التربية الإيمانية عملية على نجاحها يتوقف ميلاد المسلم إلى عالم الإيمان، ثم نشوءه فيه وتمكنه ورجولته، ولا جهاد بلا تربية، ولا يكون التنظيم إسلاميا إن لم تكن التربية إيمانية.

الشرط الأول: الصحبة والجماعة

الشرط الأول في نجاح التربية وجود صحبة وجماعة تتلقى الوارد عليها في رحاب المؤمنين المتواصين بالصبر والمرحمة. الوجه الباش، والكلمة المبشرة المشجعة، أول ما ينبغي أن يدركه الوارد من وجود مرحمة ومحبة في الأسرة التربوية حتى يحب صحبتها والسير معها.

ومحبة الواردين، بل محبة المسلمين حين ندعوهم ليردوا علينا، لا تأتي بتصنع ولا هي نفاق اجتماعي. إنما يجدها المؤمن يفرح بكل رجل هداه الله على يده.

يسمي سيد قطب رحمه الله الجماعة المصحوبة محضنا، ويسمي “عزلة شعورية” الشعور الجديد عند الوارد حين يلمس الرحمة مع المؤمنين فيكره ماضيه ويقبل على إخوته الجدد.

ولا تنجح التربية إن كان النقيب المشرف عليها مجردا عن عاطفة المرحمة أو لم يكن قدوة في تقواه وسلوكه، صحبته لا تنفع إذا.

وسنذكر إن شاء الله في شعبة الهجرة كيف يطوي الوارد المراحل بالخروج الفعلي من بيئته العادية، والانعزال في المعسكر والسياحة الدعوية، ليندمج مع البيئة الإيمانية الصالحة.

الشرط الثاني: الذكر

يقول سيدنا وابن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “أوتينا الإيمان قبل القرآن، وأنتم أوتيتم القرآن قبل الإيمان فأنتم تنثرونه نثر الدقل” والدقل رديء التمر. أخرجه الحاكم وصححه. واختصرناه.

رأينا أن الإيمان يتجدد بالإكثار من قول لا إله إلا الله، فعندما تكون الصحبة صالحة، رجلا صالحا وجماعة صالحة، ويقبل الكل على ذكر الكلمة الطيبة النورانية حتى يخرجوا عن الغفلة، ينشأ جو إيماني مشع، ينشأ في الجماعة فيض إلهي، رحمة، نور تستمد منه القلوب بعضها ببعض. فتلك هي الطاقة الإيمانية، الجذوة الأولى التي تحرك القلوب والعقول لتلقي القرآن بنية التنفيذ كما كان يقول سيد قطب رحمه الله.

النبع لا إله إلا الله، والفيض نورها، حتى يستطيع المؤمن وجماعة المؤمنين تلقي شمس القرآن، ومدد القرآن، وبركة القرآن، وحتى يستطيعوا العمل بمقتضى القرآن.

وسنرى إن شاء الله أن تحت خصلة الذكر في تصنيفها اثنتا عشرة شعبة من شعب الإيمان، أهمها الصلاة، وأعلاها قول لا إله إلا الله وقلبها القرآن تلاوة ومحبة وعملا.

رجال ذاكرون رجال مجاهدون، قوم غافلون قوم قاعدون.

الشرط الثالث: الصدق

المهمة المندوب إليها حزب الله مهمة شاقة، إنها مهمة بناء أمة، مهمة استثنائية، فنريد رجالا من نوع جيد، لهم استعداد جيد، ليصبحوا جنودا، ويكمن لهم غناء في ميادين الجهاد. أعني بكلمة صدق استعداد الوارد ليتحلى بشعب الإيمان، ويندمج في الجماعة ويكون له من قوة الإرادة وطول النفس ما يمكنه من إنجاز المهمات حتى النهاية.

لا فائدة من ضرب الحديد البارد، ولا فائدة من محاولة تربية من ليس له استعداد.

وهنا يطرح سؤال: هل التنظيم الإسلامي تنظيم نخبوي أو جماهيري بلسان العصر؟

نجيب أن جماعة المسلمين لا تتكون إلا من المهاجرين والأنصار كما كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن عداهم يسمون في القرآن أعرابا فلا يخاطب بالجهاد إلا من هاجر ونصر.

كذلك اليوم لا بد أن يكون الصف مكونا من عناصر قادرة على التماسك، ولا بد داخل الصف أن نميز العناصر القيادية ذات الاستعداد العالي لنضعها في مكان المسؤولية.

والجماعة بعد هذا، وبقوة تماسكها، تستطيع أن تستقطب عطف الشعب، وتستدعي سنده ودعمه، بل واجبها أن تعلم الشعب وتربيه وتعبأه. ولا تملك أن تفعل إن كان صفها ضعيفا.

صحبة وجماعة + ذكر + صدق، هذه معادلة التربية الإسلامية في خطوطها الرئيسية، شرط في المربي (بالكسر) وبيئة التربية، وشرط في تجديد الإيمان، وشرط في المربى وقابليته للجندية، وسائر الخصال العشر مع ما تضمه من شعب الإيمان تكمل الشروط وتجلو الصورة إن شاء الله تعالى.