إن كانت عقبَات الصمم عن سماع النداء الموجه للفطرة، وعقبات الكبرياء المانعة من الأخذ عن الأكابر، وعقبات البعد عن عهد النبوة والصحابة، وعقبات الدنيا والشهوات المانعة من التوبة واليقظة، وعقبات الانغماس والانطماس عن طلب المعالي حواجزَ شاهقة وسدودا غَالقة عن الاقتحام فإن من أهم العقبات وجود آراء مسبقة عن شيء يسمى التصوف، يتحدث جهابذة علمائه عن “سبيل الدين الغامض”، وعن المعرفة واللحظ، وعن ميلاد القلوب، وعن ضرورة الشيخ، ويستعملون مصطلحات محدثة. وعندي وعند المسلمين أن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

فما هي هذه الشجرة التي تزْعمون أنكم شممتم أزهارها وقطفتم ثمارها؟ من غرسها، وبم سقاها، ومن تعهدها حتى وَرِفَتْ ظلالها، وامتدت، وفاء إليها أكابر العلماء يجثون على الركب أمام الشيخ العارف يسلسون له القياد. وقام طائفة من أهل العلم يصرخون ويستصرخون، وينقدون ويؤلفون في “تبليس إبليس”؟ دين الله واضح، وها هو الكتاب وها هي السنة.

ضع بإزاء سؤالاتك سُؤالاً أخيرا: ما حقيقة إسلامك أنت؟ وما حقيقة إيمانك؟

وضع بإزاء وجود الكتاب والسنة وجودك أنت، واشتغل بسؤالها إن طُفْتَ وأعياك التَّطواف بالكتب والخلافات.

ثم تعال معي، واصبر معي. فقد جنيت لك الأطايب من شجرة طيبة إن كنت من الصادقين، وإن علمت أن أحداً من العقلاء لا يجازف بآخرته فيهرف بما لا يعرف.

ذكر البخاري عن علي رضي الله عنه أنه قال: “حدثوا الناس بما يعرفون، وَدعوا ما يكرهون. أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟” ومن هذا الباب قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم”.

وقد كانت ولا تزال أحاديث الصوفية عن مواجيدهم وما يتخذونه من مصطلحات فتنة لكثير من المسلمين. ومن الناس من يكره تلك الأحاديث لمجرد أنها تشير إلى ما لا تدركه عقولهم. وعند القوم رضي الله عنهم مما يضمره الجنان ما لا تتسع له العبارة رغم وفرة المصطلحات. قال الغزالي: “ومن أول الطريقة تبتدئ المشاهدات والمكاشفات حتى إنهم (أي الصوفية) في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتا، ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى بهم الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجـات يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطإ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه”.

رويدا، رويدا! ملائكة تشاهد! أرواح! ثم لا يكفي هذا! أين بساطة الإيمان من هذه الدعوى التي لا يستسيغها مُدرك بحس ولا متخيل بحدس؟!

السلف الصالح لم يستعملوا الألفاظ المُغْرِبة وإن كان ورد عن عمران بن حصين الصحابي رضي الله عنه أنهُ كانت تصافحه الملائكة حتى اكتوى فاحتجبت عنه.

إن اصطلاحات القوم ككل الاصطلاحات المحدثة في الإسلام أشياء محددة بالمكان، موسومة بالزمان، أملاها الاضطرار.

قال الأستاذ القشيري: “السلف الصالح لم يسْتعملوا هذه الألفاظ. لم يكن في معارفهم خلل. والخلَف الذين استعملوا هذه الألفاظ لم يكن ذلك منهم لطريق الحق مُبايَنةً، ولا في الدين بدعة. كما أن المتأخرين من الفقهاء عن زمان الصحابة والتابعين اسْتعملوا ألفاظ الفقهاء من لفظ “العلة” و”المعلول” و”القياس” وغيره. ثم لم يكن استعمالهم لذلك بدعة ولا خُلُوُّ السلف عن ذلك كان لهم نقصا. وكذلك شأن النحويين والتصريفيين ونَقَلَةُ الأخبار، في ألفاظ تَخْتص كل طائفة منهم بها”.

قال هذا الأستاذ القشيري، وهو من أئمة الفقهاء والمتكلمين والصوفية، جمع الله فيه خيرا كثيرا، في رسالة له يدافع فيها عن العقيدة الأشعرية، وعن مصطلحات المتكلمين.

ومن العلماء الأكابر من يشفق على قارىء أخبار الصوفية أن يسيء فهمهم فيقرب ويُسدد. قال ابن القيم بعد أن تناول مبحثا دقيقا من مباحث شيخ الإسلام الهروي: “وكَسَوْتُهُ أحسن عبارة لئلا يُتَعدى عليهم بسوء التعبير الموجب للتنفير”.

ومنهم من يشرح ويُقارن. قال الإمام السيوطي: “واعلم أن دقائق علم التصوف لو عُرضت معانيها على الفقهاء بالعبارة التي ألفوها في علومهم لاستحسنوها كل الاستحسان، وكانوا أول قائل بها. وإنما ينفرهم منها إيرادها بعبارة مستغربة لم يألفوها”.

وبعد فما هو التصوف، وكلمة “تصوف” هي رأس قائمة المصطلحات؟ وما علاقة التصوف، وهو لفظ محدث، بالإحسان وهو لفظ قرآني نبوي، وبالتزكية والتطهر؟

اعلم يا أخي أولا أنني أزهد الناس في المصطلح إن سلمت لنا مطويات القلوب ومكنونات اللبوب. واعلم ثانيا أن هؤلاء الذين تسموا في التاريخ صوفية أشكال وألوان وأصناف، منهم الصادقون ومنهم دون ذلك. واعلم أخيرا أنني لا أبغي بغير الصحابة المجاهدين المهاجرين إلى الله ورسوله الناصرين بديلا.

أما الصوفية فقال عنهم واحد من فرسان العلماء وجهابذتهم ابن تيمية رحمه الله: “طائفة ذمت الصوفية والتصوف، وقالوا إنهم مبتدعون خارجون عن السنة(…). وطائفة غَلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء. وكِلا طرفي هذه الأمور ذميم. والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله. ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده. وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين. وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيُخطئ، وفيهم من يذنبُ فيتوب أو لا يتوب. ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه، عاص لربه.(…) فهذا أصل التصوف. ثم إنه بعد ذلك تشعب وتنوع، وصارت الصوفية ثلاثة أصناف: صوفية الحقائق، وصوفية الأرزاق، وصوفية الرسم”.

يعني شيخ الإسلام بصوفية الحقائق صوفية السلوك والأذواق والكشف والفتح والكرامات على درجات. ويعني بصوفية الأرزاق أقواما حبسوا أنفسهم في الخانقات والزوايا تجري عليهم الجرايات والأرْفاقات والصدقات. ويعني بصوفية الرسم المتشَبّهون والمتبركون والمنتسبون باللباس والآداب والزي. صنف رابع لم يذكرهم الشيخ هم صنف التصوف الفلسفي يحملون الاسم زورا وبهتانا.

وصنف خامس لم يذكرهم الشيخ ولعلهم كانوا لا يوجدون في زمانه ومكانه واهتمامه. وهم صوفية الرباط، المجاهدون في ثغور المسلمين.

بالجملة ما حكم العلماء على الصوفية الصادقين؟ قرأنا في الفصل الأول من هذا الكتاب شهادات تمشي على رجلين، هي شهادات فطاحل العلماء الساعين بخضوع للجلوس بين يدي العارف الرباني. ونقرأ هنا شهادة مكتوبة. قال ابن القيم رحمه الله: “فَنبأ القوم عجيب، وأمرهم خفي إلا على من له مشاركة مع القوم، فإنه يطلع من حالهم على ما يريه إياه القَدْر المشترك”. لا شك أن الشيخ يعني نفسه هنا، يشارك القوم (الصوفية) في مشاربهم القلبية ويَنْفَرِدُ عنهم بالمشاركة الواسعة في علوم الظاهر. والقدْرُ المشترك بينه وبينهم عَلّمَه أن: “جملة أمرهم أنهم قوم قد امتلأت قلوبهم من معرفة الله، وغُمِرت بمحبته وخشيته وإجلاله ومراقبته. فسرت المحبة في أجزائهم، فلم يبق فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحب. قد أنساهم حبه ذكر غيره. وأوحشهم أنسهم به ممن سواه. قد فَنُوا بحبه عن حب من سواه، وبذكره عن ذكر من سواه، وبخوفه ورجائه والرغبة إليه والرهبة منه والتوكل عليه والإنابة إليه والسكون إليه والتّذلل والانكسار بين يديه عن تعلق ذلك منهم بغيره”.

أهذا غلُو في القوم يُبْديه تلميذ ابن تيمية الذي يعده المستَخِفّون عدوا لكل ما يمت للتصوف بصلة؟ كلا والله بل هي شهادة رجل واثق ذائق صادق.

والتصوف الخُلُق. قال الكتاني أحد مشايخ الصوفية: “التصوف هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف”. وسئل ذو النون المصري، وهو من أكابر القوم، عن الصوفي فقال: “هو الذي لا يُتعبه طلب، ولا يزعجه سلب”. وقال أيضا: “هم قوم آثروا الله على كل شيء فآثرهم الله على كل شيء”.

لا حاجة لنا هنا في البحث عن أصل المصطلح هل هو من الصوف أو من الصفاء. ولننظر في المواضيع التي تملأ كتب القوم. في رسالة القشيري: “باب في تفسير ألفاظ تدور بين هذه الطائفة”. منها الحالُ والمقام، والقبض والبسط، والهيبة والأنس، والتواجد والوجد والوجود، والجمع والفرق، والفناء والبقاء، والغيبة والحضور، والصحو والسكر، والذوق والشرب، والمحو والإثبات. والقائمة طويلة. وتحت كل لفظ علوم يُبْهمها الصِّيانُ ولا يفصح عنها البيان إلا إشارات ومصطلحات يعرفها من ذاق.

لا بأس من هذه الأذواق الشريفة المُنيفة تُصاغ في قوالب لفظية ليتداولها أهل الذوق وليتفاهموا فيما بينهم. وقد كانت حياتهم حياة التفرغ والانكفاف عن الخلق. يتسع وقتهم لتعْميق المشاعر الرقيقة. يا حسرة على من ظن أن حديث القوْم ولغتهم زخرف القول غرورا، تزويق وتنميق. ذاك على الباب ما قرع، ومن أهل الذكر ما سمع. أولئك هم الغافلون.

لابأس، وبخٍ بَخٍ! لكني لا أجد في هذه القائمة المبجلة كلمات القرآن والنبوة عن الجهاد، والقتال، والنفقة في سبيل الله، وحصار المشركين، والغلظة عليهم والشدة، والتحزب لله، وحمل هم الأمة، والنصيحة لعامة المسلمين وخاصتهم.

وجَدَّتْ في عصرنا مستجدات: أمة مقهورة مقسومة مغلوبة، فلسطين القدس المحتلة، تخلف المسلمين، حكام الجبر عليهم، قوى عظمى تتحكم في الأرض، تخلف، صناعة، فضاء، علوم، اختراعات، تكنولوجيا، طـوق إعلامي يغزو سكان الأرض، مجاعة، تضخم سكاني، استعمار، ثورة، تلوث البيئة، أسلحة نووية، أسفار نحو الكواكب، إنتاج، استهلاك، ديموقراطية، اشتراكية.

أين تقع مصطلحات القوم من اهتمامات العصر، ومن المستقَر القرآني النبوي، ومن النموذج الصحابي الجهادي؟ هذا هو سؤالنا في هذا الكتاب.