لم يكن للحركة الإسلامية من الاستعلاء على المشاعر القومية والتربية على معاني الأخوة الإسلامية وهي ترى الأيام النحسات تتوالي على أقوام الأمة الإسلامية حين أطاعت الذين بروزا فيها من العلاة الغلاة المسرفين ، فأنه ليس من قوم إلا وظهر فيهم متخبط ، تعاطى سهم القومية ، فعقر ، وتولى بركنه يتهم الإسلام ويماريهما على ما ترى ، ويهذر شططا ، ويكون لها عدوا ، ويبسط لها يده ولسانه بالسوء.وأخوة المجتمعين في التجمع الحركي وما من جزء يقذف بنفسه في ميدان العمل العام قبل إحلال معاني الإخوة الإيمانية في أعضائه إلا ذاق وبال تساهله وتفريطه ، ولا مناص من تدرج الإيمان والتسبيح واستغلال دقائق الليل الغالية ..

ويكون فيه ( أدب الأخوة ) مترجما في تناصح وتكافل وتحابب يجمع القلوب ويعلمها التحالم ـ إن لم يكن للحلم ـ عند ابطاء المقصر وتجاوز الملحاح ، مثلما يعلمها المكافاة والوفاء والشكر عند إسراع المبادر ، وعدل خفيض الجناح . لقد أحب الإمام البنا هذا الأدب للدعاة ، ووضع له منهجا بحيث ( يرفع أخوتهم من مستوى الكلام والنظريات إلى مستوى الأفعال والعمليات) .

ورأى رحمه الله من تآخي الرعيل الأول ما أقر عينه حيا ، وبرهان وفاء محبيه من بعده ان يكونوا دوما عند محاسن هذا الأدب، وان يفيئوا إليه عند أول انتباهه إذا آنستهم الغفلات. أنها نعمة الأخوة . يجعلها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أثمن منحة ربانية للعبد من بعد نعمة الإسلام فيقول : ( ما أعطى عبد من بعد الإسلام خيرا من أخ صالح، فإذا رأي أحدكم ودا من أخيه فليتمسك به ) .

ويسميها التابعي مالك بن دينار : روح الدنيا ، فيقول ( لم يبقى من روح الدنيا إلا ثلاثة : لقاء أخوان . والتهجد بالقرآن . وبيت خال يذكر الله فيه ) .

ويحكم الشاعر لها الذخيرة فيقول :

لعمـرك ما مال الفتـى بذخيرة *** ولكن أخوان الثقات الذخائر

ولهذا كثرت توصية السلف بإتقان انتقاء الأخ الصاحب ، لتصاب الذخيرة الحقة والروح الحقة ، فكان من وصايا الحسن البصري سيد التابعين أن :

( إن لك من خليلك نصيبا ، وأن لك نصيبا من ذكر من أحببت ، فتنقوا الإخوان والأصحاب والمجالس .).

فأما أولا : فقد عمموا صفة الخيرية بإطلاق تحكم الانتقاء ، وعبروا عن ذلك بقولهم :

أنت في الناس تقاس *** بالذي اخترت خليلا

فاصحب الأخيار تعلـو *** وتنل ذكرا جميلا

ثم خصصوا ، ففسروا الخير بالتقوى ، وقالوا :

نافس إذا نافست في حكمة *** آخ إذا أخيت أهل التقى

ما خير من لا يرتجي نفعه *** يوما ، ولا يؤمن منه الأذى

ثم زادوا وذهبوا أبعد فعددوا صفاتهم ، يعينونك على دقة الاختيار .

أعلى صفاتهم : طيبة القول ، ذكرها عمر رضي الله عنه فقال : ( لو لا أن أسير في سبيل الله أو أضع جبيني لله في التراب ، أو أجالس قوما يلتقطون طيب القول كما يلتقط طيب الثمر ، لأحببت أن أكون لحقت بالله .) .

ومن صفاتهم أن احدهم : ( يرفع عنك ثقل التكلف ، وتسقط بينك وبينه مؤنة التحفظ . وكان جعفر بن الصادق رضي الله عنهما يقول : أثقل إخواني علي: من يتكلف لي واحتفظ منه وأحفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي ).

ومن صفاتهم ترك حضيض الدينار والدرهم ،والسمو إلى العلا ، وضربوا لذلك الإمام احمد بن حنبل في انتقائه الأصحاب مثلا ، وذلك حين يقول الذي يطريه :

ويحسن في ذات الإله إذا رأى *** مضيما لأهل الحق لا يسأم البلا

وإخوانه الأدنون كل موفق *** بصير بأمر الله يسمو إلى العلا

ومن صفاتهم : مذاكرة الآخرة ، كما قال الحسن البصري : ( لأن إخواننا يذكرونا بالدنيا ، وإخواننا يذكرونا بالآخرة ).

ومن صفاتهم: الإيثار ، وهو أحد أركان بيعة الشاعر صالح حياوي لهم حين يقول:

أبدا أظـل مع التقاة ، مع الدعـاة العالمين

النـاشرين لواء احـمد عاليا في العالمـين

المنصفين المؤثرين على النـفوس الآخرين

معهم أظل، مع التقاة ، مع الدعاة المسلمين

ومن صفاتهم : بذل النصح ، فأحدهم : ( صالح يعاونك في دين الله ، وينصحك في الله ) .

ويجمع هذه الصفات : النفع في الدين فإنها الكلمة الجامعة المانعة .

والمادة الموجزة في قانون التآخي ، يضعها زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم فيقول : ( إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه ).

فشأن كل داعية ناشئ أن يرتاد لنفسه المجالس التي يزيد فيها إيمانه وعلمه ، وان يقصد المجالس التي تنفع دينه ،ولا يعرف مجالس اللغو واللهو وقتل الفراغ.

وشرح ذلك إقبال بشطر حاسم ، يريد لنا أن لا نطيل القول بعده ، فقال يدعو الله عز وجل :

هب نجيا يا ولي النعمة *** محرما يدرك ما في فطرتي

هب نجيا لقنا ذا جنة *** ليس بالدنيا له من صله

فهذا جماع القول : إن صاحب الداعية المسلم : داعية آخر ليس بالدنيا له من صلة صلته بالآخرة ، وشوقه إلى الجنة . بينه وبين الدنيا انقطاع وجفاء . إن تحريت عنه وجدته أنه هو صاحبك. آخه وأحببه ، واصحبه ، وأعطه مثل الذي يعطيك ، و إلا فانك أنت العاجز ، فأنه كان يقول: ( أعجز الناس من فرط في حب وفي طلب الإخوان وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم ) .

فاطلب الإخوان ، نرفع عنك صفة العجز . هدأنا الله وإياك .