سياق “وأمرهم شورى بينهم”

مطالبُ على نفس المستوى من الأهمية، بعضها شرط في تحصيل الأُخرى: الشورى والعدل والرخاء. يُكوِّن مجموعها مقومات الجهـاد، ويُكَوِّنُ الجهاد وسيلة تحصيلها. جهاد جادٌّ متصل يـبدأ من “الحسنة الجميلة” التي أعجبت عمراً بن العاص،قدَّرَها عند الروم واعترف بها: ألا وهي المنَعَةُ من ظلم الملوك. وعلى الطريق أسئلة مصيرية مثلُ سؤال: هل سينام المسلمون عن أصل البلاء كله وهو الحكم العاض الذي يضع يده في يد الجاهليين؟ مثل سؤال: هل سيبقى المسلمون عربا وعجما، سنة وشيعة، يجول بعضهم ويصول في بعض، ويلعن بعضهم بعضا، ويمتطي بعضهم إلى بعض حجة “فقه القطيعة” ليقاتله؟ ومثل سؤال: هل سنجد مسلكا مع القانون الدولي الذي زَرَعَ في أعز بقعة دولة اليهود لتحرُسَ النفط، بل لتقوم بنوبتها في حراسته جنبـا إلى جنب مع حلفائها من هذه الكائنات النفطية أمراءِ العشائر؟

القوة الكفيلة بإنهاء هذا المسلسل المَشينِ المَهين هو الشعب المسلم الذي بدأ بعضُه يستيقظ لنداء الإسلام، ومُعظمه لا يزال سادرا في اللامبالاة، مفَكَّكا مَوْعوكا تخدِّرُهُ “الثقافة العالمية” الصائحة البائحة بلسان التلفزيون. حاملو الشورى، المرشحون لحملهـا، هم المستضعفـون، مُفعمةٌ قلوبهم بالآمـال، قصيرةٌ يدُهم فيما مضى وإلى حين عن نيل المَنال. لن تجمَعُهم وتصوغ منهم القاعدةَ الحيةَ للشورى إلا تَربيَة المسجد، تجمع الجهود المبعثرة، وتقرب الشُّقة بين المتفاوت، وتُكَتّل وتُجَمِّعُ وتُجنِّسُ وتؤلف المتنافر المتناقض والمتباعد. من وراء المستضعفين الطبقَةُ الوسط المؤهلة بما لديها من معرفة محصَّلَةٍ وخبرة وإمكانيات، تجيءُ مع المستضعفين لتتجانس في بوتقة الإيمان. والموعدُ المسجدُ.

الإيمان الجامعُ والتمانُع من الظلم والمنعةُ من ظلم الطاغين. هذه مسيرة واحدة، في ضِمنها العدل والرخاء، في سياقها شروط الشورى ومواصفات أهلها. سياقٌ يعطي المعيارَ الخلُقيَّ الروحيَّ المُوَحِّدَ، إن انخرَم منه شرط كانت الشورى مجرد عارية، ومَحْض اسم على غير مُسَمّىً. سياق مجموعهُ كما جاء في القرآن الكريم يرفع الشورى إلى مستوىً آخرَ غيرِ مستـوَى الديمقراطية، ويدُلّ على أنها من غير جنسِها.

كثيراً ما يستشهد الكاتبون والناطقون بقوله تعالى: “وأمرهم شورى بينهم”، سورة الشورى، الآية 38،

يفردونها من سياقها، ويخرجونها من بين أخواتها،فلا يُعْرَفُ مَنْ “هم” ولا يُعرف الذي “بينهم” من علائق وروابط تقرّبُ الشقة وتؤلف وتجنس. من يقرأ “وأمرهم شورى بينهم” هكذا مُفرَدة مُخرَجَة يظن أن كل جَمْـع من المسلمين تواضعوا على التشاوُر فقد دَخلوا في حِمَى العبارة القرآنية الكريمة بقطع النظر عن كل اعتبار في تكوينهم النفسـي، وترابطهـم أو تقاطعهم، واستقامتهم أو اعوجاجهم، وإقامتِهم للدين أو سكوتهم عن فرضـه ونفله، وبذلِهم للنفس والمال جهادا أو شحِّهم وقعودِهم.

إنما تكون الشورى شورى لها حُرْمَة الاسم وحقيقةُ المعـنى إن توفر في المتشاورين مجموع شروط بعضُها يكمل بعضا، ويؤسسه، ويُسنِده، ويسبقه، ويلتفت إليه. هذه الشروط أخلاقيات في الأفراد، وعقيدة، وسلـوك عملي تتداخل لتعطي للوَلاَية بين المومنين التي فرضها الله عز وجل مضمون الأخوة الجامعة ومدلولها السياسيَّ ورباطها التكافليَّ وعِمادها العَدليَّ.

سياق هذه الشروط قوله عز وجل: “فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا. وما عند الله خير وأبْقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. والذين يجتنبون كبائر الإثم والفَواحشَ وإذا ما غضبوا هم يغفرون.والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون. والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون”. سورة الشورى، الآيات 36-39.

شروط أوَّلُها الإيمان وآخرها الانتصار على البغي. شروط تسعة بارزة في المومنين من بين شعب الإيمان البضع والسبعين، ثمرتُها الانتصـار على البغي، ومعقِد القوة فيها والحكمة “وأمرهم شورى بينهم”. فإذا أفردت الشورى من السياق وقطعتها فقد ابْتَسرتَ المسلسل فلا تحصل على نتيجة.

إن المجتمع المسلم ما بين عرب وعجم،وبيض وسود،وفقراء مُدقِعين وأمراء متخمين، وأميـين ومثقفين لن يحملوا الشورى حق الحمل إلا إن تشكلت نواة من بينهم تجمعها روح الوَلاية وتُقَرِّب شُقتها شروط السياق الشوري. يـبدأ الانسجام بالتخلق الإيماني المتطلع إلى تحقيق العدل، وينشأ من التطلع هدف مشترك يوحد جهود العاملين في كل قطر حتى تقوم الدولة الإسلامية القطرية على الشورى. وفي الأفق المرسوم وحدة الأمة، والعـدلُ بين الجائع العاري في مجاهل أفريقيا وسبْخاتِ بنغلادش وبين الطاعمين الكاسين المُرَفَّهين في إمارات النفط. النفط تحدٍّ قدَريٌّ لشرط “ومما رزقناهم ينفقـون”. النفط سؤال قدريُّ ليـبتلينا الله عز وجل في شرط “والذين إذ أصابهم البغي هم ينتصرون”. النفط واليهود، والحكم العاض والجبري.

المسلمون في حكم الضرورة وواقع التاريخ أشتاتٌ وطبقات لا رابطة بينها في عهد يُمثلون فيه منظمة الرفض. لكن عندما يصلون إلى الحكم فسياق “وأمرهم شورى بينهم” يفرض الوحدة و”التسجيم”. وما “جماعة المسلمين” القطرية وميثاق يُـبْرَمُ بين الإسلاميين وغيرهم من الأحزاب والشخصيات إلا خطوة واحدة على طريق توحيد الأمة.

إن كانت الديمقراطية تجد مثواها ومنتهى راحتها في حدود الدولة القومية، فإن الشورى وسياقها القرآني يعد بما عند الله كل المومنين في الأرض،لا يعرف وعد الله حدودا تفصِل العربي عن العجمي، والشيعي عن السني، والأسود عن الأبيض، والقطر عن القطر. الصنم القطري لاتُ الديمقراطية وَعُزاها.

إن كانت تعددية الديمقراطية صراعا منظما تنظيما حضاريا فعدد جماعات المومنين في القطر الواحد وعبرَ الأقطار تنوُّعٌ في الاجتهاد لا يُخرِجُ عن دائرة الوَلاية العامة والشورى الجامعة بسياقها. بل تسوقُ الوَلايَةُ والشورى الأشتات القطرية إلى الوحدة.

عَيْـبانِ من عيوب الديمقراطية نقف عندهما. ولها عيوب غيرها لا شأن لنا بها إلا يوم ننجح في إقامة حكومة الشورى لتفضح باستقامتها ما به يُفتَنُ المغربون.ولن نكون أبدا ملائكةً معصومين،لكن تحزبات الديمقراطية وعصبياتها ومساوماتها على المصالح الشخصية وتبايُعُها السوقيُّ وتبادلها عيب كبير.وعيب ثان هو أن الديمقراطية تسمح بمناقشة قرار الأغلبية بعد انتهاء دور المناقشة، ويشكك الحزب المعارض في صواب رأي الأغلبية، ويسخَرُ، ويَحُط من قيمة الحكومة. فينعكس ذلك على الأغلبية وحكومتها ويفقدها الاحتـرام. ومن يتـتبَّع المهاترات اللاذعة، بل الساقطة السوقية أحيانا، يعـرِف أنها من لوازم الديمقراطية وتقاليدها.

في شورى المومنين ينبغي أن تكون عتَبَةُ الأخلاق عالية، ومستوى التعامل في النقد والمعارضة رفيعا نـزيها. ومتى تَم التصويت على قرار فقد انتهى حق الاعتراض، وقبُحَ التشكيك والتعقيب، ليتفرغ الجميع للعمل الإيجابي.

للديمقراطية عيوب أخرى مِثلُ التفويض النيابي الذي يتلخـص في وضع المواطن ورقته في صندوق الاقتراع، يفوض لمجهول بعيدٍ ما عرفَه إلا من خلال الدعاية المُزوَّقة، ومن خلال صناعة الصورة التي يتخصص فيها المتخصصون، ويتـزين لها المرشحون أمام عدسات التلفزيون.

من عقائد الديمقراطية “الصوت الواحد للشخص الواحد”. هذا المبدأ له مزاياه، وأول من يستفيد منه الإسلاميون لأن عامة الأمـة وجمهورها من المستضعفين. لكنَّ ترْكَ “الأشخاص” لتأثير السوق الانتخابية وفيها السماسرة الحاذقون وفيها الكذب والرشوة تغريرٌ يجب على المَدَى المتوسط والبعيد أن نجد له حلا. لا بد من ذلك ليكون “وأمرهم شورى بينهم”. ليكون سياق الشورى أقرب ما يمكن للتطابق مع المثل الأعلى القرآني.

نَجد في تراثنا الفقهي مفهوما اجتهد في التمكين له الفقهاء في فترة ما بعد الانقضاض الأموي. هذا المفهوم هو “أهل الحل والعقد”. وتُشَكِّلُ هذه العبارة التي لا سند لها من كتاب ولا سنة تسلُّطا مغناطيسيا على عقـول المقلدين. تشكل استبدادا بخيال بعض الإسلاميـين حتى يظنون أنَّ “أهل الحل والعقد” بَندٌ من بنود العقيدة وركيزة ثابتة من ركائز الإسلام. ولا بد لنا من الخروج من طائلة هذا المفهوم الغامض لكيلا نُحيلَ الشورى على مجهول له من جهالته وغموضه سلطة الأغوال الفاتكة.

لَوْ اعتمدنا على مقالة لفقيه كان يُسوِّي اجتهاده على حاجات وقته، ولَوْ زعمنا أن “أهل الحل والعقد” هم العلماء المعممون مثلا لساهمنا في وقف الشورى على طائفة دون طائفة، ولساعدنا على احتكار الحكم، ولخرجنا عن السياق القرآني الواضح، ولتطرفنا من الجهة الأخرى لإطلاق “الصوت الواحد للشخص الواحد”.

أعطى الأستـاذ حسن البنا رحمه الله لسلطة العبـارة الفقهية الموروثة التفاتة عابـرة ليخرج في الحين عن دائـرة نفـوذها حيث قال في رسالة “مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي” في معرض الحديث عن “أهل الحل والعقد”: “هم 1- الفقهاء المجتهدون الذين يُعتمد على أقوالهم في الفُتيا واستنباط الأحكام. 2- وأهل الخبرة في الشؤون العامة. 3- ومَن لهم قيادة أو رئاسة في الناس كزعماء البيوت والأسر وشيوخ القبائل ورؤساء المجموعات. فهؤلاء جميعا يصح أن تشملهم عبارة “أهل الحل والعقد”.

ثم قال رحمه الله: “ولقد رتب النظام النيـابي الحديث طريق الوصول إلى أهل الحل والعقد بما وضع الفقهاء الدستوريون من نُظُم الانتخاب وطرائقه المختلفة. والإسلام لا يأبى هذا التنظيم ما دام يؤدي إلى اختيـار أهل الحل والعقد. وذلك ميسور إذا لوحظ في أي نظام من نُظم تحديد الانتخاب صفات أهل الحل والعقد، وعدم السماح لغيرهم بالتقدم للنيـابة عن الأمة”. انتهى كلامه رحمه الله.

قلت: المطلوب والمعقول أن يكون الممثلـون النائبـون المنتخبون على مستوىً عالٍ وحِلْيَة حسنة جميلة من خصال “سياق الشورى”، لكنَّ المنتخبين أيضا من شرطهم الإيمان والانتصار على البغي. والله ولي المومنين. سبحانه لا إله إلا هو.