قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم). (سورة النساء، الآية: 59) أولوا الأمر منا من رضينا دينهم وأمانتهم وقوتهم على الجهاد، ثم اخترناهم على ملأ من الأمة. فعند ذلك تكون طاعتهم في غير معصية لأمر الله وسنة رسوله مشتقة من طاعة الله ورسوله. وبعد الآية السابقة يقول الله تعالى: (فإن تنازعتهم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر). (سورة النساء، الآية: 59) فمع وجود أولي الأمر منا المرضيين يمكن أن يحصل نزاع لاختلاف الرأي. أمرنا عندئذ أن نرد الأمر إلى الله ورسوله.

القوة التنفيذية لكل جماعة هي قدرتها أفرادا وفئات على اتخاذ القرار والطاعة للقيادة المقررة. في عهد الرسول المعصوم صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين كان الإمام متمسكا بالعروة الوثقى، وكانت الطاعة فحدث ما يسميه المؤرخون معجزة تاريخية. ثم اعوج ولاة الأمر عن الجادة شيئا فشيئا، واستغلوا الأمر القرآني الصارم بطاعة أولي الأمر منا، فغلبت الطاعة العمياء على حق النصيحة وحق الاعتراض على القيادة وأنستهما. وبذلك تمكنت الذهنية الرعوية والخمول إلا في صف بعض علمائنا الذين ميزوا في تاريخ مبكر-من عهد الإمامين حسين بن علي وعبد الله بن الزبير- من هم أولو الأمر منا ومن هم من غيرنا.

يتعارض واجب الطاعة مع واجب النصيحة والشورى. فإما تميل كفة القهر السلطاني، فينفرد بالأمر فرد أو زمرة تلعب بالأمة. وإما تميل كفة الشغب. فتصبح النصيحة فوضى والشورى انحلالا.

قصم ظهر المسلمين التمويه عليهم بأحاديث السمع والطاعة ولزوم الجامعة يقدمها أول الأمر العاضين الجبريين ومن يخدمهم من علماء القصور أو من ديدان القراء علماء السوء على أنها الكلمة الأولى والأخيرة وعلى أنهم منا. لا نشك أن من بين ولاة المسلمين الوارثين من كانوا على نصيب جيد من التقوى. ناهيك بالإمام الفذ عمر ابن عبد العزيز. لكن وقوفنا عند متن الأحاديث الوقفة العلمية اللائقة بكلام من لا ينطق عن الهوى، وعند الألفاظ القرآنية المحفوظة يكشف لنا عن الزيف من أصله. “أولو الأمر منكم”، “ومنكم” هذه تبعيضية تدل على أن ولي الأمر لا بد أن يكون جزءا بل عظوا من جسم الأمة يألم لما تألم. “منكم” تبعية، فليس منا من لم ينبع من بيننا، نكون نحن اخترناه وبايعناه واشترطنا عليه. “منكم” شورية، فليس منا من يستبد علينا ويتجر في مصيرنا.

يتعارض واجب الطاعة وواجب النصيحة والشورى، وتلعب الرئاسة بمن يلي أمرنا ونحن لم نتأكد من أنه منا عضوية ونبعا وشورى، فيصبح التنظيم أو الدولة جماعة من الخدم عند أقدام الأمير، تتلى له آيات الطاعة وأحاديثها، فيزداد طغيانا ويزداد من حوله من الخدم خنوعا حتى يعبد من دون الله.

إن التنظيم الإسلامي والدولة الإسلامية يراد أن يكونا جسما قويا قادرا على التنفيذ، والطاعة عصمة الأمر كله مع المحبة والشورى. وإن تنازعنا في شيء نرده إلى الله ورسوله نقدر على الوقوف في وجه الأمير إن زاغ إلا إن كانت طاعتنا له تعبدا لله لا لمنصب وجاه.

متى كان أمر الله في كتابه وسنة رسوله قطعي الثبوت والدلالة واضحا لا يحتمل وجوها فطاعة الأمير مشتقة مباشرة من طاعة الله ورسوله. وهذا في العبادات والأحكام.

فمتى كان وجهان فأكثر ما اجتهد فيه من قبلنا، وأمكن تطبيق أحدهما، وصلح أمر الأمة عليه، فللإمام حق الترجيح.

أما إن كان غير ذلك فالسياسة الشرعية أن يجتهد الحاكم -أصاب أم أخطأ- في حدود الشريعة.

يقول الإمام البنا رحمه الله ورضي عنه في القاعدة الخامسة من أصوله العشرين: “ورأي الإمام ونائبه فيما لا نص فيه وفيما يحتمل وجوها عدة وفي مصالح المرسلة معمول به ما لم يصطدم بقاعدة شرعية. وقد يتغير بحسب الظروف والعرف والعادات. والأصل في العبادات التعبد دون الالتفات إلى المعاني. وفي العادات الالتفات إلى الأسرار والحكم والمقاصد”.

الطاعة والهيبة:

ذكرنا نصيب التنظيم من الطاعة، أما نصيب التربية منها أي ربطها بمعاني الإيمان وهي من أهم شعبه، وبالمحبة وهي كنز تهدده رياح الخلاف فتتحدث عنه بلسان شهيدنا سيد قطب رحمه الله. نحتاج للتعبير عن المعاني الرقيقة ذلك الأسلوب المشرق. قال رحمه الله في قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضهم بعضا).

“فلا بد من امتلاء القلوب بالتوقير لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تستشعر توقير كل كلمة منه وكل توجيه. وهي لفتة ضرورية فلا بد للمربي من وقار، ولا بد للقائد من هيبة. وفرق بين أن يكون هو متواضعا هينا لينا وأن ينسوا هم أنه مربيهم فيدعوه دعاء بعضهم بعضا. يجب أن تبقى للمربي منزلة في نفوس من ريبيهم، يرتفع بها عليهم في قرارة شعورهم، ويستحيون هم أن يتجاوزا معها حدود التبجيل والتوقير”.

ما ينبغي أن تكون علاقات الأمير بالجماعة علاقة قانونية إدارية. تقنين الطاعة وسلمها وسيلة لا غاية، الغاية رضي الله، ورضى الله في الجهاد لإعلاء كلمته، والجهاد لا بد فيه من أمير ومأمور، ومقرر، ومنفذ، واجتهاد، وتشاور مع اختلاف الرأي، ثم سمع وطاعة وليست طاعة ولي أمر المسلمين نسخة من الانضباط الثوري، بل هي عبادة من القلب، وولي الأمر محبوب مهاب معظم، موقر.

عقد الإمارة:

قد نجد من رجال الدعوة أو المقتحمين فيها من يري من أتباعه سمعا وطاعة بلا حدود ولا شروط. ويساء استعمال كلمة بيعة فتنغلق جماعة من المسلمين على نفسها، ولا تلبث أن تضلل من خالفها وتكفر. ما نحن بصدد التعريض بأحد، إنما نحن بصدد البحث عن منهاج لتربية وتنظيم مؤمنين مسؤولين لا إمعات تابعين.

لا نستعمل كلمة بيعة، تعظيما لشأنها فهي من مفاهيم عقد الخلافة. ندخرها ليوم يجمع الله فيه شمل الأمة. لكن لا بد من عق وعهد وميثاق. وعقد الجماعة القطرية مرحلة لا بد منها، وإقامة الخلافة واجب على المسلمين، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فمتى اجتمعت كلمة المؤمنين ذوي الفناء والسابقة والحظ من الله في قطر، وعقدوا إمارة، فحرمتها كحرمة البيعة دون أن تكونها. وما يعطيها تلك الحرمة إلا النص الصريح فيها على أنها مرحلة نحو الخلافة تسقط بإقامتها.

تعدد البيعة وتكرارها:

بايع الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مبايعات متنوعة. فبعضهم بايع على الإسلام، وبعضهم على الإسلام والجهاد، وبعضهم بايع على الصدقة والجهاد، وبعضهم بايع على الهجرة، وبعضهم على النصرة، وبعضهم على الجهاد، وبعضهم بايع على السمع والطاعة والمحبة، وبعضهم على النصيحة، وبعضهم على الصبر، وبعضهم على الأثرة. وبايع النساء على ما جاء في القرآن الكريم: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله ببهتان ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله. إن الله غفور رحيم).(سورة الممتحنة، الآية: 12)

تعددت صيغ البيعة بتعدد الظروف والأشخاص والمهمات. فلا مانع من بيعة يبايع فيها الوارد عند قبول الجماعة عضويته كنصير، ثم ثانية عند قبوله كمهاجر، ثم ثالثة عندما يستقر، ويستأنس بذمته، ويوثق وغنائه، يندمج فيها نهائيا في صف الجهاد.

ولا مانع من توكيد العقد الإماري عند العزمات والأزمات، إيقاظا للهمم وتذكيرا بالواجب.

فصول العقد:

يعطى العقد الإماري كل ما يستحقه من جدية وقداسة. فهو عهد أمام الله تعالى يلتزم بمقتضاه المبايع والمبايع له- والمبايعة عقد مبادلة بشروط يقبلها الجانبان-على الوفاء بالعقد. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود).(سورة المائدة، الآية: 1) فكل عقد بين المؤمنين عقد محترم، تجاريا كان أو غيره. لكن حرمة العقود تزداد بحرمة المتعاقد عليه. فإذا كان عقد الإمارة موضوعه أشرف المواضيع فالوفاء به مما يقرب إلى الله عز وجل. واللعب به أفجر الفجور.

لهذا نود أن تكون فصول العقد واضحة، ليهلك من هلك عن بيئة ويحيى من حيى عن بيئة. وإن الله لسميع عليم. وهو القائل سبحانه لنبيه ولنا: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم)(سورة الفتح، الآية: 10) وكذلك يد الله فوق يدي خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم يجتمع مسلمو الأرض على رجل يختارونه لذلك المقام الأسمى، وتلك المسؤولية العظمى. وفي انتظار تلك البيعة الكاملة تكون العقود القطرية بما هي خطوات ضرورية نحو ذلك العقد الجامع، تستمد حرمتها كاملة من كونها شعبة تصب في البيعة الخلافية المستقبلة الموعودة التي يشهدها الله وملائكته.

عندما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد الأوس والخزرج بيعة العقبة الأولى بايعهم بيعة النساء. فكان العقد ينص على واجب كل مسلم من جهة الأنصار، وعلى جزائه في الدار الآخرة من جهة النبي صلى الله عليه وسلم. روى الشيخان عن عبادة بن الصامت قال: كنا اثنى عشر رجلا، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وتعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف. فمن وفي منكم فأجره على الله. ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له. ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه”. قال عبادة: فبايعناه على ذلك.

التزام بين العبد وربه ليس فيه تعاقد على جهاد والرسول شاهد.

فلما كان من العام القابل وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان، فكانت بيعة العقبة الثانية، وهي بيعة ربطت بين ذمة المؤمنين وذمة النبي الرسول بشروط واضحة.قال ابن هشام يروي عن ابن إسحاق عن كعب بن مالك: “فواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق(…) قال فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب. فتكلم القوم وقالوا: خذ منا لنفسك ولربك ما أحببت، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام. ثم قال: “أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم” فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: “نعم! والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا. فبايعنا يا رسول الله. فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة. ورثناها كابرا عن كابر”. فاعترض القول أبو الهيثم بن التيهـان فقال: يا رسـول الله! إن بيننا وبين الرجال -يعني اليهود- حيالا وإنا قاطعوها. فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟.

فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: “بل الدم الدم! والهدم الهدم! أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم”. هذه البيعة النبوية الثانية التزام متبادل:

فمن جانب الأنصار التزام بأن يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم.

ومن جانبه التزام دمه: “الدم الدم!” وبيته بمن فيه: “الهدم الهدم!” دفاعا عمن أصبحوا منه وهو منهم، يحارب ما حاربوا، ويسالم من سالموا.

ومرة أخرى نقف عند قوله صلى الله عليه وسلم: “أنا منكم وأنتم مني”، لكي لا نتوهم أن الله عز وجل يبارك ويشهد عقدا يستعبد فيه رئيس قائد عباد الله يسخرهم لهواه، يرتاح ويتعبون، ويقاتلون وهو قاعد.

هكذا بدا جهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ولغد الإسلام يجب أن يكون العقد متبادلا وواضحا ومفصل الشروط والالتزامات.

1- لا يجوز عقد إمارة قطرية جهادية سياسية إلا باجتماع جمهرة أهل القطر، أعني منهم أهل السابقة والغناء والحظ من الله. فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بويع على الجهاد يمثل ومن معه الإسلام، إذ لم يكن على وجهها مسلمون غيرهم، فإن المؤمنين الساعين لإقامة دين الله اليوم في أقطار الإسلام كثير. فإن جاز الناس، فما يحق لنا اليوم والمؤمنون كثير أن نتابع إلا بشروط. فنتصور هذه الأقطار التي قسمت إليها الفتنة دار الإسلام بمثابة جزر الأخرى لاستحالة قومة إسلامية متزامنة في كل الأقطار، فلا يجوز أن تكون في الجزيرة الواحدة جماعتان وأكثر ولا يسعى عقلاء المؤمنين وصالحوهم لتوحيد الصف وعقد إمارة يرضى عنها الله ورسوله والمؤمنون. عقد ويعقد أهل القطر المسلم اليوم في ما بينهم من دون المسلمين الناعسين والمثبطين والغافلين. لكن لا بد أن يسعوا لجمع أصلح شطر أهل السابقة والغناء والحظ من الله، المدركين لواقع الإسلام، المستجيبين لنداء الله ووعد رسول الله بإقامة حكم الله في الأرض، المريدين لذلك، القادرين عليه. جمع أصلح شطر إن تعذرت تعبئة كل ذوي النيات الحسنة.

2- ويتم العقد على إقامة دولة إسلامية قطرية تسعى منذ قيامها لتوحيد المسلمين ودعم جهاد كل قطر حتى الخلافة.

3- ويكون كتاب الله وسنة رسوله دستور العمل، ومرجع الخلاف، باجتهاد المؤمنين جميعا، وترجيح الأمير فيما تعذر فيه الوصول إلى إجماع أو شبهه.

ويعد هذه البنود العامة التي حددت الفاعل والهدف والخط، تأتي بنود التنظيم الجهادي. نأخذها من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي رواه الشيخان والنسائي. يقول فيه: “بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ننازع الأمر أهله” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إلا أن تروا كفروا بواحا عندكم من الله فيه برهان”.

4- السمع والطاعة للأمير ومن ينوب عنه مع الشورى التي لا تلزم الأمير إلا مع إجماع مجلس الإرشاد أو شبه إجماعه، وهو إجماع وتصميم ثلثي الأعضاء.

5- السمع والطاعة في العسر واليسر. فليس الجهاد في سبيل الله فسحة مريحة. ويقدح في بيعة المرء بل بفسخها، أن يؤثر الراحة ويكثر ومن الاعتذار بقوله: “لا أستطيع!” نعم في حديث للبخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: “كنا إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يقول لنا: فيما استطعت! فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولا يحق للأمير أن يكلف المؤمنين فوق طاقتهم. هنا رحمة يجب على الأمير والمؤمنين أن يفيئوا إلى ظلها عند وهج نيران العدو، وعند شدائد العقبات، دون أن يتخذوها ذريعة للكسل والتواكل والميل إلى الاسترواح. إنها العقبة تقتحم!

6- السمع والطاعة في المنشط والمكره. تأتي ظروف كاسحة تفل العزائم ويقل المتطوع للمهمات الحاسمة. عندما يحق للأمير أن يعين رجلا أو رجالا للمهمات حتى ولو كان فيها الموت. روى مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: “لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب -في غزوة الخندق- وأخذتنا ريح شديدة وقر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا رجل يأتينا بخبر القوم. جعله الله معي يوم القيامة!” فسكتنا، فلم يجبه منا أحد. ردد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا. ثم قال: “قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم!” فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم. قال: “اذهب فأتني بخير القوم، ولا تذعرهم علي” (لا تزعجهم). فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام (ظلام وريح وغبار) حتى أتبتهم. فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار. فوضعت سهما في كبد القوس، فأردت أن أرميه. فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا تذعرهم علي! ولو رميته لأصبته. فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام”. الحديث.

أرأيت السمع والطاعة في المكره ثم الدقة في تنفيذ الأوامر؟

7- المبايعة على “الأثرة علينا”. وهذا بند مهم جدا. ومعنى ذلك الالتزام بالصبر ول اعتقدت أن أولي الأمر يعاملونك بالحيف، ويفضلون غيرك عليك، ويرقون من لا يستحق إلى آخر ما تحدث به المرء نفسه. معنى ذلك أن أولي الأمر قد يخطئون، فهم بشر. فلكيلا يصبح عقد الإمارة صورة تلعب بها الرياح، نضرب لها أوتادا في نفس المؤمن الذي لا تستفزه الأهواء، ويحسن الظن قبل أن يتهم، ويغلب جانب الفتوة والبذل على جانب الشح والتنافس على الجاه والرئاسة.

8- المبايعة على ألا ننازع الأمر أهله. بند لاحق بالبند السابق. لأن الرئاسة مما تحبه النفس ويزينه الهوى. فسرعان ما يخترع من عنده طموح مرضي -وكل طموح إلى الإمارة من أجل الإمارة مرضي بميزان الإيمان- مبررات ليسقط أولي الأمر من عين الناس فيقوم له فيهم ناموس.

9- المبايعة على عزل من ظهر كفره بواحا، أو ما يقدح في إمارته من فسق ظاهر يجرح في عدالته أو عجز في كفاءته. قال الإمام الماوردي: “فيخرج به -أي بالإمام- عن الإمامة شيئان: أحدهما جرح في عدالته والثاني نقص في بدنه -نقول نحن نقص في كفاءاته الجسيمة والعقلية-. فأما الجرح في عدالته وهو الفسق فهو على ضريين: أحدهما ما تابع فيه الشهوة. والثاني ما تعلق فيه بشبهة”.

ولكيلا يكون النزاع للأمير فوضى فصلنا في ما سبق مسطرة عزل الأمير.

بهذا البند الأخير تحدد شروط فسخ العقد. لأن الأمير إن فسق لم يعد منا، فأحرى إن كفر. فإن لم يعد منا فما له علينا سمع ولا طاعة. إذ الأصل أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فمن فسق عن أمر ربه خرج تلقائيا من صفنا.

تسعة بنود علينا تنفيذها وعلى الأمير فيها وفي كل ما أوجب الله علينا أن يفي بالتزامه وهو واحد: أن يكون منا، عضوا من كياننا، نابعا من اختيارنا، يستشيرنا ولا يستبد به هواه فيستبد علينا.

شرطنا السمع والطاعة في حدودهما الشرعية. وشرطه أن يكون وأن يبقى منا له ما لنا وعليه ما علينا: “الدم الدم! والهدم الهدم!” هذا معنى أساسي في الولاية: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)(سورة التوبة، الآية: 71) محبة متبادلة، نصيحة متبادلة وتشاور، نصرة متبادلة. لا جماعة إلا بأمير ولا أمير إلا بجماعة. وروح التنظيم الولاية بين المؤمنين محبة وتناصحا وطاعة.

الأمير حكم:

قال الله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكمون فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).(سورة النساء، الآية: 65)

في كل عمل جماعي تحدث خلافات في الرأي. وقد يكون الحسم في الخلاقات الشورية فوريا ونهائيا مسألة حياة أو موت. وقد يكون التصالح بين الآراء بالحلول الوسطى مضيعة للحقوق وتوهينا للجماعة. فلا بد أن يعطى الأمير، وهو خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعطوف عليه لأنه من أولي الأمر منا، حق الفصل بين الخلافات، وحق ترجيح جانب على جانب، فيما يصعب فيه الإجماع أو شبهه.

تشجر مسائل خلافية، أي تختلف كما تختلف أغصان الشجرة، فإذا لم يفصل في الخلاف بالتحكيم الحاسم الفوري والنهائي انتقل الأمر من “شجر” إلى “اشتجر” إلى “تشاجر” فإذا هو خلاف عدائي، وحرب، وذهاب ريح المؤمنين.

ليس للأمير في أمور التحكيم وغيرها من العزمات أن يخالف نصا محكما من كتاب الله وسنة رسوله. لكن المؤمنين يأثموا إن لم يرجعوا في نزاعهم إلى أميرهم ليطبق فيهم قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر).(سورة النساء، الآية: 59)

النصرة:

كذلك يحق للأمير على جماعة المؤمني، وراثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصروه في عزماته وفصله في الخلاف تطبيقا لقوله تعالى: (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا).(سورة الأنفال، الآية: 74) وقوله عز وجل من قائل: (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون).(سورة الأعراف، الآية: 157)

بيد أن نصرة الأمير ليست كنصرة المعصوم صلى الله عليه وسلم. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي يوحى إليه فلا سبيل لأحد أن يقدم بين يدي الله ورسوله والأمير يجتهد فيصيب ويخطئ كما يجتهد المؤمنون ويخطئون، من كانت له منهم جميعا مؤهلات الاجتهاد وهي العلم بكتاب الله وسنة رسوله، ومقاصد الشريعة، والفهم عن الله بإتقان لغة القرآن، والاطلاع على الناسخ والمنسوخ، ثم دارية الواقع وحركة العالم، وكيد الأعداء، وحاجات الأمة، وإمكانياتها.

فبسبب الحاجة الأساسية أن تحسم الخلافات بين المؤمنين يحكم الأمير فيما شجر لئلا يستفحل الخلاف وتشب الفتنة.

وبسبب عدم عصمته وتعرضه للخطأ، يعطى فسحة فلا يضيق عليه في أحكامه وعزماته بدعوى أن ترجيحه خلاف الأولى مثلا في مذهب من المذاهب. يعطى الأمير كل حقه أن يجتهد ويخطئ ما دمنا لا نتهمه في صدقه، تطبيقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر” رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

ولخطأ الحاكم في اجتهاده حدود في قوله صلى الله عليه وسلم: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق” وقوله: “السمع والطاعة على المرء فيما أحب أو كره إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة”.

ففي هذه الحدود تجب على المؤمنين نصرة الأمير لتنفيذ عزماته وحكوماته. فإن لم يقبل أهل الرأي المرجوح حكومته، فعلى الجماعة أن تتضامن مع الأمير، وتفرض حكومته، تعزيزا له ونصرة وتوقيرا.

لكن قد يتعدى الأمير بهذه الحقوق الممنوحة له حده. فالرئاسة مزالق، والبشر بشر مهما كان ظاهرهم يشهد بتقواهم.

فإن اجتمع أربعة فأكثر من مجلس الإرشاد العام على اتهامه، واقترحوا كتابة مشهودة عزله، فعلى المؤمنين في الجماعة نصرة المتهمين للأمير بكل الوسائل حتى يجتمع المؤتمر العام ويصوت. فإن صوت ثلثا المؤتمر على نزعه لزم المؤمنين أن ينصروا قرار المؤتمر وسقط عنهم نصرة الأمير، بل لزمهم مقاومته إن أبى أن يتنازل.