يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية اتخذت قرارا بتفكيك السودان، ومعاقبته بأثر رجعي بسبب مواقفه السابقة المعارضة للهيمنة الأمريكية ـ الإسرائيلية علي المنطقة واحتضانه لبعض الجماعات الإسلامية المسلحة المعارضة لأنظمة الحكم في بلادها، وتصريحات كولن باول وزير الخارجية الأمريكي التي اتهم فيها الحكومة السودانية والميليشيات العربية بتنفيذ حرب إبادة في دارفور، هي الخطوة الأولى علي طريق تنفيذ هذا القرار.

السيناريو الأمريكي الذي مهد لاحتلال العراق وإغراقه في حال الفوضى الدموية التي يعيشها حاليا، يتم تطبيقه حاليا في السودان، فقرار الاتهام صــــدر، ومجلس الأمن الدولي اتخذ قراره التمهيدي بإدانة الحكومة الســـودانية، والخطوة المقبلة هي العقوبات الاقتصادية، والحظر الجوي، ثم بقية القصة معروفة.

الإدارة الأمريكية تريد أن تجعل من دارفور كردستان السودان ، أي بخراجها من تحت المظلة السودانية الرسمية، وخلق سيادة خاصة بها، بحجة حماية أهلها من الميليشيات العربية والطائرات السودانية العمودية التي كانت تقصف المتمردين من الجو، والطريق المجرب والمضمون النجاح، هو تحويل دارفور إلى منطقة حظر جوي، يمنع علي الطائرات السودانية منعا باتا الاقتراب منها، تماما مثلما حدث في شمال العراق وجنوبه، علي أن يتم توسيع منطقة الحظر هذه بحيث تشمل مناطق أخرى من السودان بل وربما السودان كله.

هناك حقد واضح علي العرب أولا والمسلمين ثانيا، ومن اللافت أن كل التركيز الغربي حاليا هو علي العرب ، هل لاحظتم التركيز علي وجود إرهابيين عرب خلف خطف الأطفال وقتلهم في مجزرة بيسلان الروسية، والتعاون الفوري بين روسيا وإسرائيل في مكافحة الإرهاب العربي الإسلامي؟

وهل من قبيل الصدفة التمييز بشكل متعمد، بين أهالي دارفور العرب وغير العرب، رغم أن الجميع مسلمون ومتطابقون في اللون والشكل والملامح والفقر والمعاناة، وظلم الحكومة المركزية وضعفها؟

من يتابع تركيز الولايات المتحدة وبريطانيا والدول الغربية الأخرى علي المجازر العربية في دارفور، والميليشيات الحكومية العربية ، يتبادر إلى ذهنه أن الجنجويد هؤلاء هم شقر بعيون زرقاء، يقتلون هؤلاء الأفارقة السود، وأنا اتحدي أن يستطيع أي أمريكي أو بريطاني أن يميز بين دارفوري عربي ودارفوري إفريقي ، فكلهم عرب وكلهم أفارقة وكلهم مسلمون.

نعم هناك انتهاكات لحقوق الإنسان في دارفور، وجرائم بشعة مورست بعلم الحكومة، ومباركة منها، كما انه في الوقت نفسه هناك حركة تمرد ضد هيمنة الحكومة المركزية وظلمها، وهو تمرد مشروع لأنه يطالب بإنصاف أهل دارفور، وحصولهم علي حقوقهم في المشاركة في السلطة، ونصيبهم في التنمية.

حكومة الإنقاذ في السودان أكلت أبناءها، وفشلت في التعامل مع أبناء الشمال قاعدتها الشعبية الرئيسية، أطاحت بزعيمها الروحي وزجت به في السجن، فكيف تتوقع منها أن تتعامل بطريقة افضل مع أهالي دارفور؟

مشكلتنا مع هذه الأنظمة العربية الدكتاتورية العاجزة، أنها ترتكب حماقات وانتهاكات لحقوق الإنسان، تسيء لصورة العرب والمسلمين، وتضعها في مواجهة مع الغرب، ثم تطالبنا كعرب أن نقف إلى جانبها لان أمريكا تعاديها وتريد تفكيكها أو احتلالها.

لماذا لا تحترم هذه الحكومات حقوق المواطنة، وتعامل مواطنيها بالعدل والمساواة، وتضع حدا للفساد والفاسدين، وتلجأ إلى الحوار لتسوية خلافاتها مع خصومها وليس إلى السلاح والطائرات والقتل؟

أمريكا تستهدف السودان، وكل بلد عربي آخر لا يسير في ركبها بالكامل، ولا يحكمه عملاؤها، ولكن أليس من حقنا أن نطالب حكومات هذه الدول العربية المستهدفة أن تتصرف كحكومات مسؤولة في تصرفاتها وتعاملها مع مواطنيها حتى نقف معها، ويقف معها هؤلاء المواطنون في وجه أمريكا؟

خسرنا فلسطين وصفقنا للمقاومة الفلسطينية، وخسرنا العراق، وبتنا نشيد بالمقاومة العراقية، فهل علينا أن نخسر سورية والسودان ونعزي أنفسنا بوجود مقاومة لمواجهة احتلال البلدين!

السيناريو الأمريكي في السودان مرعب وسيؤدي إذا نجح، إلى تحويله إلى بلد فاشل مثل العراق وأفغانستان، تسوده الفوضى الدموية المسلحة. فأمريكا لم تتدخل في بلد إلا وخربته. و الدول الفاشلة لا تؤذي نفسها فقط وإنما كل الدول المجاورة لها، وانهيار السودان وتحوله إلى فوضي وعنف وإرهاب سيعني انتقــــال هــذه المواصفات الكارثية إلى تسع دول تحيط به علي رأسها مصر التي يسبح رئيسها وحكومتها في بحر النوم الهانيء، وكأن النار بعيدة عن ذيل الثوب المصري الفضفاض.

الدول الغربية، وخاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا، مطالبة بان تتدخل لوضع حد لهذا التهور الأمريكي. الأمم المتحدة يجب أن تكون المرجعية، وان تتعامل مع هذا الملف دون ضغوط، ومن خلال تشكيل لجنة تقصي حقائق محايدة، لمعرفة حقيقة ما يجري، ثم اتخاذ القرار على ضوء ما يتم التوصل إليه من نتائج. وعلينا كعرب ومسلمين أن نحترم هذا القرار.

لعل ما يحدث في دارفور، والرد الدولي عليه يفتح أعين الأنظمة القمعية العربية علي الدروس المستفادة، فزمن اضطهاد المواطن والتفريق بين مواطن درجة أولى وآخر درجة عاشرة، أو مواطن من العائلات الحاكمة أو قريب ومواطن من مدن الصفيح، هذا الزمن ولي إلى غير رجعة.

بقي أن نقول إن أمريكا آخر دولة يحق لها أن تتحدث عن الإبادة الجماعية لأنها تمارسها يوميا في العراق، وتحتل بلداً وتروع أهله دون أي احترام للقوانين الدولية، وهي أسوأ بكثير من حكومة السودان التي تخطط للإطاحة بها.