بهذه الكلمات المباركات افتتح القاضي محي الدين بن الزكي أول خطبة بعد تحرير المسجد الأقصى (مسرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم). ثم أورد تحميدات القرآن الكريم كلها، ثم قال:

” الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومزيد النعم بشكره، ومستدرج المشركين بمكره، الذي قدر الأيام دولا بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاض على العباد من طله وهطله. الذي أظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده فلا يُمانع، والظاهر على خليقته فلا يُنازع، والآمر بما يشاء فلا يراجع، والحاكم بما يريد فلا يدافع.

أحمده على إظفاره وإظهاره، وإعزازه لأوليائه ونصرة أنصاره، ومطهر بيت المقدس من أدناس الشرك وأوضاره، حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر أجهاره .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، شهادة من ظهر بالتوحيد قلبه، وأرضى به ربه. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، رافع الشكر، وداحض الشرك، ورافض الإفك، الذي أسري به من المسجد الحرام إلى هذا المسجد الأقصى، وعرج به منه إلى السموات العلى، إلى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، ما زاغ البصر وما طغى.

وعلى خليفته الصديق السابق إلى الإيمان، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن، وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك، ومكسر الأصنام، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان .

ثم ذكر الموعظة وهي مشتملة على تغبيط الحاضرين بما يسره الله على أيديهم من فتح بيت المقدس الذي من شأنه … (فذكر فضائله ومآثره):

وأنه أول القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تنعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه، وإليه أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام، وصلى فيه بالأنبياء والرسل الكرام، ومنه كان المعراج إلى السموات، ثم عاد إليه، ثم سار منه إلى المسجد الحرام على البراق، وهو أرض المحشر والمنشر يوم التلاق، وهو مقر الأنبياء، ومقصد الأولياء، وقد أسس على التقوى من أول يوم .

ثم ذكر تمام الخطبتين، ثم دعا للخليفة الناصر العباسي، ثم دعا للسلطان الناصر صلاح الدين”.

وبعد،

إن في تاريخ القدس سجل شريف ناصع، فقد افتتحه معنويا النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم بحادثة الإسراء والمعراج. ثم افتتحه ماديا الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ثم حرره من الصليبيين الناصر صلاح الدين الأيوبي.

فمن يحوز شرف الانضمام إلى هذه القائمة الشريفة ~؟

حتما لن يحوز هذا الشرف:

حاكم يطلب الرضا والمودة من أمريكا.

أو حاكم يسارع لكسب مودة الحكومة الصهيونية.

أو حاكم مستبد ظالم لا يحكم بالعدل.

أو حاكم يفضل حكم الجاهلية (القوانين الوضعية) على حكم رب العالمين.

أو حاكم لا يتوافق مع طموحات شعبه ورعيته.

لن يحوز هذا الشرف إلا حاكم يحكم بكتاب الله تعالى، يخاف الله ويرجو الدار الآخرة، يقود الأمة نحو عزتها ورفعتها مسترشدا بالكتاب والسنة، حاكم يقرب بطانة الخير إليه، ويبعد بطانة الشر عنه، حاكم لا يخاف في الله لومة لائم.

واعلموا أن هذا الحاكم ليس من نسج الخيال، فكما تكونوا يولّ عليكم، والساكت عن الحق شيطان أخرس.

توصيات :

الإلحاح في الدعاء ليهيأ الله لهذه الأمة قائدا ربانيا يقودها بكتاب الله وينقاد إليه، يجعل الله تحرير المسجد الأقصى على يديه، ويجعلنا من جنده الراشدين.