شكلت جماعة العدل والإحسان على مدى ما يقارب العقد قوة سياسية لا يستهان بها، وتمكنت خلال هذه المدة من نهج مسار سياسي جنبها الدخول في مواجهات مكلفة على مستوى بنائها التنظيمي. وكان واضحا أن زعيمها الشيخ عبد السلام ياسين، وإن كان يركز على تثبيت منهجه التربوي، الذي يراه صمام آمان للجماعة من إمكانية الانزلاق نحو احتراف سياسي بمفهومه الضيق قد تمكن من إعطائها بعدا سياسيا حولها إلى إحدى أهم معادلات الواقع السياسي المغربي. وقد أدى هذا التحول إلى بروز مخاوف حقيقية من الجماعة ليس فقط على مستوى النظام، الذي كان غير راض عن مواقفها السياسية تجاه العديد من القضايا، وخاصة ما يتعلق بإمارة المؤمنين، حيث جرت العديد من اللقاءات لتغيير موقف الجماعة من هذه النقطة فشلت أغلبها في إيجاد أرضية مشتركة بين الطرفين نظرا للتصور الذي تحتله الجماعة وزعيمها حول مفهوم وممارسة هذه الوظيفة بل إن هذه المخاوف امتدت حتى إلى أطراف سياسية منافسة.

وبالرغم من الفترات الصعبة التي جمعت الجماعة والسلطة وكلاهما حاولا الحفاظ على شعرة معاوية بينهما لإدراكهما أن كل انزلاق غير محسوب يمكن أن تكون نتائجه كارثية على الاستقرار السياسي للبلاد، وعلى التوازن الهش الذي تعيشه. لكن هذا لم يمنع من تعاظم هاجس التخوف من تزايد نفوذها سواء داخل أكثر من قطاع. وقد مكنتها هذه السياسة من تجاوز مرحلة البناء التربوي والتنظيمي إلى مرحلة أكثر عمقا في مسار الجماعة، وهو مسار يمكن القول إنه فرض عليها فرضا، بحكم الاستقطاب القوي الذي راكمته الجماعة طوال السنوات الماضية، والذي تمثل أساسا في التحاق شرائح مختلفة ببنية الجماعة، وما يحمله ذلك من تنوع فكري، واختلاف في التخصصات والتطلعات، وهو ما أدركته الجماعة، وحاولت الاستجابة له من خلال خلق هياكل داخلية تكون قادرة على استيعاب هذه التطلعات. ومن هنا يمكن فهم إخراج الدائرة السياسية وما تفرع عنها من قطاعات تنظيمية إلى حيز الوجود.

إن فترة التعايش بين الطرفين لم تمر على الإطلاق بدون مواجهة والتي كانت ناتجة أساسا عن حالة عدم الثقة، وتوجس السلطة من القوة التي بدأت تكتسيها الجماعة داخل أكثر من موقع بدءا بالساحة السياسية التي أصبحت شبه فارغة إلا من القدرة التنظيمية والتأطيرية للقيادات السياسية الإسلامية الأخرى، فالدولة ترغب، وبأي ثمن في الحفاظ على التوازن الهش للساحة السياسية. وبالتالي الرغبة في تحجيم قدرة هذه الجماعة، وهو ما كان يترجم في حالات الاعتقال التي كانت تطول مناضلي الجماعة.

وكان الهدف من هذه الاعتقالات أساسا هو تذكير الجماعة بحدود اللعبة السياسية المسموح بها، وعدم تجاوزها، وهذا ما كانت ترفضه الجماعة المطالبة بفتح حرية الحركة والعمل السياسي والدعوي أمامها. وأنه لا مجال للخوف منها، ما دامت لا ترغب  على الأقل لحد الآن- في دخول اللعبة السياسية، وفق شروطها الحالية أو تدمير التوازن السياسي القائم. فالانشغال الأساسي للجماعة في المرحلة الراهنة هو تحصين نفسها، واستكمال بناء قوتها التنظيمية السياسية، والتأطيرية من خلال استيعاب الأجيال المختلفة الملتحقة بالعمل والنشاط داخل هياكلها.

لكن كل الإشارات الصادرة عن الجماعة لم تكن لتطمئن النظام، ولا الشركاء السياسيين المتخوفين من صعود نجم هذه الحركة، خاصة أن مواقفها من بعض القضايا، وخرجاتها الإعلامية كانت تضاعف من مخاوف النظام.

فالجماعة، وفي خضم عملها التأطيري والتربوي، كانت ترغب في الحفاظ على تواجد سياسي يمكنها من التعبير عن مجمل مواقفها من القضايا السياسية التي يعرفها المغرب.

لكن الملاحظ أنه بالرغم من كل التوترات والمواجهات العنيفة أحيانا، التي ميزت العلاقة بين الطرفين أنها لم تنـزل إلى مواجهة مفتوحة، فكلا الطرفين كانا يرغبان في الحفاظ على الحد الأدنى من التعايش خدمة لمصالحهما الخاصة، وتجنبا لأي انزلاق يمكن أن تكون عواقبه كارثية ليس فقط على الطرفين، وإنما على الاستقرار السياسي الهش للبلاد، والتي تمر بمرحلة سياسية دقيقة.

وكان مهندس هذه السياسة في عهد الملك الراحل الحسن الثاني وزير داخليته إدريس بالبصري، وهو النهج الذي حافظت عليه الدولة قبل الهزة العنيفة التي تعرض لها المغرب نتيجة أحداث 16 ماي بالدار البيضاء مما غير كل المعطيات، داخليا وإقليميا ودوليا. خاصة بعد صدور قانون الإرهاب، وبدء المحاكمات الواسعة النطاق لما يسمى بتيار “السلفية الجهادية”.

وكانت أحداث الدار البيضاء، وانعكاساتها على الوضع السياسي للمغرب، والسياسة التي أعلنها الملك، وبدء مرحلة عدم التسامح، والإشارات الصادرة بعد ذلك، إيذانا ببدء مرحلة جديدة ليس فقط في علاقة السلطة بجماعة العدل والإحسان، وإنما بعلاقة النظام مع الجماعات السياسية الإسلامية، والتيارات المحسوبة عليها.

وهو ما ترجم عمليا بالاعتقالات الواسعة التي طالت رموز التيار السياسي الإسلامي المحسوب على التيارات المهمة بالوقوف وراء الأحداث سواء بالتنفيذ أو بترويج الخطاب الداعي له وفق تصورات وقناعات السلطة التي حركت هذه الاعتقالات.

لكن هذا الموقف المتشدد سرعان ما امتد إلى كل التيارات المحسوبة على هذا الاتجاه سواء بالحد من نفوذ من دخلوا اللعبة، وقبلوا بشروطها أو من فضلوا البقاء بعيدا عنها. وهو ما يطرح التساؤل حول خلفية هذا التعاطي السياسي الجديد مع رموز الحركة وناشطيها.

الأبعاد السياسية للمحاكمات والاعتقالات الأخيرة

لاشك أن مواقف الدولة، والعديد من التيارات السياسية المرتبطة بالتجربة السياسية التي يقودها النظام تحت إشراف العاهل المغربي محمد السادس تغيرت كثيرا، وأصبح أحد أهدافها هو تحجيم حجم الحركات السياسية الإسلامية بعد التعامل الأمني الصارم مع تيار ما يسمى بـ”السلفية الجهادية”، خصوصا في ظل المواقف الدولية المؤيدة لمثل هذا التوجه، فواشنطن تضغط في تجاه تصفية التيارات السياسية الإسلامية العدو اللدود بعد أحداث 11 من شتنبر، وهو ما يجنب المغرب الإحراجات التي كان يشعر بها من قبل هذه القوى خاصة في الجانب الحقوقي، ومن ثم كان لا بد من استثمار هذه الظروف لإعادة صياغة الحقل الديني والسياسي المرتبط بالتيارات الإسلامية.

إن الدولة، وبعد أحداث الدار البيضاء، وتأثيراتها العنيفة على الواقع السياسي والمجتمعي أصبحت ترى في التيارات الإسلامية تهديدا لاستقرارها، واستقرار الوضع السياسي العام. ومن هنا يمكن فهم قساوة وعنف تعاملها مع الناشطين المحسوبين على التيار المتهم بالوقوف وراء أحداث الدار البيضاء. ولكن الملفت للانتباه أن هذا الموقف المتشدد سرعان ما بدأ يستعمل ضد “العدل والإحسان”، وحتى ضد حركة “التوحيد والإصلاح”، وحتى ضد حزب العدالة والتنمية الذي تم تقليص مشاركته في الانتخابات التشريعية والبلدية الأخيرة، بل إن تدخل الدولة وصل حد إقصاء مصطفى الرميد ودفعه للاستقالة من رئاسة الفريق البرلماني بدعوى عدم رضى السلطة عنه.

وإذا كانت السلطة قد حاولت بعث إشارات واضحة لحزب العدالة والتنمية للحد من نشاطه ومشاركته السياسية في إطار إعادة تركيب الحقل السياسي المرتبط بهذه التيارات، فإنها لجأت إلى أسلوب أكثر تشددا في تعاملها مع “العدل والإحسان” بحكم المواقف المسبقة للنظام من هذه الجماعة، وبحكم الرغبة في تفكيك بنية وقوة هذه الجماعة، التي أصبحت تهدد بملء الفراغ السياسي، الذي تشهده الساحة السياسية، وكذا من أي احتمال لإمكانية استقطاب الجماعات التي كانت محسوبة على تيار السلفية الجهادية.

ومن هنا يمكن فهم المتابعات التي بدأت بمحاكمة نائب رئيس الدائرة السياسية للجماعة عمر أمكاسو قبل أن تشمل عضو مجلس إرشاد الجماعة وأحد قدماء قادتها محمد العبادي، والذي تمت إدانته بسنتين سجنا في وجدة.

وكان واضحا من خلال تحريك المتابعة على أساس استجواب قديم قبل أحداث 16 ماي، وقبل صدور قانون الإرهاب أن هناك رغبة دفينة في تصفية حسابات الماضي. وأن الدولة تريد استغلال واقع ما بعد 16 ماي لتفكيك أو على الأقل إضعاف قوة الجماعة. ومن هنا يمكن فهم تركيز المحاكمات الأخيرة على القطاع الطلابي الذراع القوية المتبقية لدى الجماعة ومتنفسها الوحيد الآن.

لقد شكل القطاع الطلابي على مدى السنوات الماضية قوة حقيقية لجماعة العدل والإحسان، ولم تنجح المواجهات الأمنية في إضعاف قوة هذا القطاع، بل إن طلاب الجماعة استطاعوا إعادة هيكلة التعاضديات الطلابية في أغلب الجامعات، وإذا كانت الدولة قد استطاعت التعايش مع هذا الواقع قبل 16 ماي، فإن هذا الوضع من منظور ضياع الخرائط السياسية بالمغرب لم يعد مقبولا بعد هذه الأحداث، وهو ما أدركته الجماعة، التي أدانته في بلاغ صادر في موقعها الإلكتروني “جو الإرهاب التي يتعرض له الطلبة في جامعات البيضاء والمحمدية والرباط” وتدرك “العدل والإحسان” أنها أصبحت هدفا مباشرا لسياسة ما بعد 16 ماي، وإن الهدف النهائي لهذا التوجه الجديد هو تفكيك، وربما تصفية التواجد السياسي والدعوي لحركة طالما أزعجت النظام، وعصفت بحساباته السياسية.

فهل دقت ساعة الحقيقة لعلاقة بقيت دائما محكومة بحسابات سياسية دقيقة؟

المصدر: جريدة “الأيام” العدد 112، 09 يناير 2004