بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام الأتمّان الأكرمان على أشرف المخلوقين سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

إخواني الكرام، أخواتي الكريمات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد؛

فباسمه تعالى نفتتح الدورة التاسعة لهذا المجلس، المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، والتي توافق السبت والأحد رابع وعشرين وخامس وعشرين شعبان عام 1425 هـ الموافق لتاسع وعاشر أكتوبر سنة 2004 ميلادية، أياما قلائل قبل حلول رمضان الأبرك.

نسأل الله أن يكون مجلسنا هذا موفقا، وأن يرزقنا من لدنه سبحانه رزقا مباركا، نزداد به إليه قربا، وعلما، وحلما، وتقوى، وصلاحا، ونقوى به على سلوك سبيل المومنين المحسنين المجاهدين آمين.

إخواني الكرام، أخواتي الكريمات؛

خلال مذاكرة أخيرة مع الأستاذ المرشد حفظه الله، تحدث إلينا عما أصاب كثيرا من الناس، وحتى الإسلاميين منهم، من إحباط نظرا لطول أمد الاستبداد وغلبة العادة، وضعف التصديق بكونه عز وجل أنه على كل شيء قدير، وكلاما في هذا المعنى…

هذه المذاكرة أوحت لي بموضوع هذه الافتتاحية، وأسأل الله أن أوفق لتناول ما ينفع ويفيد. فأقول وبالله التوفيق.

من المعلوم أن الصراع بين الحق والباطل قديم، والحرب بينهم سجال. يأتي على الناس زمان تتوسع فيه دائرة الباطل حتى يظن أنه هو الأقوى وأن له الهيمنة المطلقة، والكلمة الأولى والأخيرة، لكن سرعان ما تكون للحق صولات يقذف بها الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.

ومن المعلوم أيضا أن الباطل أصناف وأشكال وضروب شتى. فقد يتخذ صورة غزو عَاتٍ، وعدوان غاشم، على نحو ما قامت به الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق وغيرها من البلاد، من أجل فرض سيطرتها على الشعوب المسلمة المستضعفة، مستعينة في ذلك بكل ما تملك من أسلحة دمار وفتك، ووسائل ترغيب وترهيب، لإرهاب النفوس الضعيفة، وشراء الضمائر الخربة.

وقد يتخذ الباطل أيضا صورة احتلال استيطاني على نحو ما يقع في أرض فلسطين من هدم للبيوت على رؤوس أصحابها وتدمير للشجر، وتهجير وقتل بالجملة ومجازر وحشية تقشعر لها الأبدان، لا يميزون بين الصغير ولا الكبير، ولا الشيخ المسن أو المرأة العجوز. ولا شك قد سمعتم بخبر الطفلة التي لم تتجاوز عمرها ثلاثة عشر عاما، والتي سقطت شهيدة بعد أن أطلق عليها جنود الاحتلال الأوغاد ثلاثة عشر رصاصة. وغيرها كثير من الأطفال والنساء والشيوخ الذين يسقطون يوميا برصاص عصابات الغدر والخيانة، مسجلين بذلك مستوى من النذالة والخسة غير مسبوق في تاريخ البشرية.

وقد يتخذ الباطل صورا أخرى، صورة حكم استبدادي، يستفرد بالثروة والسلطان، ويُخسر الميزان، ويستخف بعقول الناس، ويستهين بكرامة المواطنين. يقرب المدّاحين والمتملقين، ويحاصر العقلاء والأتقياء، ويهمش الأكفاء، ويبذر خيرات الأمة ذات اليمين وذات الشمال دون حسيب أو رقيب.

وقد يتخذ الباطل صورة ترف فاضح، وبذخ فاحش، ترتع فيه شرذمة محدودة العدد، تراكم الغنى في زمن قياسي لما تستعمله من وسائل غير مشروعة، وما تحظى به من امتيازات واسعة، في حين أن الحرمان يكون هو نصيب الغالبية العظمى من الناس.

ليس قصدي أن أستعرض كل صور الباطل؛ فصوره لا تكاد تنتهي، وقد تختلف، وإن شكلا، باختلاف الزمان والمكان، وتلبس لكل مرحلة ما يلائمها من الأزياء، وتتقمص لكل ظرف ما يناسبه من الأهواء.

غرضي، أيها الإخوة، أيتها الأخوات، هو أن أتحدث عن أثر من آثار الباطل حين يتغلب، والذي يتشكل منه، كما يقول الأستاذ المرشد حفظه الله، واحد من أهم العوائق النفسية في كسب المعركة ضد الأنظمة الجائرة (كتاب العدل، ص 104).

إنها الهزيمة النفسية التي تكرس ما أسماه ابن خلدون رحمه الله “بصبغة الانقياد” والتسليم اللا مشروط لصاحب الدولة والسلطان، أو تنتج، بتعبير الأستاذ المرشد، حفظه الله، ولاء متذبذبا يتحول بسرعة مع رياح الدعاية الرسمية، (كتاب العدل، ص 104).

الهزيمة النفسية حين تحصل تنشر التخاذل، وتدمر المعنويات، وتشيع اللامبالاة، وتعمل على تحطيم الدوافع والبواعث لإحقاق الحق وإبطال الباطل، وتحبط التطلعات لنشدان الحكم العادل وإقامة المجتمع المتراحم.

الهزيمة النفسية تمنع المفكر أن يفكر خارج دائرة القهر المحيطة به، وتمنع المجتهد من أن ينظر إلى التاريخ من أعاليه، وتمنع الفقيه من أن يتصرف خارج “طوق التقليد”، وتمنع السياسي من التحرك خارج الهامش الضيق المسموح به.. وهكذا. ولذلك يأتي تحليل المفكر، واجتهاد المجتهد، وبرنامج السياسي، وفتوى الفقيه معتلة ومعيبة وفاقدة لشرط هام لتكون أهلا للاعتبار، وهو أن يكون صاحبها، كما يعبر الإمام النووي رحمه الله “صحيح التصرف”، بمعنى ضرورة انتفاء أي نوع من أنواع الإكراه.

الهزيمة النفسية، أيها الإخوة، أيتها الأخوات، لا تسمح بالتسامي بدرجة كافية للنظر بحرية وللتفكير بحرية، وبالتالي لاتخاذ الموقف المناسب، واعتماد الخط الذي ينبغي، لا الذي تشتهيه الأنفس وتميل إليه الأهواء.

ومما زاد الطين بلة، أن هذه الهزيمة النفسية تتسربل بمسميات برّاقة، مثل الواقعية والموضوعية والعقلانية وغيرها، وأضحت ثقافة لها منابر وأعلام ورواد، ووسائل ظاهرة وأخرى خفية، تتسلل من خلالها إلى النفوس دون ضجة ولا صخب، لتنتهي بهم شيئا فشيئا إلى الإحباط واليأس.

صحيح أن أمتنا تجتاز مرحلة عصيبة، وقد تكالب عليها الأعداء من كل جانب، وطمع فيها الأنذال، واستباح كرامتها الأوغاد. ولكن هل هذا يبرر الاستسلام والخضوع، ويرغب عن المواجهة والمقاومة؟ ثم هل هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها الأمة لمثل هذه الشدة، وتكون غرضا للخصوم والأعداء؟

لعله من المفيد أن نذكر هنا ونذكر بحادثة من السيرة النبوية تعتبر حاسمة في تاريخ الإسلام، بالرغم أنه لم يكن فيها قتال كبير، ولا خسائر كثيرة، [إذ لم يتجاوز عدد القتلى العشرين]. ويكفي دليلا على أهميتها أن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال بعدها مباشرة: “الآن نغزوهم لا يغزونا. نحن نسير إليهم” (البخاري).

إنها غزوة الأحزاب أو الخندق التي اجتمعت فيها قبائل العرب وبتحريض من يهود، وخططت لتوجيه ضربة قاتلة لدعوة الإسلام، لا يكون لها قيام بعدها أبداً.

ولنا أن نتصور خطورة الوضع، والحرج الشديد الذي وجد فيه المسلمون أنفسهم، إذا علمنا أنهم لم يكونوا يواجهون فقط جيشا عرمرماً قوامه عشرة آلاف مقاتل (وهو ما يتجاوز عدد ساكني المدينة من النساء، والأطفال، والشباب، والشيوخ)، وإنما لأنهم أصبحوا مهددين من الخلف بسبب خيانة يهود بني قريضة، ونقضهم للعهد الذي كان بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولم يكن الخطر يتهددهم وحدهم، وإنما كان يتهدد الأطفال والنساء، وبصورة أشد لقربهم من هؤلاء الغادرين، ولم يكن معهم من يمكن أن يتصدى لأي هجوم يتعرضون له. لقد كان موقفا عصيبا حقا صوره القرآن بقوله: “وإذ زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلي المومنون وزلزلوا زلزالا شديدا”. سورة الأحزاب، الآية10

لا أريد أن أتعرض لتفاصيل الغزوة، فكلكم تعرفونها، لكن أقتصر فقط على ذكر بعض الجوانب التي لها صلة بموضوعنا من أجل التدبر وأخذ العبرة.

الدرس الأول ويتجلى في مشهدين:

المشهد الأول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء حفر الخندق، وفي تلك اللحظات العصيبة، نراه يتحدث إلى أصحابه ويبشرهم بفتح بلاد كسرى بفارس وبلاد قيصر بالشام واليمن بالجزيرة.

المشهد الثاني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن بني قريضة نقضوا العهد، قال: “الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين” (أي بفتح الله ونصره).

لكم أن تتصوروا الدهشة أو الاستغراب الذي يمكن أن يكون قد تملك البعض مما سمعوا. ففي تلك اللحظات التي بلغت فيها الشدة مداها، نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يحدثهم حديث الواثق الموقن بأشياء لم تكن لتخطر لأحدهم على بال، ولا سيما في تلك الظروف.

وفعلا، فقد برز في تلك اللحظة موقفان اثنان:

الأول: موقف التصديق الكامل والثقة التامة بما وعد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا موقف المومنين الذين امتدحهم القرآن بقوله: «ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله. وما زادهم إلا إيمانا وتسليما».سورة الأحزاب، الاية22

الثاني: موقف التكذيب والشك والتردد، ويندرج تحت هذا العنوان المنافقون، وضعفاء النفوس، ومرضى القلوب. وإليهم تشير الآية الكريمة: «وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا. وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم

فارجعوا. ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة، وما هي بعورة، إن يريدون إلا فرارا».سورة الأحزاب، الآية13

ما أشبه الليلة بالبارحة! آيات وأحاديث كثيرة، ومبشرات لا تكاد تحصى تبشر بغد الإسلام المشرق، وبالنصر والتمكين للذين آمنوا وعملوا الصالحات، ومع ذلك فكثير من المسلمين عنها غافلون، أما آخرون فإنهم لها مكذبون، وفيها شاكون، وبها إن اطلعوا عليها مستخفون.

ويزيد من سوء الحال وشدة المأساة أن زماننا يتميز بكثرة المروجين “لثقافة الهزيمة”. فجحافل المرجفين والمثبطين تملأ الأرض والفضاء ضجيجا بالتحاليل التي يصفونها زورا “بالعلمية”، بينما هي في الحقيقة لغط ليس إلا، ومنطق لو ركن إليه من كانوا قبلنا في ظروف مشابهة لظروفنا لانتهوا وبادوا.

وأما الدرس الثاني الذي يستفاد من غزوة الأحزاب، فيتجلى في الكيفية التي انتصر بها المسلمون. إنه أساسا التضرع إلى الله عز وجل والإكثار من الدعاء بعد أن أعدوا ما في الوسع والطاقة. والنتيجة أن الله نصرهم بوسيلتين لا دخل لهم فيها. الأولى: رجل من المشركين اسمه نعيم بن مسعود أسلم ونفذ خطة أربكت المشركين؛ والثانية: ريح هوجاء مخيفة، في ليلة شديدة الظلمة والبرودة عصفت بخيامهم، وشتت جموعهم، وأرسل الله ملائكة من عنده فألقت في قلوبهم الرعب والهلع، فولوا الأدبار وكفى الله المومنين القتال.

من صنع هذا كله؟ إنه الله رب العالمين. أليس بقادر على أن يصنع مثله وأكثر للمسلمين اليوم إن هم صدقوا في لجوئهم إلى الله القادر على كل شيء؟

أيها الإخوة، أيتها الأخوات،

لقد تحدثنا عن حادثة الأحزاب باعتبارها صورة نموذجية للضيق والشدة التي يُمكن أن تحيط بأنصار الحق في مرحلة من المراحل، وليست هي الحادثة الوحيدة في تاريخ المسلمين. فتمت غزوات عدة مرت منها الأمة وقد اسودت فيها الدنيا، وادلهمت عليها الخطوب، وضاقت على المسلمين الأرض بما رحبت، وتغلب اليأس على الكثير منهم وظنوا أنها النهاية، لكن ما إن ينبعث فيهم أهل النور التجرد ويتقدموا إلى الميدان بثبات ويقين، ويلتف الناس حولهم، حتى يغير الله ما بهم من ضيق وشدة، وينصرهم نصرا عزيزا و يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم.

واقرؤوا إن شئتم تاريخ حطين وقد كان الصليبيون قبلها قد استولوا على كثير من بلاد الإسلام و المسجد الأقصى ما يقارب قرنا من الزمان حتى حسب الكثير أن لا أمل في استرجاع فلسطين والمسجد الأقصى إلى حوزة المسلمين لاسيما وأن الصليبيين كانوا قد ارتكبوا من المجازر ما لا يكاد يصدق، إذ تذكر بعض المصادر أنهم ذبحوا من المسلمين في يوم واحد أكثر من سبعين ألف حتى سالت أنهار من الدماء في شوارع القدس.

واقرؤوا إن شئتم عن تاريخ “عين جالوت” و ما تحقق بعدها للمسلمين بعد أن كان التتار و المغول قد استولوا على العالم الإسلامي ونهبوا الأموال و فتكوا بالأعراض و الأنفس حتى إن مؤرخا كابن الأثير الجزري ظل، كما يقول، سنين عدة معرضا عن ذكر تلك الأحداث استعظاما لها.

ولنذكر أيضا البلاد الإسلامية التي دخلها الاستعمار ولاسيما تلك التي خضعت للاستعمار الاستيطاني المتعصب كالجزائر التي ظلت تحت حكمه مائة وثلاثين عاما حتى ظن البعض أنها أصبحت مقاطعة فرنسية وإلى الأبد، لكن الله عز وجل هيأ لها رجالا قادوها إلى النصر والتحرير. ولئن كانت الثمرة قد سرقها العلمانيون سريعا،كما حدث في أكثر من بقعة في العالم الإسلامي، فإن الطلب قد اشتد اليوم لإرجاع الحق إلى أهله. وهو عائد بإذن الله إذ ما ضاع حق وراءه طالب. وتلك قصة أخرى.

إن الذي يعنينا هنا أيها الإخوة أيتها الأخوات، أن نقرر أن التاريخ أثبت أن الأمم المغلوبة يمكن أن تنتصر على أعدائها، وأن الشعوب يمكن أن تطيح بالطغاة والظلمة متى توفرت لها الإرادة والتصميم والعزم. فتلك سنة من سنن الله الكونية، لا تحابي أحدا، مسلما كان أو غير مسلم. والأمثلة من تاريخ غير المسلمين القريب والبعيد أكثر من أن تحصى.

وعلى سبيل التمثيل يمكن أن نذكر هنا تجربة ألمانيا التي دمرتها الحرب وخرجت مهزومة شر هزيمة، حتى إنها قبلت بشروط المنتصرين جملة وتفصيلا. لكنها إن هزمت عسكريا، فإنها لم تهزم نفسيا، ولذلك سرعان ما نهضت من جديد، وأعادت بناء بلدها المدمر، وصناعاتها الضخمة، واسترجعت كل أنشطتها الاقتصادية، بل إنها زادت وطورت ما جعلها تتبوأ مكانة محترمة بين الدول.

وقد كانت بعض التفسيرات السطحية تذهب مذهب روزنبرج، صاحب كتاب “الدم والذهب” في عهد هتلر، فتعزو نهضة ألمانيا إلى طبيعة الشعب الألماني (العرق والدم)، وأخرى تضيف أهمية بعض المشاريع التي اعتمدت كمشروع مارشال مثلا، وغير ذلك.

غير أن تجربة أخرى قامت في أقصى البلاد الشرقية [لم يكن فيها مشروع مارشال ولا دم ألماني] أزرت بمثل هذه التفسيرات وأثبتت سطحيتها. إنها تجربة اليابان التي خرجت هي كذلك من الحرب مهزومة، وأهينت إهانة شديدة، لكنها لم تنهزم نفسيا، وإن كانت قد هزمت عسكريا. ولذلك فقد تمكنت أن تحقق في ظرف وجيز ما أصبح ينعت “بالمعجزة اليابانية”.

وهناك تجارب دول وأمم أخرى كثيرة لا يتسع المجال لذكرها، لكن تجربة اليهود الصهاينة وإن كانت مختلفة، فهي جديرة بالتأمل. قوم لم تكن تجمعهم أرض ولا وطن، وتعرضوا لمحن لا تحصى بسبب ما كسبت أيديهم. ومع ذلك فقد تمكنوا من إقامة دولتهم، وإن كانت على أرض ليست لهم، وإنما اغتصبوها ظلما وعدوانا، وفضلا عن ذلك سيطروا على العالم حتى هابهم الرؤساء والملوك والساسة والمفكرون، وأصبح الكثير يسارع إلى استرضائهم والتملق إليهم.

فإذا كان الصهاينة وأمثالهم، وهم على باطل، قد انتصروا لما تعبأوا حول باطلهم، فكيف يكون الحال إذا تعبأ أنصار الحق حول الحق الذي به يؤمنون ويصدقون؟ وإذا كانت الصين الحديثة قد خرجت من شبه العدم وبَنَت بسواعد أبنائها، واعتمادا على إمكانياتها الخاصة، المنشآت الضخمة، واقتصادا قويا ما فتئ يسجل أرقاما قياسية، تحدوهم أسطورة شعبية مؤداها أن جدهم “يوكنج” حول الجبال، فكيف بأمة معها الدين الحق، وموعودة إن آمنت واتقت بمعونة رب الخلق، وببركات من السماء والأرض؟

من خلال ما سبق نخلص إلى التأكيد على أمور منها:

أولا: ينبغي التذكير على أن اليأس مرفوض شرعا وعقلا، وهو معدود من لوازم الكفر في ملة الإسلام. قال الله تعالى: «إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون» سورة يوسف، الآية87. وقال عز وجل: «قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون».سورة الحجر، الآية56

ثانيا: ينبغي التذكير أيضا على أن دفاع الله عن أوليائه حق، وأن نصره لعباده المؤمنين وعد صدق من الله عز وجل، وأن الله لا يخلف الميعاد. فالنتيجة إذن مضمونة بشرط استفراغ الوسع، وتعاطي الأسباب المطلوبة شرعا، وتفويض الأمر لله العليم الخبير الذي من سننه في الدعوات أن يأتي النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس (الظلال، ص …)، والله يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير.

ثالثا: ينبغي التذكير على أن إمكانية النهوض بعد الضعف، والانتصار بعد الهزيمة، والتحرر من نير الاستبداد، وطغيان الطغاة، كلها أمور ممكنة جدا، وليست ضربا من الأحلام، أو

تسويقا للأوهام. ولسنا بدعا من الأمم التي كانت تعاني مثل ما نعاني وأشد، ثم ما لبثت، لما توفرت لها الإرادة والعزيمة، أن تجاوزت محنتها، وبنت مجدها، واسترجعت كرامتها.

رابعا: ليست هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها شعوبنا الإسلامية لظروف قاسية، ومحن عاتية. فقد تعرضت من قبل وعلى امتداد تاريخها الطويل لمحاولات متعددة بقصد القضاء عليها واستئصال شأفتها، وإبعادها عن دينها وعقيدتها، ففشلت كل تلك المحاولات رغم تنوعها وشراستها.

لذلك، وبناء على ما سبق ينبغي أن نحذر، بل أن نتصدى “لثقافة الهزيمة”، التي تتخفى تحت مسميات شتى، وتتسلل في صيغ متعددة، فكرية أو فقهية أو تصورية نظرية أو ما إلى ذلك؛ إلا نفعل، فقد نخوض مع الخائضين، ونتنكب الصراط المستقيم. عافانا الله وإياكم، لاسيما وقد تظافرت النصوص وتكاثرت الشواهد، وتوالت البشائر في ظل صحبتنا المباركة، لتؤكد ما لا يشك فيه إلا من يكذب بالدين أو ضعفاء الإيمان على أن الإسلام سينتصر، وعلى أن دعوة العدل والإحسان ستظهر، وعلى أن دولة القرآن ستقوم، وأن أرض فلسطين ستعود حرة أبية كما كانت. )والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.(

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم،

أختم كما بدأت بأزكى صلاة وأطيب سلام على نبينا وحبيبنا محمد وآله وصحبه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الرباط: صبيحة الجمعة 23 شعبان 1425 هـ

الموافق لـ 8 أكتوبر 2004 م