بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه.

خير وكمال (من كتاب تنوير المؤمنات)

الكمال العلمي الحق هو: “من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين”. رواه الرمذي عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. الكمال العلمي في طلب علم الوحي ليكون إماما وسيدا ومرشدا لعلوم الكون، وليكون السعي إلى تحصيله جهادا، ولتكون المشقة والصبر على امتلاكه وسيلة وطريقا إلى الجنة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة”. رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه.

الكمال العلمي تعلم القرآن وتعليمه وتفريع كل علم سواه عنه من علوم الدين والدنيا. “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”. حديث نبوي رواه البخاري وأبو داود والترمذي عن مولانا عثمان بن عفان رضي الله عنه.

خير وكمال حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على إنالة النساء المومنات حظهن منه. جئنه يوما فقلن: “غلبنا عليك الرجال! فاجعل لنا يوما من نفسك! فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن”. الحديث رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

يمنع شيطان الكبر ووسواس الخجل من طلب العلم وتلقيه. ثلاثة نفر حضروا مجلسا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم أحدهم، وتأخر الآخر، وتردد الثالث. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أما أحدهم فأوى إلى الله عز وجل فآواه الله، وأما الآخر فاستحييى فاستحيى الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه”. أخرجه الشيخان والترمذي والموطأ عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه.

تربية قرآنية (من كتاب تنوير المومنات)

موعدنا مع الإنسان لنسلمه الرسالة فيقبلها معتزا بنا أن جئناه وقرعنا بابه يومٌ من أيام الله يكون نشأ فيه جيل قرآنيٌّ مَسْجِدِيٌّ. القرآن الرسالة والمسجد عاصمتها. ما أحوجنا إلى المعاهد التكنولوجية ومرافق البحث العلومي. مثلَ الناس نحتاج، وأكثرَ من الناس نحتاج. وقد قدمنا أن التربية العلومية تسري فيها روح الدعوة بما يحملها إليها في شغاف القلب الأمهات الحاضنات، والولد الصالح نشأ في أسرة صالحة فشرب من معين الإيمان. ولا بد للدعوة السارية روحُها مِن موعد لقاء، وبرنامج لقاء. الموعد المسجد، والبرنامج القرآن.

إن لا يأت إلى المسجد تلامذة المدرسة وطلبة الجامعة، يأت إليهم المسجد. في المدرسة والمعهد والكلية مسجد وقرآن. أول خُطى الطفل إلى المسجد، يأخذ بيده إليه أبوه وعمه وأخوه، مناسبة يُحتفل بها في الأسرة، ويُلْبَس الطفل لباس الأعياد، ويصور ليحتفظ في ذاكرته بحدث مهم في حياته. كان أجدادنا رحمهم الله أفضل مِنا وَلاءً للقرآن، يختِم الطفل ختمة كاملة فيركب فرساً ويُزف كما تُزَف العُرسان، احتفاءً به أن حفظ من آيات الله. ويختم نصف ختمة وربعها وعشرها فيُفعَل به من البِر والاحتفال. ذكريات الطفولة مؤسِّسَاتٌ للشخصية، نربطها بالمسجد والقرآن، لا نترك المناسبات الاجتماعية تنسج ثوبها.

ليس معنا وقت لنقف مع من يصرخ: بدعة! بدعة! ما يساعد على الدين سنة حسنة. البدعة والضلالة أن نترك بذور الشر والغفلة والعادات السيئة تنزرع في نفوس الصبية. كل ما أصلح تربة النفوس لتنغرس فيها آيات الله وحب بيوت الله عمل صالح. وما خلد في نفس الفتاة ذكرى يوم احتجابها واختمارها في اللباس الشرعي من حفلة واجتماع واهتمام عمل صالح تُرجَى عوائده مَدَى الحياة إن تُعُهِّدَ بالتربية، وصين في بيئة قرآنية.

كان مَن قبلنا رحمهم الله أقرب إلى السنة بعمارتهم المسجد يعقد فيه النكاح، وتُعلن الخِطبة، ويخرج منه العريس. وتعود إلى المسجد مركزيته في دولة الإسلام ووظائفه. في بنايته العامة وما حولها من مرافق.

طفل وطفلة أغنتهمَا الأسرة، وعلمتهما البذل، وتابعت مسيرتهما من المسجد إلى المدرسة، إلى الجامعة إن كان، إلى النجاح المهني حيث تُنال وسائل البذل. ذلك حق الولد الصالح على الوالدين الصالحين لصنع مستقبل الوَلد عنصراً صالحا في محيطه.

وحق الأمة وحق الرسالة أن تكون الأسرة وامتداد نفوذها وتأثيرها في المدرسة والجامعة قد غذّت الولد منذ صباه الباكر بالقرآن والتوحيد. أول كلمة تفرحين بها تخرج من فم الصبية والصبي لا إله إلا الله. وأول جملة قل هو الله.

ثم يكون القرآن محور العملية التربوية ومورد العلم وجامع العلوم. لاسيما في السنوات التسع الأولى حين يتكون النسيجُ الأساسي للشخصية. هل يستوي في فرص علوق الإيمان بالقلب مَن غذينه بالأغاني رضيعا ومن ألقمنهُ مع ثدي اللبن ثدي التغني بالقرآن؟ قلت: فُرص العلوق. وإلا فالهداية الإلهية والرحمة تصيب من شاء الله كما يشاء الله.

حفظ القرآن يكون مادة أساسية في المدرسة الأساسية وما بعدها. ألم يكن ما مع المومنين من القرآن مقياسا للتقدم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ألم تكن السورة يحفظها المومن وتحفظها المومنة كالوسام يفتخر به، وكالكنز يُسعى إليه، وكالمورد يأتي الناس عطاشا ليشربوا منه؟ حفظت سورة البقرة! حادثة ومزية تهمس بها الإسلاميات فيما بينهن اليوم، وفي غد الإسلام إن شاء الله يكون الحفظ شرطا للمرور والنجاح.

من القرآن يتعلم الأطفال القراءة والكتابة. ومنه يتضلعون من اللغة، نحوِها وصرفِها وبلاغتها. كان التلقين التقليدي على الألواح بركةً. لاشك. ومن قرأوا في الألواح وحفظوا يتميزون، لا يزالون، بالتمكن في اللغة العربية، لا كما يجرح اللغةَ ويخدِش وجهَها دكاترة ودكتورات ما فتحوا المصحف يوما. توضع أرقى وسائل التعليم المادية، وتوضع الخبرة التربوية أحدَثَ ما وصلت إليه العبقرية العلومية، في خدمة حِفظ القرآن. الله أعلم ما تصير إليه الأوراق والأقلام والتهجي الأبجدي في مستقبل سيادة الحاسوب. لكن التربية القرآنية، والمصحفَ كما نعرفه اليومَ، ينبغي أن تصل بين الأجيال المومنة لا أن تفصل.

نريد للأجيال الصالحة أن يزول، بالعِلْم لا بالتطاول، ما بينها وبين القرآن من فواصل الآثار، لتستقي من النبع جاثية أمام منبر الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، تسمع وتتدبر وتجتهد وتطيع. لكننا لا نريد أن تفصل الإلكترونيات السريعة الطائرة بين أجيال الصلاح وبين ذخائر الفقه وعلوم السلف الصالح رضي الله عنهم.

واضع المناهج الدراسية، ومهندس المدرسة وبانيها، والأمهات الحواضر، والمعلمة المربية، يضعون نُصبَ أعينهم مواصفات الشخصية القرآنية المطْلوبِ تخريجها. هذه الشخصية تنجمع فيها العلوم حول نواة العلم، أي يُوجِّه فيها القرآنُ الإنسان.

فمن الخطوات الأولى إلى مدرسة الحضانة، وبستان البراعم، يُعَلّم التهجي من آيات القرآن وسوره القصيرة. ويُعَلّم الحساب من عدد ركعات الصلاة، ويُعَلّم ضبط الوقت من مواقيتها. وتتفرع علوم الرياضيات والهندسة في مراحل أخرى من تحول الليل والنهار، ومن أنصباء الزكاة، ومن فلكيات الشهور وتغير مواقيت الظهر والعصر.

آيات اختلاف الليل والنهار ومطالع الشمس والقمر مدخل لدراسة الجغرافيا. قصص الأنبياء عليهم السلام مقدمة ومعيار لدراسة التاريخ. آيات الخلق والإبداع الإلهي فتح لباب الاطلاع على الكون المرئي من ساحة الغيب. آيات النبات والثمرات والأعناب والنخيل والرمان كتاب كامل لمعرفة جنات الدنيا وجنات الآخرة. آيات الخيل والبغال والحمير والأنعام امتنان إلهي على العباد يُفضي العلم به إلى البحث في الاقتصاد وعلوم الأحياء. آيات نشأة الإنسان في الأرحام من نطفة إلى علقة فمُضغة مخَلّقةٍ وغير مُخَلقة: تذكير بالخالق، وتَعجيبٌ للإنسان الذي أطفأت فيه الحضارة المادية العجائبية فطرة التعجب من وجوده. ثم هي منطلق لدراسة مقدمات علوم الأحياء والطب وتركيب الجسم وقواعد الوقاية والصحة.

في المدارس التي يديرها العقل المعاشي اللاييكي شتاتٌ من مواد لا رابط بينها. كونيات متبرِّجَة خلابة مشتتة لا مغزى لها وراء الكون المادي. تصنع هذه الأشتات شخصية معرضة عن الله مقبلة على الدنيا. ونحن نريد دراسة مخلوقات، تركيز مفهوم الصلة بين الخالق والمخلوق، تركيز ضرورة خالق للمخلوقات. تركيز عقلي يوطد في النفوس ما كانت التربية المبكرة غرسته عن طريق الحب الفطري والإخبار الفطري “قولوا لا إله إلا الله تفلحوا”. حديث نبوي، خطاب فطرة كان هو شعار الرسالة سمعه العرب من فم الرسول الكريم.

إن ثقة العقل الناشئ بالكَمِّ والمقدار والمعيار والقياس والتجربة والتحقيق من النتائج هي البِنية السليمة للعقل الذي يراد له اكتساب علوم اليوم والغد. هذا العقل الناشئ لا يكون مسلما فأحرى أن يكون من جند الله الـمُغيرين على دنيا العلوم إن لم تكن قراءته للكون قراءة نقدية من جانب طُور الإيمان بالله الخالق، وإن لم تكن يقظته العقلية مصحوبة مسبوقة بيقظة قلبية لا يحجبُ الخلقُ معها الخالق. إن لم يكن خلق الله من إنسان وحيوان ونبات وبيئة وشيء براهين دالة على الله، وإن لم يكن احترام ما سخر الله من شيء، والتكوين الذاتي المستمر استجابة لـِ(وقل ربِّ زدني علما(.(سورة طه، الآية: 111) آيةٍ أنزلها الله، وإن لم يكن تقييم سلوك النفس والغير واستشراف المستقبل خاضعا لشرع أنزله الله، فتربَّصوا حتى يأتيَ الله بأمره. لا إله إلا الله محمد رسول الله.

القرآن الكريم (من كتاب تنوير المومنات)

تقرئين أخت الإسلام في صلاتك بأم القرآن وفاتحته وعنوانه ومقدمته، تقولين: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين لتعلني ولاءك المطلق وحمدك الشاكر لربك العظيم رب العالمين، له الأسماء الحسنى والصفات العلى. ثم تتقدمين بطلبك أن يهديك ويدرجك في مدارج الذين أنعم عليهم لتسيري على الصراط المستقيم. ثم تتبرئين وتستعيذين من أعدائه المغضوب عليهم والضالين.

ها خضوعك لمولاك، وطلبك الدائم منه، وهمك المقيم. وهذا صراط الاستقامة والعبودية الذي خطه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل قوله من حديث رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما قال عبد قط إذا أصابه هم وحزن: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضي في حكمك، عدل في قضاؤك. أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله عز وجل همه، وأبدله مكان حزنه فرحا”. فقلنا: “يا رسول الله! ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات. قال: “أجل! ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن” تقولين: اللهم إني أمتك وابنة عبدك وابنة أمتك…

الخاصة الإلهية النبوية التي أودعها الله تعالى في هذا الدعاء الاستشفاء من الحزن والهم، ومثلها من خصائص الأذكار والأدعية والآيات والسور، مما تتعلق به نيات المسلمين لقضاء أغراضهم الدنيوية. وهو أمر مشروع، وأسرار حقيقية، ودرجة من درجات تعامل المولى عز وجل بلطفه مع عباده وإمائه. في القرآن والأدعية المأثورة والأذكار الخاصة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم شفاء لما في الصدور. تسمع المسلمة والمسلم قول الله تعالى: “قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور”، وقوله جل شأنه: “وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمومنين، ويسمع مثل هذا الحديث النبوي الشافي، فيصدق، ويمتثل، ويستشفى بالآية والدعاء والذكر لأمراض جسده، لا يتجاوز ذلك.

ذلك حظها أن لم يرتفع فهمها لتعلم أن الذي في الصدور هو القلب، وأن الاستشفاء بالآية والدعاء والذكر الخاص من أسقام الجسد إنما هو رخصة وصدقة على العباد لا ينبغي أن تعطل ولا أن تزاحم أسباب الاستشفاء من أسقام الجسم التي وضعها الله عز وجل ضمن سنته الكونية.

وعلى المومنات أن يحترسن غاية الاحتراس من المتجرين في الخرافات الذين يوزعون الأدعية والأحجبة. لا يسمع كلام من يتجر في آيات الله، ومن “يعطي” أذكارا من عنده للتبرك. فإن الحدود الفاصلة بين ذلك وبين السحر لا تتبينها العين المجردة.

تأخذ المومنات ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يخصص هذه السورة وذلك الدعاء، يستشفين به من الأسقام النفسية، فما مثل القرآن والذكر شفاء لها في الصدور، وجلاء لهموم الدين. يأخذن عنه صلى الله عليه وسلم النصائح التي تكشف عن أنوار بعض السور والآيات ليجعلنها في مكان الأسبقية في الحفظ والاستظهار والتلاوة، طالبات بذلك عطاء الله كاملا، وجزاءه موفى شاملا. أجزل عطائه سبحانه وأوفى نعمه وأشملها عافية القلب من عاهاته.

فاتحة الكتاب قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هي أعظم سورة في القرآن، وأنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته” (البخاري). ونزل عليه صلى الله عليه وسلم بشره بأنه أوتي نورين لم يوتهما نبي قبله: الفاتحة وخواتيم سورة البقرة، وأنه لن يقرأ بحرف منها إلا أعطيه (مسلم). خواتيم سورة البقرة من قوله تعالى: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه إلى آخر السورة.

وأمر صلى الله عليه وسلم أمته أن تقرأ الزهراوين البقرة وآل عمران، لأن في البقرة بركة، ولأن الزهراوين تحاجان عن صاحبهما يوم القيامة (مسلم).

وأخبر صلى الله عليه وسلم أن أعظم آية في كتاب الله آية الكرسي (مسلم). وأخبر أن من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال (مسلم). وأخبر أن سورة تبارك شفعت لرجل حتى غفر له (أبو داود والترمذي). وأقسم صلى الله عليه وسلم على سورة الإخلاص (قل هو الله أحد) قائلا: “والذي نفسي بيده! إنها لتعدل ثلث القرآ،”. (البخاري). وقال صلى الله عليه وسلم عن المعوذتين: “ألم تر آيات أنزلت لم ير مثلهن قط: قال أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس”. (مسلم).

وجاءت أحاديث أخرى عن سور وآيات تتفاوت درجات صحة روايتها.

الذي يحصل لنا أن في القرآن الكريم، وكله نور، سورا وآيات فضليات تحرص المومنة على حفظهن وتلاوتهن يوميا، التماسا لبركتهن، وتقربا بهن إلى المولى الكريم. فما ناجته أمة أو عبد بمثل كلامه المقدس.

أي جدب تعانيه النفوس الجافية الغافلة اليابسة!

عاشت عمرا ما فتحت المصحف! ما تطهرت يوما لتمسكه بيدها وتقرأ فيه آية! هجرت كتاب ربها وقرأت روايات الغرام، وقصص الخيال، ورنت آناء الليل وأطراف النهار إلى صور التلفزيون وعهارة تتسلل من الهوائيات. هل سمعت الغافلة وسط ضوضاء العالم أن لها ربا اعتنى بخلقه، وبعث إليهم رسلا، وأتم نعمته على من استجاب لدعوته من العباد برسالة؟ من قرأ هذه الرسالة؟ من فتح دفة هذا الكتاب؟

شمعة أطفأتها الرياح الهوج تهب على النفوس الخابية من ذات الشيطان الموسوس في الصدور، ومن ذات الشيطان المتحضر، المتبرج بزينة الدنيا. تهرب البائسة الغافلة عن هم الآخرة بهم الدنيا إلى صور مجتمعات الاكتظاظ لتحظى بساعة أحلام استهلاكية. وتلك البائسة الأخرى المترفة في زينتها وثقافتها وفلسفتها المادية شغلتها عن قراءة رسالة ربها قراءة المجلات الورقية الصقيلة والأخرى عابرة القارات على جناح الأثير.

جدب أنى له أن يصبح القرآن ربيع قلبه! وانطفاء ما له من نور إن وضع المصحف على الرف!

تتوب واحدة وتسمع أن الدعاء النبوي يكشف الهم ويذهب الحزن. فتقرأه تعويذة من التعاويذ، لا تتمعن فيه. الدعاء يسأل الله به أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا. ما دامت التائبة تقرأ الدعاء وتهجر القرآن تلاوة وحفظا ووردا يوميا فهي لم تخط الخطوات الضرورية ليكون القرآن ربيع قلبها. الخطوات التلاوة والحفظ والمداومة. ويذهب الحزن وينجلي الهم متى طرد ترتيل القرآن أشباح الظلام من القبر الخامد المنطفئ الأنوار. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تجعلوا بيوتكم مقابر. إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة”. رواه مسلم عن أبي هريرة.

أمر سول الله صلى الله عليه وسلم أن يتلو القرآن وأن يخبرنا بذلك لنتلو القرآن فيصح إسلامنا: “وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآ،”. وأمرنا صلى الله عليه وسلم بحفظه وتعهده لكيلا ننساه فيصح علينا قوله تعالى لمن نسي آيات الله: “كذلك أتتك آياتنا فنسيتها. وكذلك اليوم تنسى”.

روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تعاهدوا هذا القرآن. فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها”.

وشجعنا صلى الله عليه وسلم على حفظه واستظهاره ووعدنا على ذلك الوعود الكبرى. قال: “الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة. والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران”. رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها. وروى الترمذي بسند صحيح عن الإمام علي كرم الله وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من قرأ القرآن فاستظهره، فأحل حلاله، وحرم حرامه أدخله الله به الجنة، وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت لهم النار”.

وصية بتعاهده تفهم أن الأصل أن يحفظ المسلمون كتاب ربهم. ثم هذا الجزاء الكريم للحافظ وأهل بيته.

جاء عند الإمام أحمد وابن ماجة والحاكم بسند حسن عند أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أهل اقرآن أهل الله وخاصته”.

هل لله تعالى من العباد المومنين والمومنات خاصة اسطفاهم وقربهم؟ نعم؟ هم الأخيار وأخيار الأخيار بما في القرآن، المتعلمين منه، المعلمين له. عند الإمام البخاري عن مولانا عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”.

وفي المجتمع المسلم يكون القرآن محور تربية الأطفال، ومرجع علم اليافعين، وجنة إيمان المسلمات والمسلمين. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده”. الحديث. رواه مسلم.

ويكتسب البيت تجتمع فيه المومنات ويرابطن على التلاوة والدرس معنى من معاني بيوت الله. فكرم الله واسع، والسكينة والرحمة وحفوف الملائكة مما يتفضل به سبحانه على عباده المومنين وإمائه المومنات، أولئك في المسجد، وهؤلاء في مسجدهن وهو بيتهن.

أفضل التلاوة ما كان في الصلاة فرضا، ثم نفلا في جوف الليل، وللتلاوة آداب مفروضة هي الطهارة التامة. والترتيل والتجويد والتغني بالقرآن وتحسينه بالصوت من المكملات. وعلى المومنات أن يتعلمن مخارج الحروف وأصوات الأداء كما حققها علماء القراءات الذين لولا نعمة الله عليهم بخدمة القرآن لتحول لساننا أعجميا ألكن. جزاهم الله عنا خيرا.

إن القرآن الكريم كتاب الله فينا، كتاب هدى ويقين، ونور، وحكمة، وتبيان، وتعليم، وبشارة، ونذارة، وتشريع، وبركة. هو حبل الله فينا.

من آداب تلاوته وترتيله نبدأ. ثم نعظم كلام الله ونستحضر كلام من هو، ونقف مع آيات الوعد والوعيد، وننصرف بالكلية إليه تاركين الوساوس الدنيوية، ونتدبر آيات خاطكبت العقل، وأخرى توجهت إلى العاطفة، وأخرى ضربت الأمثال، وأخرى قصت أحسن القصص، وأخرى شرعت حدود الله، وأخرى حذرت من معاصي الله، وأخرى حملتنا إلى الآخرة لنشاهد نعيم الجنة وعذاب النار وهول الموقف. كل ذلك يا نفس موجه إليك، أنت المعنية به لا غيرك. وهو سبحانه أقرب إليك من حبل الوريد.

من المومنين من لا تسعفه الدمعة الخاشعة وإن كان القلب لينا، وقد يكون من المومنات من لا تسعفها الدمعة. لهؤلاء وصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا”.

هذا موكب الأنبياء عليهم السلان وصفهم الله عز وجل بالخشوع في قوله: (إذا تتلى عليهم آيات الرحمان خروا سجدا وبكيا”. هذا الأثر القلبي هو ثمرة التلاوة والترتيل والاستظهار والتعظيم.

سيد هذا المقام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. طلب إلى ابن مسعود أن يقرأ عليه القرآ،. فلما قرأ: “فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا” التفت فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه تذرفان. حديث متفق عليه. اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا.

قنوات توصل (من كتاب حوار مع الفضلاء الديمقراطيين)

نصل القنوات الفردية بالقرآن والسنة، يحبب القرآن والسنة للنشء ما يشاهدونه ويعاشرونه من قدوة وجو عام في المسجد ومجالس الخير والذكر وحلقات العلم والإيمان.

نصل قنوات الفكر والشعور والولاء بالنموذج المثالي، يحبب ذلك النموذج ويعلمه ويعلق عليه تشوف الناشئة القدوة الماثلة الحية المجالسة للمسلمين في مساجد المسلمين، ويغمر الجو العام المسجدي ذلك التشوف فيعانق الشوق الفردي الهم العام لجماعة المسلمين.

إذا قلنا يوصل قنوات الناشء والتائب بالنبع، وقلنا بصرف وجه قابليته إلى القرآن والسنة، فإنما نعني قبل كل شيء إيقاظ العقل والقلب ليحب الناشئ والتائب الله ورسوله. يقوى حبه ولاؤه لله ورسوله والمومنين على قدر ما يصفو له بصر العلم وعلى قدر ما ينفذ إلى قلبه من نبأ يخبره به القرآ،، وبشارة جاء بها الوحي، ومصير سعيد أعده الله في الدار الآخرة للمتقين، وتكليف خاص وعام يختص بحمله وتنفيذه المجاهدون فيقربهم ذلك إلى الله زلفى.

لا نعني أن كل وارد على المسجد وتائب وناشئ يصبح بعد حضوره المسجد شهرا أو شهرين، وفتحه المصحف ختمة أو ختمتين، قادرا على التفقه المباشر في أحكام دينه من الكتاب والسنة.

لغة القرآن (من كتاب حوار مع الفضلاء الديمقراطيين)

أول ما يتعين على تعليم يطمح إلى وصل الناشئة المومنة بالنبع هو تعليم اللغة العربية بحيث يكون للمومن ما يشبه ويقرب ويحاذي سليقة العرب الذين بلسانهم نزل الوحي. سمعوه فوعته عقولهم واستجاب لهداه بعضهم وكفر بعض ممن انغلق دون هدى الله وانختم قلبه.

وإن تعليم اللغة العربية للشعوب المسلمة عجمها وعربها لما يتحتم أن نجعله في صدر الأولويات. توحد اللغة القدرة على الاتقاء من النبع الواحد كما توحد التفاهم والتقارب وتبادل المصالح. وكل ذلك شرط وفرض وضرورة تاريخية لتوحيد المسلمين. ونرجع إن شاء الله لنحاور الوطني القطري الفاضل.

إن كان عاق تعميم العربية في تاريخنا سعة المساحة وتباعد الشقة وتصارع القوميات وفشو العجمة، فإن مشروع وحدة المسلمين الذي يبشر به ويحمله الإسلاميون، ثم الثورة التواصية التي قربت البعيد وأبلغت الصورة والصوت والمعلومات في لمح البصر من أقصاها إلى أقصاها، من شأنهما أن يجعلا تعميم اللغة القرآنية الشريفة المنيفة في متناول الهمة.

ومن يرفع الهمم ويلغ ويصل ويقرب ويوحد غيره سبحانه لا إله إلا هو.

فإذا أصبح للتائب والناشئ حس إيماني، ووحشة من بوار الكفر والشظف الروحي في عيشرة الغافلين، وتعطش إلى السماع القلبي والعقلي من الله ورسوله، وكان للناشئ والتائب بصر حسن بلغة القرآن، فقد تأهلا للاتعاظ المباشر بالوعيد والوعد، والاعتبار المباشر بما في القرآن من أحسن القص وبما في السنة من نموذجية سماوية أرضية، أرضية سماوية.

الباعث القرآني (من كتاب حوار مع الفضلاء الديمقراطيين)

ما لم يغرس التعليم الإسلامي المتجدد بذور الإيمان في قلوب الناشئة وفي سن مبكرة، وما لم يصل بحبل الفطرة الموكول صيانته وتوريثه للأسرة بحبل القرآن وعلم الحق المستقى من القرآن فهي مسحة سطحية وصبغة على وجه النفوس ما لها من قرار في شغاف القلب.

للتعليم هدفان أساسيان في أي ملة وقوم: أولهما المؤسس للآخر هو غرس الولاء مبكرا في النفوس. إما الولاء لحضارة وتقاليد أٍسرية قومية، وإما الولاء لدين، وإما الولاء لشخص حاكم يعبد من دون الله كما كان يربي ستالين أطفال الاتحاد السوفياتي على الولاء لشخصه، وكما يفعل كيم إيل سونغ في كوريا الشمالية حيث لا نشيد إلا في مدح أبي الشعب، ولا صورة إلا ما يمجد القائد الخالد، ولا استعراض، ولا درس يبدأ، ولا تمثال ينصب، ولا شاذة وفاذة إلا وتنصب جهودها لترسيخ الولاء للطاغوت.

الهدف الثاني المؤسس على الأول هو إكساب الناشئة المهارات العقلية العملية المطلوبة اجتماعيا واقتصاديا.

الهدف الأول تربوي نفسي يكون أقوى تمكنا في نفوس المتعلمين كلما كان أكثر بكورا، وكلما كانت أساليبه أشد وقعا وأمتن تماسكا وأسبق إلى النفوس قبل أن تسكنها تربية أخرى وولاء آخر.

والهدف الثاني تعليمي تدريبي عملي من شأنه أن يفي بالمقصود منه إن كان الباعث التربوي النفسي الولائي المؤسس في مكانه من التأصل والتمكن وقوة الدفع، وإذا كانت برامجه وجدواه العملية وملاءمته للحالة الاقتصادية ملبية لحاجات المجتمع منفتحة عليها.

في المجتمع الإسلامي المتجدد لا ولاء يقبل إن لم يكن لبه الولاء لله وحده لا شريك له. وما سوى هذا اللب من إشعاعات وتفرعات إنما يقتبس الحرمة في نفوس المسلمين من انبثاقه وانبعاثه عن اللب.

أعني بالانبعاث الاندفاع الداخلي القلبي الأخلاقي الإيماني.

يقول علماء اللغة: البعث إثارة الشيء وتوجيهه ومضيه.

ينبعث العامل تلبية لنداء مثير، وتوجيه موحد، ويمضي مع حركة عامة تصنع مناخ الحماس، بل مناخ الإرادة والعزم والعمل الجاد. فإذا كان النداء لا يثير ولا يعبئ لغربته عن الأسماع النفسية، وكان التوجيه معاكسا لميل الناس، وكانت الحركة اضطرابا ودورانا، فينبغي مراجعة النظام التربوي التعليمي من أساسه. ينبغي اتهام الباعث المزيف الذي تمج الفطرة صوته، وتعصي توجيهه، ولا تمنحه من ذات جهدها إلا رغبا في الجزاء العاجل ورهبا من سطوة القائل الآمر، ولا تسير بسيره إلا مغلولة مجرورة.

هذا هو موطن الداء في علة المسلمين: الباعث لا يجد صدى في النفوس لأنه نداء من جانب الشك لا من جانب الإيمان.

في أحشاء الأمة إيمان راقد ينبعث ويبعث الأمة بقوة يوم تسمع الأمة الصادقين من أبنائها ينادونها بنداء الإيمان، بصوت القرآن.

القرآن حاكم (من كتاب نظرات في الفقه والتاريخ)

إنما يحتكم إلى القرآن، ويرقي فهمه إلى التلقي عن القرآن، ويحفظ حرمة القرآن، من كان القرآن ربيع قلبه، والنظر فيه قرة عينه، والامتثال له راحة روحه، لا يضيره مع هذا أن يستفيد من علوم الأئمة، وما من علم تناولوه إلا وهو في خدمة القرآن، مستنبط من القرآن، راجع إلى القرآن، صادر عن القرآن، والسنة مبينة منيرة.

وازع القرآن (من كتاب العدل)

جماعة المسلمين المحمولةُ على أكتاف المومنين الذين يعملون الصالحات يسودُها المعروف ويكِلُّ فيها المنكر، ويُزْجَرُ أهله كما يزجر الشواذُّ. إن وقع أحد المومنين في موبقة، وليس من المومنين معصوم حاشا الأنبياء عليهم السلام، أسرع إليه وازع القرآن في قلبه ووبخه وبكَّتَه فندِم وتقَذَّرَ نفسه الملوثة بالمعصية. فتكون توبته وتطهُّرهُ منها عافية له وللناس جميعا من حوله.

هذا النوع من المومنين الخائفين من ربهم المستحيين منه،المتفكرين في آلائه، المراقبين لأفعالهم مخافة يوم العرض عليه، يكون زمامٌ أنفسهم بيدهم،لا يكونون عبيدا لهواهم. هذا ماعِز جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعترف بأنه زنى ويطلب أن يقيم عليه الحد. لم يفضحه أحد ولا تجندت الشرطة والنيابة العامة والمحاكم لمقاضاته.إنما دفعه إلى الاعتراف وازع القرآن في قلبه ورغبتُه في تطهير نفسه بالتوبة والحد لينصرف إلى آخِرته راجيا المغفرة وحسن المآب.

وما هكذا شأنُ عبيد الهوَى، عبيد اللذة وعابدي “الحرية” كما يفهم الحريةَ الجاهليون. الحرية هي استقلال أنانيتي عن كل وازع أخلاقي أو ديني. لا يعرف “الأحرار” إلا عبودية شهوتهم، يحدها فقط القانون الوضعي الذي يقف مثلَ جندي المرور لكيلا تصطدم “حرية” هذا بحرية ذاك، ولكيلا تفسد شهوة هؤلاء و”مصلحتهم” اللذاتية الاستهلاكية بشهوة أولئك.

في المجتمع الإسلامي المُعافَى يَنْشَطُ وازع القرآن، ويرتبط المسلمون برباط البِر والتقوى، ويتعطل أو يكاد وازع الزجر والحد والعقاب. لما بويع أبو بكر رضي الله عنه بالخلافة عيَّن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاضيا. فلبث سنة لا يتقاضى إليه أحد. عرف المسلمون حدود الله فما تعدَّوْها. وقدَّروا نعمة الإيمان حق قدرها فصانوها بالعِفَّة. وعرفوا ميل النفوس إلى الشهوة، فاحترزوا من الهوَى والشيطان أن يغرياهم.

لا إله إلا الله (من كتاب المنهاج النبوي)

يقول سيدنا وابن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “أوتينا الإيمان قبل القرآن، وأنتم أوتيتم القرآن قبل الإيمان فأنتم تنثرونه نثر الدقل” والدقل رديء التمر. أخرجه الحاكم وصححه. واختصرناه.

رأينا أن الإيمان يتجدد بالإكثار من قول لا إله إلا الله فعندما تكون الصحبة صالحة، رجلا صالحا وجماعة صالحة، ويقبل الكل على ذكر الكلمة الطيبة النورانية حتى يخرجوا عن الغفلة، ينشأ جو إيمان مشع، ينشأ في الجماعة فيض إلهي، رحمة، نور تستمد منه القلوب بعضها ببعض. فتلك هي الطاقة الإيمانية، الجذوة الأولى التي تحرك القلوب والعقول لتلقي القرآن بنية التنفيذ كما كان يقول سيد قطب رحمه الله.

النبع لا إله إلا الله، والفيض نورها، حتى يستطيع المؤمن وجماعة المؤمنين تلقي شمس القرآن، ومدد القرآن، وبركة القرآن، وحتى يستطيعوا العمل بمقتضى القرآن.

نثر الدقل (من كتاب تنوير المومنات)

هل هناك أفصح وأوضح في مشروعية الحب في الله من دعائه صلى الله عليه وسلم ربه أ، يرزقه الله حب من ينفعه حبه عنده؟

هل فهم أحد مقاصد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فهمها الصحابة، وهذا أنس يرجو أن يلحقه الله بأبي بكر وعمر ببركة حبه لأبي بكر وعمر؟ هل جاءنا الدين من الأوراق والكتب، أم من قنوات القلوب المومنة: من أبوين ربيا على الإيمان، ومعلم صالح، وواعظ متق، وعالم عامل، ونموذج حي ماثل يحتذى حذوه، ويقتدى به، ويحب؟

هل هي سلسلة من أصحاب، والمصاحبة انقطعت، أم الأمر لا يزال مستمرا من قلب لقلوب؟ نقف ونبحث ونتساءل ونعود للكيفية التي أوتي بها الصحابة الإيمان قبل القرآن، فتلقوا القرآن بتعظيم وطاعة، بينما آخرون ينثرونه نثر الدقل. نعود ونتساءل لتتربى المومنات التربية الكاملة المتكاملة عقلا وقلبا وخلقا. قلبا قبل كل شيء، ليتأهلن بالأنوار المقتبسة المشعة من جيل مومن لجيل مومن، ولينشئن أجيالا مومنة يرضعنهم مع لبن الجسم لبن الإيمان.

ذاق الصحابة حلاوة الإيمان، وطعموا طعمه، فحصل لهم اليقين. ذوقوا طعم الإيمان تابعيهم، وذوق تابعوهم تابعيهم، والجداول النورانية حية لا تزال، متدفقة ينور الله بها بعاده، ويحي بها أرض القلوب كما يحيي بغيث السحاب أرض الزرع.

ما الأمر معلومات تدرج في الطروس، ولا مجرد إقناع فكري وإن كان للعقل مكانه. للعقل القلبي مكانه الذي لا مدخل إليه ينفذ منه العقل المعاشي المشترك بين البشر. ما الأمر معلومات وإقناع فكري، بل هو إقناع قلبي عقلي وجداني أفاضه جيل على جيل، وجليس على جلساء، ومحبوب في الله على محبين في الله.

على هذا المستوى من أهمية الاقتباس القلبي والعناية بمصادره نفهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بآل بيته وبصحبه. روى الرمذي عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الله الله في أصحابي! لا تتخذوهم غرضا (هدفا يرمى بالنبل) بعدي. فمن أحبهم فبحبي أحبهم. ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم. ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله”. ورواه الإمام أحمد أيضا. وعن الشيخين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدا أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه”.

كان الصحابة رضي الله عنهم أوعية للعلم بلغونا ديننا، كانوا فقهاء مجتهدين أناروا لنا الطريق. كانوا أئمة هدى وتقة. كانوا قبل ذلك ومعه مجالي لنور الإيمان، من قلوبهم سطع على من بعدهم. حبهم من حب رسول الله، وحب رسول الله من حب الله. فالهدى هداه سبحانه، والنور نوره، والوصلة قلبية كما هي علمية، تربوية كما هي تعليمية. إذا غاب هذا عن العلاقات بين أجيال المومنين جف معين الإيمان، وأوتي من أوتي القرآن لا إيمان في قلبه، فهو ينثره نثر الدقل.

قطف 1 (من ديوان قطوف)

أمـن تـذكر هـم فيك منكتـم

عـلى زمان تقضى في دجى الظلم

سـكبت دمعا لهيب الشوق أججه

مـن جـذوة الوجد والآلام والندم

سطا عليك الهوى يا نفس فابتدري

رجـعى إلى الله في تصميم مقتحم

لوذي بذيـل أميـن الوحي سيدنا

محمـد خير خلـق الله كـلهـم

واستمسكـي بكتـاب الله علمه

رب البـرية للمحبـوب بالقـلم

واستعصـمي بمتين الـهدى سنته

ومـا تبين من معنى ومـن كلـم

صلى عليه إله العرش مـا انتصرت

كتـائب الحق، لم تهـزم بمزدحم