إن ما تعرفه السجون المغربية من تراجعات خطيرة في السنوات الأخيرة، وما تسعى إليه الإدارة المركزية الحالية من محاولات يائسة لطمس معالم هذا الواقع ومرارته وصبغه بمساحيق لا ترقى إلى إصلاح ما أفسدته يد المخزن ـ إن ذلك كله ليستفز ضمائرنا للإدلاء بهذه الشهادة، خاصة وأننا ظللنا شهودا على هذه المأساة طيلة اثنتي عشرة سنة بالسجن المركزي بالقنيطرة وسنة كاملة بالسجن المحلي بوركايز بفاس وخبرة استقيناها من بعض السجون الأخرى، كسجن سلا وتطوان وعين قادوس ووجدة… وزاد من إلحاح وضرورة الإدلاء بهذه الشهادة لا مبالاة المسؤولين تجاه تظلمات المعتقلين عامة والسياسيين الإسلاميين منهم خاصة، وغلق أبواب السجن في وجه المنظمات الحقوقية ومكونات المجتمع المدني، ثم ما يعرفه المشهد السياسي المغربي من تراجعات خطيرة مست بحقوق السجين وأخلت بسير القوانين المنظمة للسجون.

ونحن إذ ننتهز مناسبة مرور ثلاثة عشر عاما على اعتقالنا الجائر لنكشف الغطاء على وجه هذه المأساة، نرجو أن تتحرك الجهات الرسمية المعنية والفعاليات الحقوقية الجادة وذوو المروءات لحماية المعتقلين من التعسفات الجائرة والإجراءات غير القانونية المتخذة ضدهم.

I. خلل في التسيير وفساد في الإدارة:

1)- اختلال في التسيير:

رغم أعزوفة الحداثة التي يتغنى بها المسؤولون والتي صمت بها آذاننا هذه الأيام فإن الإدارة الحالية لا تزال تنهل من العتاقة حتى الثمالة، ويظل أسلوبها في التسيير غاية في الرجعية والتخلف، إن على المستوى المركزي أو المحلي.

فعلى المستوى المركزي يميز هذه الإدارة في التسيير سمات قادحة نوجز بعضها فيما يلي:

* الغلو في اعتبار الهاجس الأمني على حساب جوانب أخرى، حتى إنها أضحت مثالا صارخا لانتهاك حقوق الإنسان نتيجة لذلك. الاعتبارات الأمنية على أهميتها لا تسمح بأي حال أن تكون ذريعة للحط من كرامة السجين وحرمانه من حقوقه. فعدد لا يستهان به من السجناء يحرم من حقه في التطبيب بالمستشفى بدعوى نيتهم المبيتة في الفرار، أو يكون ذلك سببا في إهانته أمام الملأ في أحسن الأحوال. هاجس حكمته النظرة الدونية للسجين نطقت بها عبارة السيد المدير العام في الحوار المنشور بجريدة البيضاوي عدد 1180بتاريخ 29/09/2004 ، حيث جاء فيه: “هذا دون أن نغفل أن عددا من السجناء يدعون المرض ويسعون إلى الخروج إلى المستشفى رغبة في التملص من قواعد السجن”.

* غياب تفقد أحوال المؤسسات السجنية حيث يعاب على الإدارة الحالية عدم تفقدها لأحوال السجناء عن كثب والاستماع إلى مطالبهم واحتياجاتهم وشكاويهم، وكأن التقارير المرفوعة قد أغنتها عن السؤال عن أحوال الرعية التي هي مسؤولة عنها في الدنيا أمام الناس وفي الآخرة أمام الله. فمنذ تقلد السيد المدير العام الحالي زمام الأمور على رأس هذا الجهاز الإداري لم يشهد له السجن المركزي بالقنيطرة (أيام وجودنا به) إلا زيارتين عابرتين. أما السجن المحلي بوركايز فلم يحظ سوى بزيارة يتيمة وخاطفة مساء يوم الجمعة 03/09/2004، بعد إغلاق أبواب الزنازن، تفقد فيها كل شيء إلا أحوال السجناء.

* غياب الروح الحوارية التي تتوخى تفهم مشاكل المعتقلين: خاصية تميز هذه الإدارة، هي نتاج طبيعي لغياب التفقد عن قرب، إذ لا يلمس فيها إلا لغة الأوامر والتعليمات وفرض سياسة الأمر الواقع.

سمة لمسناها نحن وعائلاتنا حينما أقدمت على زيارة السيد المدير العام بمقر إدارته يوم الجمعة 11/07/2003 حيث فاحت من خطابه رائحة التهديد والرغبة في كسر “الرؤوس الصلبة” على حد تعبيره.

* طغيان هاجس “لي الذراع” والتوجس من مطالب السجناء: النضال والاحتجاج من أجل تحقيق المطالب وسائل تعارف عليها الناس حين تنتهك حرماتهم وتسلب حقوقهم. وفي قاموس الإدارة الحالية لا مكان فيه لتلك الوسائل لأن لها تعريفا آخر، ومعناها التحدي لقرارات الإدارة ومحاولة للي ذراع المسؤولين، ومطالب السجناء تبعث على التوجس والحيطة لأنها في أغلبها تدل على “سخونة رأس” لا ينبغي الاستجابة لها، بل لا بد من مقابلتها بكل حزم وصرامة حتى لا تخبو صورة المخزن الحازم أمام أعين السجناء.

* عدم الوفاء بالوعود المقدمة: ليس قصدنا الإهانة أو الحط من شخص الإدارة الحالية، وإنما هي سياستها في المحك، يؤاخذ عليها أنها كلما ألمت بها شدة اضطرتها إلى تقديم الوعود ـ وليس غير الوعود ـ سرعان ما تنقض ما أبرمت وتتحلل منه. ذلك أن علاقة الإدارة بالسجين هي علاقة فوقية تمثل فيها الأولى الطرف الأقوى، لذا تجد نفسها غير ملزمة لتوثيق وعودها بالكتابة، وإنما تكتفي في ذلك بالوعود الشفوية. وعود إن لم تف بها أفقدتها ثقة السجناء وألقت في روعهم توجسا وخيفة من التعامل معها، مما يورث الشحناء ويعقد حلول المشاكل ويضع صورة الإدارة موضع ريب.

* الترفع عن مقابلة السجناء أو عائلاتهم أو المنظمات الحقوقية أو حتى موظفي الإدارة، وعدم الرد على مراسلاتهم: نقلة نوعية حققتها الإدارة السابقة وميزة تسجل لها في هذا المجال. فقد اعتدنا يسر المقابلة كلما أتيحت لها فرصة زيارة السجن، كما أن عائلاتنا كانت تلقى ترحيبا وحسن استقبال. وكانت الأبواب مشرعة أمام المنظمات الحقوقية وفعاليات المجتمع المدني في إطار سياسة “الأبواب المفتوحة”. بل وحتى الموظفين كان مرحبا بهم وبطلباتهم وشكاياتهم. فأصبح ذلك كله في خبر كان، وحتى الزيارات التي قامت بها بعض المنظمات الحقوقية لبعض السجون فكانت بترخيص من وزير العدل نفسه، بينما ظلت ملفاتها وطلباتها متراكمة على أدراج مكتب السيد المدير العام الذي اكتفى بالردود الكتابية المرصعة بالأرقام المهولة والحقائق المغلوطة.

ولم تخل الإدارات المحلية من تلك الآفات بل ابتليت أيضا بأخرى مشينة طبعت أسلوبها في التسيير، من قبيل سيادة لغة التعليمات في خطابها وفي تصرفاتها وهيمنة تمركز القرار الإداري، حيث لا مجال للحرية في اتخاذ القرار ولا مجال لمناقشة أي قرار صادر عن الإدارة المركزية عبر جهاز التحكم عن بعد. وخير مثال على ذلك ما تجرعناه من مرارة هذه الآفة، ذلك أنه كلما تعلق الأمر بحالات ومواضيع خاصة ـ كما هو حال المعتقلين السياسيين ـ إلا وضاق هامش الحرية في اتخاذ القرار وضاقت معه سبل التفاهم وإمكانية معالجة المشاكل العالقة. وقد بلغ الأمر حدا أصبح فيه قرار فتح ثلاث زنازن بالجناح الذي نقطنه بيد السيد وزير العدل شخصيا! أمر أثار استغراب كل من زارنا من المسؤولين أو المنظمات كالمجلس الاستشاري والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان.

كما أن الإدارة المحلية نفسها تحتكر ـ فيما هو مخول لها ـ سائر الصلاحيات؛ إذ لا مجال للتفويض الإداري للسلطة لمن هم أهل لها، الشيء الذي يتسبب في كوارث فادحة ومشاكل عويصة، خاصة في الأوقات الحرجة التي تستدعي سرعة اتخاذ القرار.

وخير مثال على ذلك ما وقع في بعض السجون ( كسجن الجديدة) في السنوات الأخيرة من حرائق أودت بعدد كبير من الأرواح، والسبب تجريد المكلفين المباشرين وقتئذ من حرية اتخاذ القرار المناسب وإضاعة الوقت الثمين في البحث عن أصحاب القرار على حساب إنقاذ أرواح بريئة.

أمثلة أخرى تتعلق بالحالات المرضية الاستعجالية في غير أوقات العمل الإداري، أو حين غياب المسؤول المباشر الذي بيده اتخاذ القرار، فقد تلقى أغلبها مصيرها المحتوم دون أن تجد من يسعفها، خاصة بالسجون الصغيرة أو البعيدة عن مركز العاصمة أو التي تقع خارج المجال الحضري، كما هو الحال بالنسبة لسجن بوركايز بفاس.

وقد ابتلي أحدنا ذات ليلة بمغص شديد في كليتيه فظل على تلك الحال يتضور ألما لساعات طوال ينتظر مشاورات المسؤول الليلي مع السيد المدير حتى تقيأ الدم، قبل أن يؤذن له في الخروج. “حظوة” ليست في متناول سائر السجناء!

ولا زالت الطاقات الشابة المثقفة والطموحة مهمشة ومبعدة عن قصد عن تسيير المؤسسات السجنية، وتشهد أغلب هذه السجون صراعا شديدا وخفيا بين الفئتين: الشابة والكهلة، مما ينعكس سلبا على السير العادي لنظام المؤسسة؛ إذ لا تمل الطاقات الشابة من إبداء تذمرها وامتعاضها من سيطرة العقلية العتيقة واحتكارها لدواليب السلطة والتسيير، بينما تفقد الفئة المتحكمة ثقتها في الأولى فتحجم عن إشراكها في التسيير، وإذا ما فعلت فبعد انخراطها في سلك العتاقة.

صراع خبرناه طيلة مدة اعتقالنا الثلاثة عشر وشهدناه عن كثب سواء بالسجن المركزي بالقنيطرة أو هنا بسجن بوركايز بفاس. شهادة يؤكدها المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ـ وهو جهة رسمية ـ في تقريره الأخير ويؤاخذ على الإدارة استمرار العقلية القديمة لدى الحراس والمسيرين في التعامل مع السجناء.

وإن ادعاء السيد المدير العام اهتمام إدارته الكبير بتكوين أطرها وعزفه على وتر الأرقام المهولة ـ كما هي عادته دائما ـ لن يغير من حقيقة الواقع المعيش شيئا. ورغم الشراكة التي أبرمتها الإدارة مع كلية التربية لتكوين أطر عليا لتلقين المستفيدين طرق وأساليب المعاملة والبرامج الكفيلة بتأهيل السجناء، فإن هاته الأطر ـ على حد ما خبرناه ـ لا تلقى التشجيع الكافي ولا تناط بها إلا مهام هامشية لا ترقى إلى مستوى تلك الادعاءات، كتوزيع الأدوية وتنظيم المواعيد الطبية أو تبديد الوقت في مكاتب فارغة. إنها مسألة إرادة حقيقة في التغيير والتجديد وليس مجرد أرقام ترصع بها البيانات.

آفة أخرى لا تقل أهمية، وإن كانت لا تختص بهذه الإدارة، إلا أن الاحتكاك اليومي يجعلها ألصق بها من غيرها، وتتعلق بالبيروقراطية المميتة. فهي تشل الحركة والسير العادي للعمل، كما أن كثرة القيود والأبواب والإجراءات الزجرية وضيق هامش الحرية يجعل منها عبئا ثقيلا على كاهل السجناء حيث تعطل مصالحهم بشكل مأساوي.

2) فساد في الإدارة:

هيمنة الفساد الإداري على السجون المغربية يعيق كل عملية إصلاح أو تقويم، ويظل السبب الرئيسي وراء تفشي كثير من الظواهر السلبية والانحرافات الخطيرة التي تجعل من السجن أرضا خصبة لاحتراف الرذيلة والإجرام. وأية محاولة لإصلاح الهياكل والمرافق على أنقاض واقع مترهل يشكل فيه بعض الحراس والإداريين معاول للهدم، تبقى يائسة لا تبغي إلا تلميع السمعة الحقوقية المنهوكة في الخارج لا غير.

حراس السجن:

عقد المرسوم التطبيقي للقانون 98/23 أمالا عريضة على دور الحراس في تسهيل مهمة الإصلاح التي تتوخاها إدارة السجون، لكن تلك الآمال ستتكسر على صخرة الواقع باستهانة الإدارة المركزية في ضبط معايير اختيار الموظفين وتساهلها في تكوينهم تكوينا جيدا يؤهلهم لمهمة “مراقب مربي” لأعقد فئة وشريحة من المجتمع، وكذا صعوبة وضعيتهم المتجلية أساسا في تدني الأجور إلى حدود دنيا، وفي غياب تغطية اجتماعية مناسبة على غرار نظرائهم في مصالح ومديريات أخرى، وفي مقابل ذلك كله فهي تشتغل في ظروف قاسية أحيانا يغلب عليها طابع الحذر والخوف من العواقب التي تجعلها بين مطرقة المسؤولين وسندان السجناء. كما تضطر أحيانا أخرى للعمل لمدة ساعات طويلة دون تمتيعها بما يكفي من الراحة الجسدية والنفسية وبتعويض مناسب على المخاطر.

إذا كان القانون أعمى فإن للمسؤولين أعينا يبصرون بها أحوال هذه الفئة ضحية ضعف الأجور وصعوبة شروط العمل مما يسهل عليها ـ وهي من الفئات الفقيرة أصلا ـ التهاوي فريسة الطمع والجشع والمعاملات المريبة مع السجناء.

إن هذه الشريحة تزداد بؤسا وتذمرا في ظل أنانية المسؤولين الذين يتمتعون بأجور وامتيازات خيالية ولا يلقون بالا لظروفها المعيشية ولا يتقنون سوى الحديث بلغة القانون الحديدية كلما تعلق الأمر بمخالفة أو هفوة من أحدهم.

والحديث بلغة الواجب عن تطبيق القانون في حق هذه الفئة دون تمتيعها بكافة حقوقها والنظر في أحوالها ضرب من التعقيد وابتغاء المستحيل والواقع على ذلك شهيد.

وإذا كان عامة الموظفين ضحية القانون الأعمى والواقع الموبوء فإن فئة منهم ممن لهم بعض المسؤوليات أضحت رمزا من رموز الفساد ومظهرا من مظاهر اختلال نظام تسيير المؤسسة، بتكتلها وتتعاضدها من أجل ابتزاز السجناء في كل صغيرة وكبيرة، ونظرا للمكانة المتنفذة التي حظيت بها بطرق ملتوية ومشبوهة فقد صارت العمود الفقري لشبكة المخدرات وسائر المعاملات الخارجة عن القانون والمفسدة لأحوال السجناء.

فئة تعد على رؤوس الأصابع لكن تورطها مع بعض المسؤولين وحمايتهم لها جعل نفوذها يزداد باستمرار وشهيتها تفتح على مصراعيها دون حسيب أو رقيب.

والغريب أن هؤلاء ـ على شهرتهم في الوسط السجني ـ لا يشار إليهم ببنان كلما حان وقت الحساب فيفديهم الأبرياء وتطوى الملفات وتودع الرفوف.

الانتشار المهول للمخدرات:

تظل السجون ـ التي ينبغي أن تكون في منأى عن آفة تعاطي المخدرات والمتاجرة فيها لأنها مراكز للإصلاح والتهذيب ـ قاعدة خلفية لإمداد المجتمع بطائفة عريضة من المدمنين. كل هذا أمام مرأى ومسمع من المسؤولين الذين يقدمون الجانب الأمني على حساب الدور التربوي والإصلاحي. فالمسجون بتعاطيه المخدرات يصبح همه الوحيد هو اقتناء مخدر ينسيه واقعه الموبوء حتى يضحى المسكين الكئيب طاحونة لإنتاج الدمار الخِلقي والخُلقي، لأنه أصبح أداة طيعة في أيدي المروجين الكبار، أصحاب النفوذ.

ومما يمعن في انتشار هذه الآفة الخطيرة عدم كفاية الجهود المبذولة للتصدي لها، ويزيد الطين بلة نظرة كثير من المسؤولين ضعاف النفوس إلى السجن بأنه سوق رائجة للمخدرات تعد بترف سريع، يستدرك ضآلة الأجرة الزهيدة التي يتقاضونها، ولم لا وهم في مأمن من المتابعات القضائية! ناهيك عن مصلحتهم في ترويج المخدرات للحد من وتيرة الاحتجاج على الوضعية المزرية التي تصطلي بلظاها الفئات العريضة من السجناء. فتعاطي المخدرات تجعل المسجون في منأى عن المطالبة بحقوقه التي تضمنها له القوانين المنظمة للسجون، بل يصبح ديدنه الوحيد الحصول على جرعات مخدر يشل حركته وينتشي به بعض الوقت ليفيق من غيبوبته الآنية فيجد نفسه مضطرا لإعادة الكرة دون أي عائد مالي يسدد به التكاليف، إلى أن يصبح لقمة سائغة في أيدي الوحوش البشرية التي تهتك عرضه وشرفه.

تفشي الرشوة والمحسوبية وابتزاز العائلات:

الرشوة والمحسوبية سوسة تنخر جسم السجون المغربية عامة، حيث فتحت لأصحاب النفوذ والمال والمكانة الاجتماعية الطريق على مصراعيه، رغم أن المرسوم التطبيقي للقانون 98/23 في مادته 3 يمنع على الموظفين ” قبول أي هدية أو امتياز أو وعد بصفة مباشرة أو غير مباشرة من المعتقلين أو ذويهم”.

والضحية الكبرى هم السجناء الفقراء الذين ليس لهم من يعيلهم سوى تلك الحقوق التي يضمنها لهم القانون على هزالتها، فحينما يستفيد ذوو النفوذ من امتيازات غير قانونية فعلى حساب الضعفاء وحقوقهم.

وتبدأ الإتاوات من أبسط حق يمكن الحصول عليه حتى صار التعامل خارج هذا النظام شاذا وغريبا.

كما تتعرض العائلات عند مداخل السجون لابتزاز فظيع أمام مرأى ومسمع من الناس، بل إن كثيرا من الزوار لا يسلمون من الإهانة والسب والشتم والضرب المبرح أحيانا لمن سولت له نفسه الاحتجاج أو المطالبة بحق أو بحسن أداء الواجب.

كما يتم اللجوء إلى أساليب ملتوية لابتزاز العائلات كتعمد إهمال الحوالات البريدية في البريد لإجبارها على الرجوع إلى أصحابها ليصطحبوها معهم إلى السجن أثناء الزيارة وتسلم بطرق غير قانونية تؤدى عنها “رسوم جمركية” باهظة.

II. هشاشة الحقوق الأساسية للسجين ونقص أداء الخدمات المرفقية:

لا يفتأ المسؤولون ينوهون بالإنجازات المهمة التي حققتها مديرية إدارة السجون لرفع مستوى الحقوق الأساسية للسجين والواقع أن السجن أضحى مستنقعا للحط من الكرامة الإنسانية للسجين والحرمان من حقوقه الأساسية كالحق في السكن اللائق والتغذية المتوازنة والعناية الصحية وحقوق أخرى نصت عليها المواثيق الدولية والقوانين المحلية.

1)- السكن غير اللائق:

أكد القانون 98/23 في مادته 113 على ضرورة توفير السكن اللائق لكافة السجناء، ونص على أن “يتم الاعتقال في ظروف ملائمة للصحة والسلامة”.

هذا الحق الحيوي، صار مطلبا عزيزا لدى السجناء، بسبب عوائق شتى يتصدرها مشكل الاكتظاظ الذي تعاني منه السجون المغربية منذ أمد ليس بالقريب.

فإذا كان السجن المحلي بوركايز بفاس يعرف تسوية نسبية لمشكل الاكتظاظ، لحداثة بنايته التي تستوعب عدد السجناء الموجودين به، فإن نسبة الاكتظاظ بأغلب السجون المدنية كسجن عين قادوس بفاس مثلا جد مقلقة، ولعل هذا المحيط الخانق مما يفسر بعض أعمال الشغب المفزعة التي تحدث من حين لآخر.

ومما يغذي هذا الاكتظاظ كثرة الوافدين على السجن، وفشو ظاهرة العود، وعدم تفعيل مساطر السراح المقيد. ويزيد هذا المشكل استفحالا سوء تدبير المسؤولين المحليين لملف السكن داخل السجن حيث يحشرون أفواج السجناء الوافدين ـ في العنابر خاصة ـ حشرا وكأنهم بضائع تخزن في المخازن والمستودعات، دون أن يكلفوا أنفسهم إيجاد أسرة للنوم، وتخصيص أماكن لإيداع الأمتعة، وأخرى للطبخ الجماعي بدل أن يستعمل كل سجين مكانا خاصا به، وما يترتب عن ذلك من اختناق وضعف التهوية واحتمال نشوب الحرائق.

وفي غياب معالجة جدية لمشكل الاكتظاظ يصبح السجناء والموظفون على حد سواء عرضة لمختلف الأمراض المعدية، خاصة وأن الإدارات المحلية لا تتخذ إجراءات وقائية جدية في هذا الباب.

ولا يفوتنا هنا التنبيه إلى غياب الشروط الصحية للسكن اللائق بسبب قلة النظافة والتدخين والتعاطي لمختلف أشكال المخدرات، أضف إلى ذلك صخب الأصوات الصادرة من أجهزة التلفاز والراديو وآلات التسجيل والتي لا يملك ينعم معها السجناء بقسط من الراحة والهدوء سواء بالليل أو بالنهار، حتى اضطر الكثير منهم إلى تناول العقاقير المهدئة والمنومة.

2)- التغذية غير المتوازنة:

تظل التغذية غير المتوازنة الطابع الغالب على معظم الوجبات المعدة للسجناء، مع أن المادة 113 من القانون 98/23 نصت على ضرورة إيجاد “تغذية متوازنة” للسجين. ولا ينحصر مشكل التغذية في طريقة التحضير والكم الكبير للسجناء كما صرح بذلك السيد المدير العام مؤخرا، بل إن الإخلال بالتوازن الغذائي يتجلى أساسا في سوء التغذية ونقصها.

* سوء التغذية :

بات من الواضح أن عامة السجناء أصبحوا يعانون من سوء التغذية بسبب رداءة الوجبات الغذائية المقدمة إليهم. فقد ظلت رداءة الخبز قائمة لسنوات، وأما وجبة الطعام المكونة من الخضر المطهية؛ البطاطس والجزر والبصل والطماطم أساسا، فهي هزيلة، ولذلك اصطلح عليها السجناء تهكما وجبة “سبع خضاري”. ولا تلقى هذه الوجبة إقبالا إلا من أصحاب الحاجة والمختلين عقليا أو العجزة. وأما اللحم فهو أيضا رديء وكميته ضئيلة جدا، ولا يخضع للمراقبة الطبية اللازمة، رغم أن المادة 130 من القانون 98/23 والمادة 91 من المرسوم التطبيقي نصتا على ضرورة سهر طبيب السجن على مراقبة جودة التغذية وكميتها وطريقة تهييئها. وليست القطاني التي تقدم مرتين في الأسبوع أحسن حالا من الخضر، بل هي أسوء في نوعها وفي كيفية تحضيرها.

ومما يزيد سوء التغذية استفحالا قلة مراعاة النظافة أثناء أطوار الإعداد والتوزيع، وانعدام المراقبة الطبية والإدارية اللازمة للمواد المعدة للسجناء، وكذا جشع بعض المقتصدين والمسؤولين الذين تتطاول أيديهم إلى اختلاس مواد غذائية خاصة بالسجين، ناهيك عن قساوة ظروف عمل السجناء في المطبخ وتدني المقابل المادي الذي يقدم لهم.

ومن المؤسف جدا أن يسمح لبعض السجناء المصابين ببعض الأمراض المعدية – كأصحاب الجربة مثلا- بمباشرة العمل في المطابخ والأفران.

نقص التغذية :

يعد نقص التغذية الوجه الآخر السيئ للتغذية غير المتوازنة بالسجن، ويظهر ذلك جليا في الحليب، إذ يحق للسجين الاستفادة من 35غ من الحليب أسبوعيا؛ وعلاوة على ذلك فإن أصحاب الحمية يفترض أن يسلم لهم على الأقل نصف ليتر من الحليب يوميا، لكن الواقع على خلاف ذلك، فالحليب يعرف انقطاعا شبه مطلق. الأمر الذي يدفعنا إلى طرح أكثر من سؤال حول مآل جزء من الميزانية السنوية المخصصة للتغذية السجنية والتي تقارب 100 مليون درهم!

كما يبدو هذا النقص الغذائي أيضا في قلة التنوع في الخضر وغياب مطلق للفواكه والسمك.

وفي ظل استمرار نظام غذائي غير متوازن، وعدم الرغبة في طرح بدائل جريئة تضمن للسجين صحته وقواه العقلية والجسدية كان من البديهي أن يترتب عن هذا الوضع المزري نتائج ومضاعفات سيئة، أهمها:

– عزوف معظم السجناء عن استهلاك الوجبات المقدمة من طرف الإدارة السجنية.

– تفشي الأمراض، خاصة أمراض الجهاز الهضمي، مما نجم عنه عدة وفيات.

– قلق يومي للسجناء بسبب الجوع، الأمر الذي يعيق سير عملية إعادة التربية والإدماج.

– إلقاء كميات هائلة من المواد الغذائية غير المستهلكة لرداءتها في القمامة ومجاري المياه.

3)- سوء العناية الطبية وقلة النظافة:

رغم توفر أغلب السجون على مصحات فإنها لا تؤدي وظيفتها، حيث تفتقر قاعات التمريض إلى مواد الإسعاف الأولية كقارورة الأوكسيجين ومصل الدم (sérum)، وأما قاعات “الاستشفاء” فهي لا تختلف عن باقي الغرف التي يقطنها السجناء. وتبقى هذه المصحات شبه معطلة إلا في مناسبات زيارات المنظمات الحقوقية ولجان المراقبة فتصبغ وتنظف جدرانها…

* الأمراض المنتشرة بالسجن:

وإزاء هذا التعطيل للخدمات الطبية تعرف السجون تفشيا لعدة أمراض، يتصدرها مرض السل، حيث لا يستفيد المرضى من أية عناية خاصة تتناسب ومرضهم المعدي (النظافة منعدمة والأغطية والملابس لا تجدد…)، ولا من أي نظام غذائي يناسب صحتهم. مما يهدد بإمكانية نقل العدوى، خاصة في غياب الفحص الطبي والكشف عن الأمراض الصدرية الذي ينبغي أن يكون سنويا.

ورغم أن الأدوية المخصصة لمرضى السل متوفرة وتعطى مجانا من وزارة الصحة في إطار البرنامج الوطني لمحاربة السل، فإن السجناء هم أنفسهم من يتفقدون حصتهم من الدواء، فإن تعذر عليهم ذلك كان نصيبهم الحرمان. كما لا يحظون بزيارة طبيب السجن، وبسبب هذا الإهمال توفي العديد منهم.

وأما المختلون عقليا والمصابون بأمراض نفسية وعقلية فحالتهم المعيشية مأساوية، خصوصا في غياب أطباء نفسانيين، فأغلبهم يعيش انعزالا وصمتا وذهولا واتساخا دائما، وحرمانا من تغذية مناسبة. فسجن بوركايز مثلا رغم ما يعرفه من ارتفاع نسبة المصابين بأمراض عقلية ونفسية لا يتوفر على طبيب نفساني.

وإلى جانب هذين المرضين تعرف معظم السجون، خاصة المكتظة منها، انتشارا واسعا للأمراض الجلدية بسبب كثرة الاحتكاك وعدم عزل المرضى، وقلة الاستحمام ونظافة الجسم والألبسة؛ وينضاف إلى ذلك بعض الأمراض الجنسية كالسيفيليس (مرض الزهري) المنتشر بين السجناء في غياب أية محاولة ناجعة للحد منه، ودون أي برنامج هادف للتحسيس بخطورته أو الكشف عن المصابين به.

* عوائق الخدمات الطبية:

تعرف الخدمات الطبية عوائق عديدة، تتجسد أساسا في ضعف الطاقم الطبي وغياب استقلالية الأطباء والتلاعب بالأدوية وقلة النظافة.

فالطبيب العام الواحد غالبا ما تجده يسهر على الخدمات الطبية المقدمة لعدد كبير من السجناء (يفوق أحيانا 2500 سجين) الشيء الذي يعيقه عن أداء مهنته طبقا للقانون 98/23، كتفقد أحوال السجناء المرضى ومراقبة جودة المواد الغذائية وطريقة تهييئها والسهر على نظافة السجناء والمرافق السجنية. و أما الأطباء الاختصاصيون المتعاقدون مع الإدارة، على قلتهم، فغالبا ما تكون زياراتهم للسجن خاطفة وغير منتظمة مما يحرم مرضى كثيرين من العلاج، ويزيد من تعقيد وظيفتهم امتناع الإدارة عن إجراء بعض التحاليل والفحوص بالأشعة.

فسجن بوركايز بفاس مثلا لا يزوره طبيب الأسنان إلا نادرا؛ إما لقلع الأضراس أو وصف بعض الأدوية المهدئة، بينما يبقى عاجزا عن أداء وظيفته على الوجه المطلوب، بسبب قلة وسائل العلاج، والكم الهائل من المرضى. وقرابة سنة وإدارة السجن تعدنا بتعاقدها مع طبيب للأسنان قار، لكن دون جدوى؟

ومما يزيد تعقيد وظيفة الأطباء بالسجن عدم استقلاليتهم عن الجهاز الإداري، رغم أن القانون 98/23 منح صلاحيات واسعة للأطباء في مجال الخدمات الطبية المقدمة للسجناء. ولا شك أن هذا السلوك يدفع الأطباء إلى ارتكاب خروقات فظيعة كامتناعهم من تسليم شواهد طبية تثبت العجز الناجم عن التعذيب، وعدم رفعهم تقارير إلى الجهات المسؤولة، طبقا للقانون، للكشف عن التلاعب بالأدوية والتموين أو انعدام النظافة وشروط الصحة إلخ، خاصة في ظل غياب أي حماية من أشكال التعسف. ونسجل في هذا الصدد رفض طبيب السجن ببوركايز بفاس تسليم شهادة طبية لكل من الأخوين المتوكل بالخضير ومصطفى حسيني على إثر الاعتداء الذي تعرضا له من طرف بعض الموظفين بتاريخ27/05/2004، هذا بالرغم من معاينته لأثر الاعتداء.

ومما يعيق سير الخدمات الطبية أيضا قلة تنظيف المحلات والممرات الرئيسية للسجن بالتعقيم الدوري، رغم إلحاح القانون 98/23 وقانونه التنظيمي على ضرورة الاهتمام بنظافة السجين والمرافق السجنية، إذ تغسل بالماء فقط. كما يلقى بالنفايات المرتبطة بالعلاج في القمامة مع النفايات العادية، ولا يخفى ما يشكله هذا من خطورة على صحة السجناء الذين يظل بعضهم يقلبها بحثا عن قوت يومهم.

ولا تعطى الأهمية الكافية للنظافة الشخصية للسجناء، خاصة للعاملين منهم بالمطبخ والفرن، حيث لا تسلم للسجين إلا قطعة صغيرة من صابون الكف أوقطعتين كل شهر لا تكفي لسد حاجياته الأساسية (غسيل الملابس والأغطية ونظافة الجسم والزنزانة).

أما الاستحمام فقد نصت المادة 88 من نفس القانون على وجوبه على المعتقل مرة في الأسبوع على الأقل، إلا أن الواقع، كما عايناه بالسجن المركزي بالقنيطرة، يبعث على القلق إذ لا يستوعب حمام السجن ذي عشر رشاشات أزيد من 2500 سجين، فضلا عن كثرة تعطله وقدمه وانعدام تنظيفه خاصة في ظل اكتظاظ أفواج المتعاقبين عليه من السجناء المصابين بأمراض معدية، الشيء الذي دفع العديد من السجناء إلى اعتزاله وإيثار الاستحمام في الزنازن.

4)- الإهانة وسوء المعاملة والتعذيب:

لاتزال المعاملة السيئة للسجناء هي السائدة، رغم بعض التراجعات الطفيفة عما كانت عليه في عهد غابر، حيث أن بعض المسؤولين لا يدخرون جهدا قط في سوء استعمال سلطتهم ونفوذهم، وتسخير ذلك كله في قمع السجين وشتمه وإهانته بالكلام البذيء والمعاملة الخشنة الحاطة من كرامة السجين/ الإنسان. ولا يشذ سجن بوركايز بفاس عن هذه القاعدة خاصة أيام عطل السيد مدير السجن.

ولا يفتأ المسؤولون بالإدارة يستعملون أسلوب التهديد بالنقل والإبعاد في حق كل من تخول له نفسه المطالبة بحقوقه أو الاحتجاج على سوء معاملة أو هضم حق

سوء المعاملة هاته تشهد بها جل تقارير المنظمات الحقوقية، سواء الدولية منها أو الوطنية.

ومما يبعث على القلق أن يعمد بعض الموظفين إلى انتهاك حرمة أجساد زوار السجناء وعائلاتهم دون موجب حق عند أدنى سوء تفاهم، وكان أحرى بهم اللجوء إلى الطرق القانونية لفض النزاع إذا ما اقتضى الأمر ذلك، بدل الإهانة وممارسة التعذيب.

5)- الحرمان من حق التظلم:

لا زال حق السجين في التظلم إلى الجهات المسؤولة يعرف تعثرات جمة، ولعل السبب الأساسي في ذلك يعزى إلى العقلية المخزنية المتحكمة في هذه الجهات المسؤولة التي تعمد غالبا إلى الحد من ممارسة حق الشكوى، باعتباره أحد الوسائل الناجعة التي تكشف عن حقيقة الواقع المتعفن الذي يعج بالظلم والتسلط والقهر.

وتتجلى أولى مظاهر هذه التعثرات في عدم إطلاع المعتقل الذي يفد على السجن بما له من حقوق، وفي أحسن الأحوال تعمد الإدارة إلى نشر لائحة الإجراءات التأديبية وجوانب الضبط والانضباط التي نص عليها القانون 98/23، ولهذا نجد الغالبية العظمى من السجناء مجهلة بأبسط حقوقها التي يضمنها لها القانون.

ولا تسْلم مراسلات السجناء الموجهة إلى المسؤولين من التماطل وعدم التجاوب والحجز وانتهاك لسريتها، الأمر الذي يعتبر مخالفة قانونية صريحة لنص المادة 98 من القانون 98/23 التي أكدت على وجوب دراسة الشكايات، والمادة 97 من نفس القانون التي نصت على عدم فتح الرسائل المختومة.

ولا زال المسؤولون عن السجن ينهجون أساليب الانتقام وتصفية الحسابات ضد من تسول له نفسه التمسك بحقه في التظلم، ومن المؤسف جدا أن تساير الإدارة المركزية تقارير الإدارات المحلية دون بذل أي جهد في التقصي والتثبت في الأمر، فتلجأ إلى إصدار أوامر مخجلة: إما زنزانة انفرادية تأديبية “الكاشو”، أو ترحيل تعسفي بعيدا عن أنظار العائلة و… وليس ما تعرضنا له نحن من نقل تعسفي من سجن القنيطرة إلى سجن فاس يوم 30/10/2003 بدعا من هذا الأسلوب.

ومن النتائج السلبية المترتبة عن الحرمان من حق التظلم، اللجوء إلى وسائل غير مشروعة كقطع العروق والشرايين ومحاولة الانتحار، وفي أحسن الأحوال إيثار حالة السكر والتخدير برهة من الزمن، أواختيار حياة الانكماش الجبرية إلى حين، خشية بطشة الانتقام الإدارية كالتهديد بالترحيل، أو بـ«تسويد» الملف الشخصي الذي يحرص السجناء على أن يظل خاليا من “المخالفات” طمعا في العفو والسراح المقيد والرخص الاستثنائية.

6)- هزالة المكافآت عن عمل السجناء وغياب التأمين على حوادث الشغل والأمراض المهنية:

يقع ثقل أداء المهمات والأعمال الضرورية بالمؤسسة السجنية في جانب مهم منه على كاهل السجناء الذين يشتغلون طيلة اليوم في العمل في الأوراش كالبناء والصباغة والمعامل كالنجارة والحدادة وفي المطبخ والفرن والحمام وغير ذلك من الأشغال المتعبة والمكلفة.

وقد نص القانون 98/23 في المادة 45 على منح المعتقلين الذين يزاولون نشاطا منتجا مقابلا منصفا(Pécule). وهذا المقابل حددت مبلغه الجهات المسؤولة (وزارتا العدل والمالية) شهريا في 130 درهما، لا يحق للسجين العامل التصرف إلا في نصفه، بينما يحجز النصف الآخر في خزينة الإدارة لتمويل مشاريع خاصة بها ولا يسلم له إلا عند الإفراج عنه.

استغلال فاحش ومقابل غير منصف لا يلائم تلك الأعمال الشاقة التي يؤديها السجناء، خاصة المنخرطون منهم في أعمال البناء والحدادة والفرن.

ومن المقلق جدا أن تلك الأجرة ـ على هزالتها ـ لا تؤدى لجميع السجناء العاملين! بل وأحيانا تعرف انقطاعا قد يصل إلى شهور. والأدهى أن بعض المسؤولين عديمي الضمير يحولون تلك المكافآت لحسابهم الشخصي.

والغريب في الأمر أن تلك الأعمال الشاقة لا تأمين عليها، ولا يتمتع السجين العامل بأية حماية ضد حوادث الشغل، بل لا يحظى بالعناية الطبية اللازمة سوى تلك الإسعافات الأولية إن وجدت، رغم أن القانون 98/23 ينص في مادتيه 43 و 44 على استفادة المعتقل عند تعرضه لحادثة شغل أو إصابته بمرض مهني من المقتضيات التشريعية والتنظيمية لقانون الشغل المتعلقة بحماية وأمن وصحة العاملين.

III. معاناة المعتقلين السياسيين: نموذج مجموعة طلبة العدل والإحسان الاثني عشر بسجن فاس.

* الإجهاز على مكاسبنا عقب 16 ماي 2003:

لقد شكلت أحداث 16 ماي 2003 تحولا حاسما في مسار اعتقالنا الجائر بعد أن انتهزت إدارة السجون تلك الفرصة للإجهاز على حقوقنا ومكتسباتنا التي تمتعنا بها طيلة السنوات الاثنتي عشرة الماضية من مدة اعتقالنا، وإزاء هذه الخروقات السافرة ودفاعا عن هويتنا السياسية وعن حقوقنا اضطررنا إلى خوض نضالات عديدة وإضرابات عن الطعام محدودة وغير محدودة موازاة مع تحسيس الجهات المسؤولة ومكاتبتكم عساهم يتدخلوا لتسوية أوضاعنا التي تتردى يوما بعد آخر. وقد انطلقت هذه النضالات بالسجن المركزي بالقنيطرة ابتداء من 17/05/2003 بمساندة عائلاتنا التي تجرعت مرارة الظلم والحرمان فقامت بزيارة المدير العام لإدارة السجون الذي قدم وعودا سخية بإرجاع حقوقنا وتسوية أوضاعنا كاملة شرط قبول نقلنا إلى سجن آخر، وأمام رفضنا لهذا الشرط وإلحاحنا على الاستجابة لمطالبنا عمدت الإدارة السجنية إلى نقلنا قسرا يوم 30/10/2003 إلى السجن المحلي بوركايز بفاس قاصدة كسر نضالنا وإجبارنا على التنازل عن حقوقنا رغم ما أبديناه من حسن نية وما أعطيناه من فرص لهذه الإدارة بمناسبة شهر رمضان الأبرك لتصلح أخطاءها وتتراجع عن غيها وتنكرها لمطالبنا المتمثلة أساسا في:

1)- حقنا في السكن اللائق:

يظل حقنا في السكن الانفرادي اللائق مطلبا ملحا، حيث لا زالت ثلاث زنازن مغلقة في الجناح الخاص بنا الذي يضم اثنتي عشرة زنزانة، وأمام تجاهل الإدارة لهذا الحق اضطر أحدنا إلى اتخاذ قاعة الحمام مسكنا له. ولهذا المطلب مبررات قوية تتجلى أولا في كوننا طلبة باحثين يستوجب ذلك ظروفا خاصة وشروط بحث ملائمة، وكذا إصابتنا ببعض الأمراض التي راكمناها خلال سنوات الاعتقال الاثنتي عشرة، كما أن مطلب السكن الانفرادي قديم منذ اعتقالنا سنة 1991، واستفدنا منه منذ ذلك الحين. وبقاء ثلاث غرف مغلقة قرابة سنة دون مبرر أمر يستهجنه المنطق السليم وكل من عاين هذه المأساة.

2)- حقنا في زيارة عائلاتنا وأصدقائنا:

بعد أحداث 16 ماي أقدمت الإدارة العامة على فرض قيود على حقنا في الزيارة كضرورة الإدلاء بما يثبت القرابة مما حرم الكثير من أقربائنا من زيارتنا لتعذر ذلك عليهم (كالأخوال والخالات والأصهار… وحتى بعض الأعمام والعمات ممن لا تطابق أسماؤهم العائلية أسماء مزوريهم). كما أن أصدقاءنا من طلبة باحثين وأساتذة … يمنعون من الزيارة بدعوى عدم القرابة، لتكون الإدارة بذلك مناقضة لمنطوق القانون المنظم للمؤسسات السجنية ومغالية في تبنيها للمقاربة الأمنية. وتدعم هذا المطلب حجج ملحة كصلة الرحم وتسهيل التواصل مع العالم الخارجي؛ إذ لا يخفى ما في قطع الأرحام من معاناة وظلم لا يحتمل. كما أن ذلك يساهم في مساعدتنا على متابعة الدراسة والتواصل مع الأساتذة المشرفين عن بحوثنا الجامعية، خاصة وأن الإدارة المحلية والمركزية قد استقالت تماما عن أداء مهمتها المنوطة بها، فلمدة سنوات اعتقالنا الاثنتي عشرة كان أصدقاؤنا وعائلاتنا الوسيط الوحيد بيننا وبين الجامعة والأساتذة.

ورغم أن المجلس الاستشاري قد نص في مراسلة خاصة إلى الإدارة العامة على تحسين ظروف زيارتنا فإن هذه الأخيرة لا زالت تتلكأ في إيجاد حل نهائي لهذا المشكل.

3) ـ حقنا في الزيارة يوم السبت والعطل الدينية والوطنية :

منذ اثنتي عشر سنة ونحن نستفيد من الزيارة في هذه الأيام إلى أن أجهزت إدارة السجن المركزي بالقنيطرة على هذا الحق التاريخي عقب أحداث 16 ماي، ورغم سلسلة الرسائل الموجهة إلى المسؤولين فقد صمت الإدارة العامة آذانها عن الاستجابة لمطالبنا وأصرت إصرارا غريبا على تجريدنا من مكاسبنا بغير وجه حق.

ومما يستدعي الزيارة في هذه الأيام بُعد عائلاتنا التي تضطر إلى تحين أيام الإجازات الأسبوعية، وعطل المناسبات الدينية والوطنية للتمكن من زيارة فلذات أكبادها في ظروف إنسانية مريحة، خاصة الموظفين منهم الذين يتعذر عليهم الزيارة في غير هذه الأيام.

4). الحق في التطبيب والعلاج (طب الأسنان):

إن غياب طبيب للأسنان قار بسجن بوركايز يزيد في تعميق معاناتنا وحرماننا من حق التطبيب والعلاج، خاصة وأن كثيرا منا يشتكي من تعفنات خطيرة في بعض أضراسه.

5)- الحق في التغذية المناسبة كما ونوعا:

لا يزال مطلبنا في تحقيق تغذية متوازنة قائما، حيث لم نتمكن بعد من الاستفادة المنتظمة من بعض المواد الغذائية الأساسية كالحليب. كما أن جودة المواد الغذائية لم ترْق ـ في أحيان كثيرة ـ إلى الحد الأدنى المطلوب؛ إذ تعمد الإدارة سواء المركزية أو المحلية إلى اقتناء أرخص ما يوجد في السوق فيكون ذلك على حساب الجودة مما يتسبب في ضياع أكثر من نصف الكمية.

6)- الحق في الاستفادة من مرافق السجن:

فرض علينا حصار منيع عقب ترحيلنا إلى سجن بوركايز، فلم يسمح لنا بدخول المعقل حيث توجد مصحة السجن والمطبخ والدكان، وحتى ساحة الفسحة والملعب حرمنا من الاستفادة منها، مما أشعرنا وكأننا معاقبون ومحكومون بالعزلة في هذا الجناح المعزول أصلا. لذا يظل مطلبنا بفك العزلة عنا قائما وملحا.

* ابتزاز الإدارة ولا مبالاتها تجاه مطالبنا:

إن أعظم ما ابتلينا به زمن الإدارة الحالية استهانتها بأحوالنا ومعاناتنا ولا مبالاتها تجاه مطالبنا؛ إذ رغم المراسلات المتوالية، والتي لا نمل من خلالها إطلاعها على أحوالنا وتذكيرها بمطالبنا ومناشدتها التدخل لحل مشاكلنا ووضع حد لمعاناتنا، لم نلق منها سوى تعنت عجيب وإصرار غريب على تجاهلنا وإهانتنا، بل إن الأمر بلغ حد ابتزازنا على مطالبنا ومساومتنا عليها، حيث ألحت ـ كي تستجيب لمطلب فتح الزنازن الثلاث المغلقة ـ على تنازلنا عن باقي المطالب، الشيء الذي اعتبرناه ابتزازا غير مقبول.

خلاصات واقتراحات:

إن إيجاد حلول ناجعة للمشاكل التي تتخبط فيها السجون المغربية يتوقف أساسا على إرادة سياسية صادقة لإعادة النظر في السياسة التربوية الفاشلة المتبعة، ومراجعة التشريع المتعلق بالسجون الذي لم يستوف المتطلبات الحقيقية للسجين.

وفي انتظار تحقق ذلك بتظافر جهود الصادقين والغيورين على مستقبل هذه الأمة ندلي ببعض المقترحات الجزئية:

1. إحداث جهاز مستقل عن الإدارة يسهر على توعية السجين بحقوقه الأساسية عند ولوجه السجن.

2. تفعيل دور اللجنة الإقليمية لمراقبة السجون.

3. تحقيق السير العادي للمؤسسة السجنية رهين بإشراك فعاليات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الجادة في المراقبة والتأطير.

4. تفعيل دور طبيب السجن وضمان استقلاليته التامة عن الجهاز الإداري.

5. ضرورة العمل بنظام التصنيف بين السجناء وفق معايير محددة كحسن السلوك والأخلاق.

6. توفير أماكن العبادة داخل السجون، وتفعيل دور المسجد تعليما وتعلما ووعظا وإرشادا.

7. الحق في السكن اللائق يقتضي معالجة شاملة لمشكل الاكتظاظ وضمان شروطه الصحية.

8. حل مشكل الاكتظاظ يتطلب إعادة النظر في السياسة الجنائية العتيقة، وتفعيل مساطر السراح المقيد بشروط، وحسن تدبير الإدارة لملف السكن داخل السجن.

9. شروط السكن الصحية يجب أن تراعي الحيز الهوائي المخصص لكل سجين والتدفئة والإنارة والتهوية بشكل يضمن الاستقرار النفسي لسجناء ذوي أحكام طويلة.

10. تحسين التغذية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار خصوصية السجون.

11. توزيع الخضر والقطاني على السجناء ليتولوا بأنفسهم إعدادها، وتجهيز السجن بمحلات خاصة بذلك.

12. توفير وسائل العناية الصحية وتعزيز طاقم الأطباء والمساعدين.

13. ضرورة تفرغ طبيب من بين الطاقم الطبي لمراقبة جودة المواد الغذائية والسهر على النظافة ومعاينة شروط صحة السكن وبعض المقتضيات العامة التي لا يقوى على أدائها طبيب واحد.

14. توفير الأدوية اللازمة ومراقبة عدم التلاعب بها.

15. العناية بنظافة السجين والمرافق السجنية وتوفير الوسائل اللازمة لذلك.

16. فتح تحقيقات جدية حول ضحايا الإهمال أمواتا وأحياء، وعدم الاكتفاء بردود رسمية مغرضة.

17. إقرار نظام مراقبة ومحاسبة مستقل عن المسؤولين المحليين لضمان الحق في الكرامة الإنسانية واجتناب أساليب الإهانة والتعذيب.

18. إحداث بريد داخل السجن خاص بالشكايات والرسائل المختومة الموجهة إلى الإدارة المركزية، والسلطات القضائية المعنية، والمنظمات الحقوقية لضمان حق التظلم.

19. علاج ظاهرة انتشار الرشوة والمحسوبية والابتزاز يبدأ بالعناية بوضعية الموظفين المالية والاجتماعية، ثم بالتشديد على تلك المخالفات.

حرر يوم الاثنين 25 شعبان 1425

الموافق لـ 11 أكتوبر 2004