أثير مؤخرا نقاش حول دور المخزن في عهد محمد السادس كيف تنظر إلى هذا النقاش؟

فعلا بدأ الحديث في بعض المنابر الإعلامية وفي كثير من المجالس عن دور المخزن في عهد محمد السادس، وربما يعود هذا الحديث المتزايد يوما بعد يوم إلى خيبة أمل الكثير من المتتبعين والنخبة السياسية والفكرية في العهد الجديد، فبعد انتظار طويل، وما رافقه من آمال عريضة في العهد الجديد انطلاقا من الشعارات المرفوعة في بداية هذا العهد، ومن الإشارات الصادرة عن أعلى مستويات الحكم. بعد ذلك كله تبددت تلك الآمال وتكسرت على صخرة واقع المعاناة المستمرة والإخفاقات المتواصلة على مختلف الأصعدة، فكان من الطبيعي أمام ذلك كله أن يعود الحديث عن دور المخزن في هذا العهد كسبب قوي في عدم حدوث التغيير المنشود.

مع بروز عهد جديد، رأى عدد من المراقبين أن الرموز المخزنية قد ولت بل إن بعض المسؤولين الحكوميين سبق أن صرحوا بأن المخزن قد مات. بالمقابل، هناك من يقول إن المخزن لم يمت ودليلهم هو عودة عدد من التجليات المخزنية، الاختطافات، الاعتقالات، أين يجد عمر أمكاسو نفسه ضمن هذا النقاش؟

لقد سقطت دعوى بل دعاوي المطبلين للعهد الجديد والحالمين بالتغيير المفاجئ الذين بلغ بهم سوء التقدير، وربما حسن الظن أن عبر بعضهم بأن المخزن قد مات. وحينما نطلق لفظ المخزن في الثقافة السياسية المغربية، فنقصد به كل أشكال الاستبداد والظلم واحتكار السلطة والثروة والإقصاء للقوى الوطنية وغيرها من الأوصاف التي اعتدنا تحميلها للفظ المخزن، ومع مرور الزمن، ورغم الإشارات القوية التي دشن بها الملك الجديد حكمه وما رافقها من مشاريع وأوراش، فيبدو أن التماسيح العجوزة، كما عبرت “مذكرة المرشد عبد السلام ياسين”، هذه التماسيح لاتزال ممسكة بزمام الأمور بقوة واستماتة، بل عرفت بلادنا  على إيقاع أحداث الدار البيضاء الإرهابية الأليمة- انتكاسة كبيرة في مجالات مختلفة وخاصة مجال حقوق الإنسان الذي عرف بعض التحسن منذ أواخر عهد الملك الحسن الثاني رحمه الله. وتقرير الأمنستي الأخير ليس منا ببعيد.

وقد عبرت الجماعة على لسان قيادييها وخاصة ناطقها الرسمي الأستاذ فتح الله أرسلان منذ بداية هذا العهد بأن المسافة التي لا تزال تفصلنا عن التغيير المنشود وبأن الإرادة الحقيقية للانتقال إلى عهد جديد لم تتوفر ما دمنا لم نقطع بشكل واضح ومؤسساتي مع العهد القديم.

وأكدت خمس سنوات من التجربة والمحاولات مصداقية هذه الرؤية، بل نسجل بكل حسرة وأسف أن هناك عودة قوية للمخزن في جل الميادين إلى درجة خفوت وغياب، إن لم نقل إقصاء دور الحكومة والبرلمان والأحزاب، حتى إن كثيرين من المتتبعين للشأن المغربي يتساءلون عمن يحكم المغرب في ظل هذه الأجواء؟ ! فالأوراش الكبرى والقضايا الملحة تدار من قبل القوى التقليدية المخزنية، ولا سلطة فيها للحكومة ومؤسساتها. وهذا الواقع الجديد القديم ليس التماسا للعذر للحكومة على إخفاقاتها وتخبطها المستمر، لأنها المسؤولة أولا وأخيرا عن تدبير الشأن المحلي، ولا عذر لها في هذا التفريط.

أمام هذا الوضع، ما الذي فعلته الأحزاب؟

الأحزاب، للأسف الشديد، عوض أن تتصدى لهذه الأزمة المتفاقمة وتؤطر الشعب وتنوره بحقيقة الواقع، فإنها في معظم الحالات منخرطة في هذا الواقع المتأزم إن لم نقل أنها من أهم تمظهراته وتجلياته. وأضحى كثير منها يلتمس الزلفى عند أقطاب المخزن الجديد القديم ويطلب ودها مضحيا برصيده “النضالي” ودون أدنى اكتراث بمواقف قواعدها ومصالح الشعب المستضعف المقهور.

ما رأيك في ما يسمى بـ”عودة المخزن”؟

ما يسميه بعض المتتبعين بعودة المخزن في العهد الجديد أمر بديهي ولا غرابة فيه، أولا لأن هذا المخزن لم يغب في أية فترة لنتحدث عن عودته، إنما حاول أن يغير وسائل وطرق اشتغاله ويجدد أساليب عمله، مواكبة لشعار العهد الجديد، لكنه بعد محاولات عاد إلى سالف وسائله وسابق أساليب عمله، وثانيا إن المخزن كأسلوب حكم سيبقى مرتبطا بشكل بنيوي بالنظام المغربي مما يحول دون بناء دولة الحق والقانون وحقوق الإنسان، وهذا الهدف لن يتحقق إلا بالقطع النهائي مع الماضي المخزني والتقاء كل القوى الغيورة على مصلحة بلدنا الحبيب على ميثاق جامع مبني على أرضية صلبة وجامعة وهي أرضية “الإسلام”. وهذا ما نسعى إليه جاهدين في الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان لأنه في تقدرينا المدخل المناسب للشروع في حل معضلاتنا التي لا تكاد تنتهي.

المصدر: جريدة “البيضاوي” العدد 110

الصادر بتاريخ 07/07/2004