يهاجم العقلانيون الإيمان بالغيب وينسبون إليه تخلفَ العقل المسلم وخرافيته وجناية المنامات والحكايات وكتب المناقب المحشوة بالكرامات على توازن الوعي العام عند المسلمين. والحل عندهم هو قطع مادة الخرافية من أصولها وتبني النظرة الوضعية المادية. ومن هنا جاءت محاولات أصحاب “الإصلاح” الذين أنكروا المعجزات، وأوّلوا وجود الجن، وهوّنوا من شأن النبوءة والوحي حتى جعلوها نوعا من فطرة النمل والنحل والحشرات. وهذا تخريب للدين من قواعده. فلا عقلانية الكفار اكتسبنا، ولا ديننا حفظنا. وما قيمة عقلانية فاعلة في العالم إن خسرنا آخرتنا وضيعنا أمانة الرسالة التي وُكِل إلينا حملُها؟

إن جناية المنامات والحكايات على العقل المسلم جنايةٌ حقيقيّة في صفوف العوام. ولمّا تقلَّصَ ظل العلماء وضعفت إفاداتهم التربوية راجت الخرافة ونَفَقَتْ في أسواق العِرافة والشعوذة والسحر وتعبير المنام، يتصدّى لتعبيره بالرأي الكالِّ والفهم السقيم والنية الكاذبة كل من هب ودب، وتُبنى عليه العزائم والأعمال، ويَفْصِل في الأمر العويص ظهورُ شبحِ شَيْخٍ لحالم مُتَبَرِّعٍ أو لـمُتحلِّم محترف.

وكان للشيطان، ولا يزال، الحفلةُ الكبرى في خطوطه الهاتفية، يوحي إلى أوليائه في المنام ما عجز عن تفهيمه لبلداء أنصاره وأتباعهم في اليقظة.

الرؤيا الصالحة كرامة تتميز عن الاستدراج النفسي وعن التلاعب الشيطاني. الرؤيا الصالحة للرجل الصالح يراها أو يراها له صادق حادثة في غاية الأهمية والدّلالة على واقع الإيمان في قلبه، وموهوب الهداية الربانية له، وعاجل البشرى بالفلاح والنجاح والزُّلْفى عند الله تعالى وتقدس.

وقد كان للرؤيا الصالحة في حياة الأنبياء عليهم السلام ما قصه الله عز وجل علينا في كتابه العزيز. فرؤياهم وحيٌ، وتنفيذ ما يوحى إليهم مناما صدق لعصمتهم من الشيطان. قال الله تعالى عن عبده إبراهيم لما صدق رؤيا ذبح ولده وبدأ في التنفيذ : (فناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين(.(سورة الصافات، الآية: 105)

الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح والمرأة قد تقع في الاعتبار إلى مقام الإحسان كما تدل على ذلك الآية. رؤيا إبراهيم عليه السلام الإحسانية كانت متعلقة بأمر إلهي كوني يتضمن ابتلاء عظيما ابتلي به الرسول الكريم في ولده، فاقتحم العقبة، عقبة الطبع والعادة والحنان الأبوي. أما في الأفراد المومنين فالرؤيا الصالحة الكونية المخبرة بأنه وقع كذا أو سيقع كذا فقد تتضمن بلاء أو تقترح خيارا، وقد يكون لها شأن عظيم في حياة الأمة، كما كان لرؤيا الملك في سورة يوسف، لكنها ليست من الإحسان في شيء، لأن الرؤيا الكونية الـمُطابقةَ لواقع مضى أو لواقع مستقبل يستوي في تلقيها المومن والكافر، وتختلط منابعُها من أعماق النفس البشرية الجارية على قدَر إلهي من معانيه ومقاصده الرئيسية ابتلاءُ العباد.

الرؤيا الإحسانية هي التي تبشر العبد الصالح بالقرب من ربه عز وجل، وتريه وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتُسمعه منه ومن عباد الله الصالحين إشارات الفوز، وتمثل له النجاة من العذاب والانضواء تحت لواء الأخيار الأبرار.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد كل صباح بعد صلاة الفجر مجلسا يسأل فيه أصحابه عن رؤاهم فيعبرها، أو يقص عليهم رؤاه وهي وحي يتعلمونه على أنه الحق الصريح أو المضروب مثلا. عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يكثر أن يقول لأصحابه: “هل رأى أحد منكم رؤيا؟” الحديث. أخرجه البخاري في صحيحه في “كتاب التعبير”، باب “تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح”.

كانوا يقصون على الحبيب صلى الله عليه وسلم ما شاء الله فيعبِّر ويؤول ويوجه ويربّي. وكان يعظم لأصحابه أمر الرؤيا الصالحة غاية التعظيم، فيقول: “رؤيا المومن كلام يكلم به العبدَ ربه في المنام”. رواه الطبراني عن عبادة بن الصامت بإسناد صحيح. ويقول صلى الله عليه وسلم: “الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة”. أخرجه الشيخان عن أنس. وذهب بعض الشراح إلى أن نسبة الجزء من ستة وأربعين جزءا هي نسبة الستة أشهر الأولى من بعثته صلى الله عليه وسلم التي كان الوحي إليه فيها مقتصراً على رؤيا المنام إلى مدة نبوته وهي ثلاث وعشرون سنة. وهذا تفسير واهٍ كما تدل على ذلك الأحاديث التالية التي تبين أن الرؤيا الصالحة الإحسانية النورانية وحي إلهي وكلام إلهي حقيقي إلى العبد الصالح بتصريح يحمل البشرى أو تلميح يوحي بها ويحتاج إلى تعبير.

وورد في أحاديث أخرى أن الرؤيا الصالحة جزء من سبعين، وغير ذلك، وروى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات” قالوا: “وما المبشرات؟” قال: “الرؤيا الصالحة”. وأخرج الإمام أحمد عن أبي الدرداء وعن عبادة بن الصامت من طريقين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في تفسير قوله تعالى: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة(.(سورة يونس، الآية: 62) قال صلى الله عليه وسلم: “الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له”. وكذا روى ابن جرير وأبو داود الطيالسي.

كان الصحابة رضي الله عنهم، لمّا سمعوا من البشارة العظمى ببقاء هذا الجزء من النبوة، يهتبلون بالرؤيا الصالحة وينتظرون ويحتفلون. كيف لا وقد جاءهم الوعد ببقائه بعد حزن وشدة. أخرج الترمذي عن أنس بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي”. فشق ذلك على الناس. فقال: “لكن المبشرات” فقالوا: يا رسول الله! وما المبشرات؟ قال: “رؤيا المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة”.

قال سيدنا عبد الله بن عمر: “إن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقصونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله. وأنا غلام حديث السن، وبيتي المسجد قبل أن أَنْكِحَ. فقلت في نفسي: لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء !”. رواه البخاري عن ابن عمر، وذكر رؤيا لعبد الله بن عمر مؤداها أنه سلم من عذاب النار. فقصها على أخته أم المومنين حفصة رضي الله عنها، فقصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “إن عبد الله رجل صالح”.

هكذا إذن كان الصحابة يحتفلون بوحي المنام، وهكذا يعتبره الصالحون كرامة، ويعتبرونه كما اعتبره عبد الله بن عمر شهادة من الله عز وجل وبراءة ومنشورا على أن العبد الرائي أو المرئِيَّ له “فيه خير”.

إن دواوين الحديث تخصص كتابا للرؤيا الصالحة، أو “كتاب التعبير” دلالةً على أن هذا الجزء المقدس الباقي من النبوءة من صُلب الدين لا من هوامشه. ويروي المحدثون آداب الرؤيا، وأنواعها، وما يفعله من حَزَنَه الشيطان برؤيا سوء، وضرورة تعبيرها. وما زال المسلمون في كل عصر يرجون ويضرعون إلى الله عز وجل في رؤيا المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويقص بعضهم على بعض رؤياه وبشارتَه لزيد وعمرو من الناس جيلا بعد جيل. وتمتلئ كتب المناقب وصحف الصوفية برؤيا الأموات يقصون ما لقوا في الآخرة وما فعل الله بهم. فيَعتبر بذلك المعتبر، ويتوب التائب.

الرؤيا الصالحة بقية صالحة في هذه الأمة ووصْلة دائمة بالغيب. يقابلها ما نراه عند الشيطانيين والمشركين من استعمال للأحلام في استكناه المغيبات، والتطلع الفضولي لما سيقع، وتفسير الشخصية الإنسانية وغوامضها كما يزعم ذلك فرويد اليهودي ومدارس التحليل النفسي.

وقد ذخر الله رب العزة للاحقين من هذه الأمة ذُخْرَ الرؤيا الصادقة لتكون لهم مذكرة حاضرة ليرجعوا عن إسلام الفكر والثقافة إلى الإسلام الكامل الشامل الذي يكون الإيمان بالغيب والتعامل مع الغيب بميزان الشرع ركنه الركين. روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المومن تكذب”. قال بعض الشراح: اقتراب الزمان هو استواء الليل والنهار في الربيع والخريف. وهذا ليس بشيء، وإنما المقصود تقوية المتأخرين من هذه الأمة بالتأييدات الغيبية مثل الرؤيا الصادقة، كما يشهد لهذا ظهور الكرامات في جهاد أفغانستان ظهورا لم يسبِق له مثيل منذ عهد الصحابة.

وإلى هذا التفسير ذهب الإمام ابن القيم حيث قال: “وهي (الرؤيا الصادقة) عند اقتراب الزمان لا تكاد تُخطئ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: وذلك لبعد العهد بالنبوة وآثارها. فيتعوَّض المومنون بالرؤيا. وأما في زمن قوة نور النبوة ففي ظهور نورها وقوَّته ما يغني عن الرؤيا. ونظيرُ هذا الكرامات التي ظهرت بعد عصر الصحابة ولم تظهر عليهم لاستغنائهم عنها بقوة إيمانهم واحتياج من بعدهم إليها لضَعف إيمانهم”.

عن ضعف الإيمان وطريق تقويته حدِّثنا أيها الشيخ الجليل عبد القادر. يقول رحمه الله: “اهرُب من الفاسقين والمنافقين، والتحق بالصالحين الصدّيقين. إذا أشكل عليك الأمر ولم تفرق بين الصالح والمنافق فقم من الليل، وصل ركعتين ثم قل: يا رب دلني على الصالحين من خلقك. دلّني على من يدلني عليك، يُطعمني من طعامك، ويسقيني من شرابك، ويَكْحُل عين قلبي بنور قربك، ويخبرني بما رأى عيانا لا تقليدا. القوم أكلوا من طعام فضل الله عز وجل، وشربوا أُنسَه، وشاهدوا باب قربه. لم يقنعوا بالخبر، بل جاهدوا وصابروا وسافروا عنهم وعن الخلق حتى صار الخبر عندهم عيانا. لما وصلوا إلى ربهم أدبهم وهذبهم وعلمهم الحِكم والعلوم. أطلعهم على ملكه، وعلمهم أن ليس في السماء والأرض غيرُه، ولا مُعطي غيرُه، ولا مانع غيرُه، ولا محرك ولا مسكِّن غيرُه،ولا مقدِّر ولا قاضِيَ غيرُه، ولا مُعز ولا مذلَّ غيرُه، ولا مسلِّط ولا مسخِّر غيرُه، ولا قاهر غيرُه.

“يريهم ما عنده، فيرونه بأعين قلوبهم وأسرارهم، فلا يبقى للدنيا ومُلكهاعندهم قدر ولا وزن. اللهم أَرِنا كما أريتهم من العفو والعافية”.

وقال رحمه الله: “ما أراكم تفقهون ما أقول! عليكم بدلالات التوحيد والإصغاء إلى كلمات الصديقين والأولياء. كلامهم كالوحي من الله عز وجل. ينطقون عنه وبأمره من وراء مأمور العوامِّ الطَّغامِ. أنت هَوَسٌ! تؤلف كلامك من الكتب وتتكلم به. إن ضاع كتابك ما تصنع؟ أو وقع الحريق في كتبك؟ أو انطفأ مصباحُك الذي تبصر به؟ إذا انكسرت جرّتك وتبدد الماء الذي فيها؟(…)

“تنحّوْا يا أبناء اللقلقة، يا أبناء الصُّحف المؤلفة بأيدي النفوس والأهوية. ويلكم! تنازعون المخصوص! تَنقصون وتهلكون! ولا تبلغون حظكم! كيف تتغير السابقة والعلم بجُهدكم! كونوا مومنين مسلمين(…).

“القوم استطرحوا بين يدي الحق عز وجل، ونسوا لِمَ وكيف وافعلْ ولا تفعل. يعملون أنواع الطاعات وهم وقوف على قدم الخوف. ولهذا وصفهم الله عز وجل فقال: (يوتون ما آتوا وقلوبهم وجلة(.(سورة المومنون، الآية: 60) يمتثلون أوامر الله عز وجل، وينتهون عن مناهيه. ويصبرون على بلائه، ويشكرون على عطائه، ويسلِّمون أنفسهم وأموالهم وأولادهم وأعراضهم إلى يد سابقته وقلوبهم وجلة خائفة منه. العارف إذا زهد في الآخرة يقول لها “تَنَحَّيْ عني فإني طالب باب الحق عز وجل. أنتِ والدنيا عندي واحد! الدنيا كانت تحجبني عنكِ وأنتِ تحجبينني عن ربي عز وجل! لا كرامة لكل من يحجبني عنه!”.