. وإيمانك بهذه الحقيقة، ارتبط بمركزية فلسطين في القرآن الكريم على نحو ما اكتشفته، وسعيت إلى شرحه، وتبيان معناه، لتفتتح أفقاً كان هناك من يجهد كي يوصده.

رحمك الله ـ يا أبا إبراهيم ـ. لقد حسب القتلة أنهم باغتيالك، سوف يقتلعون الفكرة والمسار والدرب.. لكن البرق ظل يضيء. بقيت الحاضر في كل خطوة وكلمة.. كل منها ترفع منارة تظل تعلو.. تظل تقول: «دوروا مع فلسطين حيث تدور»..