نحن والمترفون على وجه هذا الكوكب كالمتبارِين في حلَبة صراع لا حَكَم فيها إلا ما يفرضه القوي على الضّعيف، ولا محكمة فيها إلا ميـزان القُوى والفرصة المتاحة.كأننا. وفي التشبه بالمُحَلِّلِ الماديِّ تذهب بي المذاهب عن سبيل الله وعن سبيل المستضعفين، فأنسى النية التي بها تصلح الأعمال أو تفسُد، فإذا أنا مكافح وطني ومناضل قوميٌّ.

لا أكون مومنا حقا إلا بالمداومة على القراءة المتزامنة،وما يُلَقّاها إلا الذين صبروا، لسنة الله في التاريخ ولسنته الشرعية. بالقراءة الثنائية المتـزامنة أعرف قدرة الله عز وجل الغالبة فيطمئن قلبي فيَزيدني الاطمئنـان مضـاءً في بذل جُهدي وشَحْذِ عزيمتي واستماتتي على الواجهة.

هي آلةٌ واحدة،نفس الآلة،تستفز بظلمها وتطحن بعنفها كل المستضعفين. ما لي بها من قِبَلٍ ولا علَيها من سلطان إلا من كوني مبعوثا مُبَلِّغاً أمرني القادر عز وجل بإعداد القوة، ووعدني بالنصر، وشرط لي وشرط عليّ شروطا.

فباستنادي إلى الأمر واعتمادي على الوعد أتقدم إلى الآلة من حيث كونُها آلة استكبار تُحادُّ الله ورسولَه لأقاتِلها وأجاهِد بقتالها المستكبرين، بينما غيري يستند إلى غضب نِضالي ويعتمد على أمل بشري فيقاتل بجنبي، ماله من جُهد إلا تعَبُ الدنيا إن فشِلَ ورخاؤُها إن فاز. والآخرة ما يفعلُ فيها وأفعل؟

بعد هذا فالآلة الاستكبارية هي الحضارة الرأسمالية بهياكلهـا وأجهـزتها، وامتدادها الأُخطبُوطي، وماضيها في النهب الاستعماري، وحاضرها،وروحها، وجسمها، ولَوالِبِها، وسيرها، وحركتها.

آلة تصنع البؤس لأكثر من ثُلثي سكان المعمور ليَنْعَمَ بالترف القلةُ من المترفين.

قلت “المعمور”! لا بل المخروب. فإنها آلة تخريب وتدمير للعباد والبلاد.

جعجعة هذه الآلة وكلمتها وعقيدتها ووظيفتها التنمية بلا حدود، تنمية تصنع، تنتج، تستهلك. تستهلك لتنتج، وتنتج لتستهلك.والعباد لها خدَمٌ وتَبَعٌ. العباد لها عجلات مُضافة. بَيْدَ أن من العباد من تُطعمهم الحلو السمين ومنهم من تسحقهم سحقا. وكلا الفريقين مُستصرِخٌ بالحال أو بالمقال يضج من ظلم الآلة الشيطانية. ولكلا الفريقين عند الإسلام رسالةٌ، وعلى المسلمين حقٌّ أن يُصْرِخوه ويُغيثوه.

بحاله يَصرُخ الشقي في “سعادته” المـادية، ذاك الذي ينتحرُ في سويسرا والسويد وغيرهما من بلاد التخمة. يصـرخ بحاله ونفاد صبره وعَيْفه لنعيم الدواب لَمَّا حُرِمَ من معنَى الحياة، لم تبلغه رسالة الله وبلاغ الآخـرة وبيان الجزاء ليعلَم أنه مخلوق خالد في إحدى الدارين بعد الموت والبعث لا مجرد قناة هضمية، لا مجرد دودة أرضية ونسل قردي رُميَ به في الأرض عَبَثا.

وبمقاله يضِج المحروم المُفَقّر المحَقَّـرُ ويستصـرخ مَن يُغيثه مِن ظُلم الآلة الاستكبارية الصماء التي نبذته وعرته وجوَّعته وقتلته.

الآلة الحضارية الرأسمالية أداة جاهلية صماء عمياء. والجاهلية عنف على الإنسان وعلى الطبيعة، وجهل بما هو الإنسان وما مصيرُه وما معناه وما مغزى مروره أجيالا من الحياة الدنيا هذه المنظورة.

الآلة الحضارية الجاهلية تؤله الشهوة وتعبد المادة وتنكر البعث. لها من جهلها عربدة الوحش، ومن عنفها سطوة الوحش. بوثنيتها وعنفها قسمت العالَم شطرين: عالمَ الشمال المترف وعالم الجنوب المُفَقّر المُحَقّر. آلة إنتاج جنوني يُلهبه التنافس.آلة استهلاك تؤججهُ نار الإشهار ويَنفخ فيه فن التسويق. ولاَ تسألُ الآلة الصماء العمياء عن فائدة الإنتاج ما دامت الأسواق تَلْتَهِمُ البضاعة كما لا تسأل عن محدودية الموارد الأرضية والمواد الخام ما دام الاستِهلاك ينادي هل من مزيد.

بجنون دورانها وبِنِيَّة مديريها المستكبرين ترهَن الآلة الاستكبارية حاضرنا ومستقبلنا ومستقبَلَ العالم، لأن رفاهية المستكـبرين تتوقف على حرماننا، و”سعادتَهم” تتغذى من بؤسنا.

الظّلم هو الطابَع العام للحضارة المادية الآلية. وسَمَتْ هذه الحضارة على جَبين الخلْق مَيْسَما يتمايز به الناس حسب قدرتهم الشرائية. لأَهْلِ الحضـارة من الجنس الأوربي المستعلي الحقُّ الأصليُّ في الحياة الكريمة، تدور السياسة والدبلوماسية والحرب لرَفع قدرته الشرائية. ثم لا بأسَ من التعامل المُربح مع كل طالب راغب منخرط في دين الاستهلاك ما دام يدفع. ولِمَنْ على وجه الأرض من البشَر المُعْدِمين الذين امتصت الآلة الاستكبـارية الاستعمـارية دماءهم الحقُّ في التقاط الفتات، والموت جوعا في إفريقيا وبنغلادش.

مِثالٌ للقسمة المُجحفة في الرزق بين الشمال والجنوب أن الوحدة الحرارية من أصل حيواني، وهي طعام الشمال الغني.يتطلب صُنْعُها إنفاقَ سبع وحدات حرارية من أصل نباتي.والوحدة الحيوانية طعام شريفٌ،لا يليق بالأبيض المترف ومن جلس على مائدته أن يستهلك السعرات النباتية كما يفعَل الفقير. لذلك فهو يطعم خنزيره وعجله سبعة أضعاف ما يُقيم بِنية الإنسان ويوفر صِحته ليضمن لنفسه طعاما من لحم ولَبن وجُبن وبيض.

حتى إذا فاض إنتاج الحبوب ومشتقاتها، وتكدست جبال من القمح ورُبىً من الزبد وأنهار من اللبن وأكوام من اللحم والبيض أنفق المترفون من أموالهم ومن حيلتهم وتقنيتهم التجارية ليُفنوا الفائض ويحددوا الإنتاج كيْلا تنخفض الأسعار العالمية فيضيعَ رقم من قيمة الإنتاج وتنخفض القدرة الشرائية للرجل الأبيض.

يتخلخل نمو الأطفال في العالَم المستضعف لنقص الغذاء، ويختل دماغ الأطفال لنقص مادة البروتيين في طعامهم. فلَو امتدت يدُ المنتج بالفائض أو ببعضه من اللبن والزبد، ولو أطعم المنتج قسطا من البطاطا والذرة والقمح أطفال المستضعفين بدل إبادتها بعد شِبَعِ الخنزير والعجل لكان للإنسانية المرتَهَنَةِ في قبضة الآلة الاستكبارية وجه به تفتخر الإنسانية، مُحِسَّة أن للوحش الأناني الكاسر قلباً رحيما رغم كل شيء.

إن الحضارة المادية وآلتها الصماء العمياء تسيء إدارة الكوكب، وتُجْحِفُ بحقوق ساكنيه، وتعرضه لأخطار مميتة. فبإدارتها وعلمها وقصدها تَسوءُ تغذية الإنسان المستضعف، وتتدهور حالة التربة، وتُبذر الموارد النباتية والحيوانية والمعدنية، ويُسْرَف في استعمال الطاقة، ويُهدّد المُناخ، ويلوث الجو والأرض والبحر.

تقع على رقبة الرأسمالية المستكبرة مسؤولية التدهور في التوازن العام للكوكب وساكنيه. نظامها وقانونها وتسيير لَوَالِبها تُـتيح أن يختطِف المجرمون البروتنات من أفواه الأطفال ليطعموها الخنزيرَ والعجل وتُـتيح تبذير موارد الأرض، بل تدفع إليه وتشجعه. وهكذا يتصاعد بؤس أكثر من ثلثي سكان المعمور، المخروب بفعلها، كلما تصاعد نمو عالم المستكبرين.

تستخدم الحضارة المدمرة أحدث الآلات لتخريب الأرض والفتك بمن فيها.لا أتحدث هنا عن صناعة الأسلحة وعن مكانتها الضخمة في الاقتصاد الاستكباري المسيطر، وعن الكيد الاستعماري لتأجيج حروب هامشية يُصفق لها سماسرة السلاح وصناعه. وأكتفي بذكر مثال واحد على عنف الرأسمالية على الإنسان وتخريبها لمناخه. وليس للاشتراكية الآفلة مزية في الميدان، بل هي أشد تخريبا وفتكا. كانت.

أذكر مثالا للتخريب ما فعلته وتفعله الرأسمالية المتوحشة بغابات الأَمَزون بالبرازيل.هذه الغابات تضم خمسة وسبعين في المائة من أجناس النبات والحيوان في العالم، ويعطي تفاعل نباتها مع المناخ أربعين في المائة من الأوكسجين المُنتَج في العالم. ماذا فعلت وتفعل بهذه الغابات الرأسماليةُ المتوحشـةُ الصماء عن احتجاج عقلاء العالم؟ تخريب جنوني لا يقف!

كان المهندس الزراعي “ماهلر” واحداً من التقنيين اللاَّ مُبالين، أيقظه إلى فظاعة الآلة الرأسمالية ما شاهده يوما على أرصفة مدينة “رسيف” بالبرازيل، فتحول داعية صارخا بحقوق الطفولة والإنسانية. مر يوما المهندس السالي اللا مبالي بأرصفة المدينة البرازيلية فرأى أطفالا ينازعون الكلاب بقايا النُّفايات المطروحة. وكان مشهدا لا يتحمله قلب فيه ذرة من إنسانية.

تطرحُ الرأسمالية، أوْه! فأختها الاشتراكية أشد وأنكى! نُفايات المصانع والملوثات الذرية والكيماوية في البر والبحر. وتكتري بالثمن البخس أرض المحرومين الجائعين لتدفن عندهم فَضلات الأورانيوم التي يدوم إشعاعها الخَطِرُ قرونا وقرونا.

نُفايات وفَضلات لم يعد العُتاةُ في الأرض المترفون يعرفون ما يفعلون بها. في نيويورك يفضُل عن كل شخص طنٌّ من النُّفايات في السنة. فهم يبعثرونها ويحرقونها فلا تجد مستَقرا إلا في الأنهار والبحار لتتسمم الأسماك،ويتبخَّر بعضها لتنعَمَ ببعض خيرات الحضارة الأَجواءُ والأفلاكُ.

دعك مما تفعله السيارة الخاصة وهي آلة رفاهية المترف ورمز حضارته وشارة نجاحه في الحياة. من أبخرتها ودخانها تكـاثفت غـازات الأوكسيد الكاربوني فأحاطت الكوكب بغُلالَة كيماوية ارتفعت منها الحرارة العامة، فالخبراء يتوقعون ذوبانَ ثلوج القطبين وارتفاع مستوى البحار، وغَرَقَ الشواطئ.دعك من تمزيق طبقة الأزون وتعريض البشر للأشعة فوق البنفسجية التي تهلك العباد بعاهات السرطان. والله لا يصلح عمل المفسدين.