تقدس الله الحق وجلت عظمته، تقدس الله الكريم وعظمت حكمته، تقدس الله العليم وعمت هدايته، سبحانه علم الإنسان ما لم يعلم، علم أبانا الأسماء كلها وجهلتها الملائكة، وأعلنت عجزها وسبحت بحمد ربها العليم الحكيم.

وصلى الله وسلم وبارك على سيد المعلمين وإمامهم من كانت حياته علما وحكمة، يغرف من فيض أنوار العلم، وأسرار الحكم. فسبحان من جعل من خلقه من فاق علمه علم الملائكة، وسبحان من أخفى على عباده من بني آدم علوم الملائكة، وسبحان من جمع في قلب عبده المعظم صلى الله عليه وسلم خفايا العلوم ولطائف الفهوم.

(سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم)

العلم الحق، علم بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، العلم النافع علمك بالدار الآخرة، العلم خشية وخشوع، خشية في القلب من الجليل العظيم، تتعرف إليه فيعرفك بك وبه، وتكون به معلما الخير للناس. خشوع في الروح ملازم لك في سرك وعلانيتك، في باطنك وظاهرك فلا ترى في الكون إلا فعل الله يبتلي الناس بعلوم عقولهم، فمنهم من يسعد بها خلق الله، وييسر معاشهم، ويعدهم لمعادهم ويحق بها حقا ويبطل بها باطلا ومنهم من يستعملها نفسها في تدمير الشعوب، وظلم الناس والعبث بالذمم. “فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون”.

فـ(سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم)

العلماء أمناء الرسل، والرسل منقذو البشرية، فالعلم أمانة وإنقاذ، وفرار من الجهل والظلم وملاذ. العلم تعليم الناس الخير وإرشاد، يخرج الله به من الظلمات إلى النور من تعلم العلم وعمل به وعلمه وأمر به، يرفع الله الذين أوتوا العلم درجات، لأنهم تحملوا أمانة الهداية والإرشاد، وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. تحملوا أمانة إنقاذ البشرية من الجهل والجهالة. والخسارة العظمى أن يبتليك الله بتعليم الناس فتضيع الأمانة، وأن تودع عندك الفطر السليمة فتلوثها بسوء تعليمك، وفاسد توجيهك فيبعث الله يوم القيامة أوزار من علمتهم على غير رشاد مضافة إلى وزرك، ملقاة على ظهرك. ولكم تكون الفرحة عظيمة حين يهدي الله بك رجالا من شباب الأمة وشابات إلى طريق الحق فتكون أنت الناجي والمنجي. يرفعك الله درجات، ويعلي في آخرتك المقامات، فتفرح بالله وتعلم أن الكل من عند الله لا منك فتقول:

(سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم)

كيف أعرفك يا ربي!؟ من أين أتعلم العلم يا رب؟ كيف أكون معلما الناس الخير؟

أسئلة ملحة حري بكل عالم ومتعلم أن يكررها على نفسه ما تحركت نبضات قلبه. وما دبت الحياة في أوصاله، فالعلم حياة وتعليم الناس إحياء نفوس (ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا). والعلم بالله حياة الحياة.

ولا تعرف الله إلا إذا وجدت من يعرفك به، ويذيقك من كأس حبه، ويدخلك في بحار علومه، فابحث لنفسك عن العلماء بالله العاملين بأمر الله، وكن في مجالس العلم مع المتجمعين على الله، العاملين بأمر الله، المتحابين في الله، القائمين القانتين الساجدين الخائفين من عذاب الله، الراجين رحمة الله أولئك أولوا الألباب (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب).

فالقيام بين يدي الله قياما وسجودا وحذر الآخرة ورجاء رحمة الله من سمات العلماء الذين لا يرون لأنفسهم فضلا إلا من الله.

(سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم)

“إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم” علم وخلق، نوران متوازيان متكاملان، أحدهما جمال للآخر والآخر كمال له، وما خلا علم من خلق إلا كان أشبه بالجهل والخور. فكم من عالم صار جاهلا حين قال: “أنا عالم” وكم من مترف (قال إنما أوتيته على علم عندي) (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون) الذين يعلمون ويعملون ولا يدعون، بل خلقهم جمل علومهم وكملها، المعلمون حقا، أمناء الرسالة الحقة.

(سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم)

كتاب الله المقروء والمسطور دليل ومرشد إلى قراءة كتاب الله المنظور.

(إن في خلق السماوات والأرض لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض)

اللبيب من ينظر بلسان ذاكر وقلب خاشع إلى الكون فيتفكر.

يربط المتفكر اللبيب وهو مومن بين الخلق وخالقه بين السموات والأرض وما بينهما وربهما. ما يمكن أن تربط إن لم يسبق ذكر ربط القلب بالتسبيح أولا وأخيرا ووسطا. ذكر على كل حال يفضي إلى قول (ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك) نتيجة يتوصل إليها عاقل القلب الخاشع (وما يعقلها إلا العالمون). لحكمة خلق الله الكون سبحانه تقدس عن العبث.

(سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم).

علمتنا ربنا أن نسبحك مع كل علم ومع كل اكتشاف توصلنا إليه بما سخرت لنا، علمتنا أن نقول “سبحانك” أمام الأرض وقشورها والجبال وعلوها والسموات وارتفاعها و.. ما ينبثق عن كل هذا من علوم العصر.

نقول سبحانك نربط بها قلوبنا حتى نخشاك ونخشى أن نطغى فنستكبر على الناس كما يفعل الغافلون ونستعبد عبادك كما يفعل الظالمون.

نخشاك ونخاف عذابك بأن نقول (وقنا عذاب النار).