من حين لآخر، تستدعي الدوائر الصهيونية تهمة “العداء للسامية” لتفسير حادثة ما أو لوصم سياسات أو إجراءات بعينها أو للتهجم على شخصيات سياسية أو ثقافية أو فنية، حتى وإن كانت تنتمي إلى عصور طويلة خلت. ومؤخراً كانت العاصمة الفرنسية باريس مسرحاً لحادثتين اعتُبرتا دليلاً على اتساع نطاق “العداء للسامية” وعلى ما يكنه “الأغيار” من كراهية متأصلة لليهود في كل زمان ومكان. ففي الحادثة الأولى، زعمت سيدة فرنسية، تـُدعى (ماري لاوني) وتبلغ من العمر 23 عاماً، أنها كانت ضحية اعتداء عنصري للاعتقاد بأنها يهودية، حيث قالت: إن ستة شبان مسلحين بالسكاكين، وتدل ملامحهم على أنهم ينحدرون من شمال إفريقيا، هاجموها أثناء سفرها في قطار الضواحي في باريس يوم 9 يوليو 2004، وقصوا خصلات من شعرها ومزقوا ثيابها، ثم رسموا الصليب المعقوف على بطنها، وسرقوا حقيبتها ولاذوا بالفرار. وادعت السيدة أن كل هذه الأحداث وقعت على مرأى ومسمع من ركاب القطار دون أن يتقدم أحد منهم لمساعدتها.

وقد أثار نبأ هذه الحادثة موجةً من الاستنكار والغضب في فرنسا، حيث أدانتها مختلف القوى السياسية والاجتماعية، بما في ذلك الجالية الإسلامية، ووصل التنديد بالحادث إلى الرئيس جاك شيراك، الذي اعتبره “عملاً مخزياً”. وبدلاً من التعامل مع الحادث باعتباره مجرد عمل جنائي، أو حتى اعتداء عنصري، وقبل أن تتضح أية تفاصيل عن هوية المعتدين أو دوافعهم، بل وقبل التحقق من صحة أقوال المدعية نفسها، ورغم تأكيد الشرطة بأن السيدة ليست يهودية أصلاً، فقد سارع بعض السياسيين والمعلقين في “إسرائيل” إلى استدعاء قضية “العداء للسامية”، ووصف الحادث بأنه تعبير عن “تنامي ظاهرة معاداة السامية في المجتمع الفرنسي، وفي أوروبا بوجه عام”.

إلا أن “استثمار” تلك الحادثة على هذا النحو لم يدم طويلاً. فما أن مثلت السيدة المدعية أمام الشرطة للتحقيق في بلاغها حتى بدأ التشكك في أقوالها، حيث تبين أن أجهزة التصوير التي تتابع ما يحدث في محطات القطارات الفرنسية لم ترصد دخول أي شبان تنطبق عليهم الأوصاف التي ذكرتها الشاكية، وسرعان ما اعترفت هي بأنها كذبت وأن الرواية بأكملها لا تعدو أن تكون من نسج خيالها، كما أضافت أنها هي التي رسمت الصليب المعقوف على جسدها بمساعدة صديق لها! .

وهكذا، انتهت “الحادثة”، التي كان يمكن أن تصبح قضيةً تتصدر عناوين الأخبار، إلى مجرد مزحة سخيفة وواقعة مُخْتَلَقة. أما الذين تسرعوا بإضفاء أبعاد أخرى عليها واستخدام عباءة “معاداة السامية” الفضفاضة، فلم يتحل أي منهم بالشجاعة للاعتراف بخطأ التقدير، أو للإقرار بضرورة التريث والإحاطة بجوانب أية واقعة قبل إصدار أحكام قاطعة عليها.

ولم يمر وقت طويل حتى طفت قضية “معاداة السامية” مجدداً على سطح الأحداث في فرنسا، مع حادثة ثانية حظيت بقدر أكبر من الاهتمام الإعلامي والسياسي. ففي 22 أغسطس 2004، أُضرمت النار في مركز اجتماعي يهودي في باريس، وكُتبت على الجدران عبارات وُصفت بأنها “معادية للسامية”، من قبيل “سنكون أسعد بلا يهود”، و”سيكون العالم أطهر بدون يهود”.

وكما كان الحال مع “الحادثة” السابقة، كانت تهمة “معاداة السامية” هي التهمة الجاهزة التي تُشهر، دون انتظار لنتائج التحقيقات أو معرفة ملابسات الاعتداء أو شخصية الجناة. وكان وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم ممن أدلوا بعبارات شديدة اللهجة للتعبير عن “قلق “إسرائيل” العميق نتيجة وقوع اعتداء آخر مخزٍ ينطوي على معاداة السامية في فرنسا” وللتأكيد على “وقوف “إسرائيل” وراء يهود فرنسا في مواجهة تلك الاعتداءات المستمرة”. ولعل هذا الاندفاع المحموم إلى استخدام تلك التهمة الثابتة دون أدلة هو ما دفع أحد مستشاري وزير الداخلية الفرنسي دومينيك دوفيلبان إلى الإعراب عن دهشته قائلاً: “لا أقول إن علينا التستر على أعمال معاداة السامية، ولكنني أقول إن على قادتنا السياسيين أن يفكروا أكثر من مرة قبل أن يندفعوا أمام آلات التصوير للتعبير عن إدانتهم لاعتداء لا يقل فظاعةً عن اعتداءات عنصرية أخرى، ضد المسلمين مثلاً”.

وقد أثبتت الأيام التالية أن هذه النصيحة كانت في محلها تماماً. فلم يكد يمر أسبوع على الحادث حتى ألقت السلطات الفرنسية القبض على رجل يهودي اعتبرته المشتبه به الرئيسي في القضية، وألمحت إلى أنه كان يعمل حارساً في المركز في وقت ما ثم فـُصل، ولم تستبعد أن يكون قد أُقدم على إحراق المركز بدافع الانتقام. وربما يكون وضع العبارات العنصرية والإشارة إلى منظمة إسلامية مجهولة باعتبارها منفذة الهجوم من قبيل حرف الأنظار عن الفاعل الحقيقي وتأليب الرأي العام الفرنسي ضد المسلمين. وتثير هاتان الواقعتان، وغيرهما من الوقائع التي تُلصق بها تهمة “معاداة السامية”، عدداً من الملاحظات الجوهرية، وفي مقدمتها:

– إن هناك إصراراً من الدوائر الصهيونية على “احتكار” قضية “معاداة السامية” وإلى إبرازها كلما سنحت الفرصة بغرض ترهيب الخصوم أو ابتزاز بعض الدول أو الأطراف، أو حتى لمجرد الإبقاء على الهالة المخيفة التي تحيط بهذه التهمة، والتي تـُعد في حد ذاتها رادعاً فعالاً. وفي سبيل تحقيق هذه الأغراض، لا يهم إن كانت الواقعة المشار إليها واقعةً مُختلقة لا أساس لها، أو حتى إذا كان أولئك الذين يُزعم أنهم “ضحايا العداء لليهود” ليسوا يهوداً على الإطلاق، أو إذا كان مرتكب مثل هذه الأعمال يهودياً، فالمهم أن تظل القضية حاضرةً على الدوام وأن يبقى سيف الاتهام مشهراً.

– إن الصهاينة قد وسعوا من المجال الدلالي لتعبير “معاداة السامية” بحيث أصبح يضم خليطاً من الأحداث والمواقف والشخصيات التي لا رابط بينها. وتكفي الإشارة إلى أن قائمة “المعادين للسامية”، حسب التصنيف الصهيوني، تتسع لتشمل الكاتب الإنجليزي الشهير ويليام شكسبير، والمفكر الفرنسي روجيه جارودي، والزعيم الهندي المهاتما غاندي، والرئيس النمساوي الأسبق كورت فالدهايم، ورئيس الوزراء الماليزي السابق محاضر محمد، والممثل الهزلي الفرنسي ديدوني مبالا!

– إن “إسرائيل” تسعى منذ قيامها إلى أن تلعب دور الوصية على يهود العالم والمتحدثة باسمهم والمعبرة عن مصالحهم وتطلعاتهم أينما كانوا، بالرغم من رفض قطاعات واسعة من يهود البلدان المختلفة لهذا التوجه. ولا شك أن أجواء “معاداة السامية”، سواء أكانت فعلية أم مزعومة، توفر لها بعض المبررات للمضي في مسعاها وادعاءاتها.