قال صلى الله عليه وسلم: “أهل النار كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع وأهل الجنة الضعفاء المقلون”.

وقال صلى الله عليه وسلم: “إن أحبكم إلينا وأقربكم منا في الآخرة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلينا وأبعدكم منا الثرثارون المتشدقون المتفيهقون”. قالوا: يا رسول الله ! قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: “المتكبرون”.(أخرجه أحمد).

وقال صلى الله عليه وسلم: “يحشر المتكبرون يوم القيامة في مثل صور الذر تطؤهم الناس ذرا في مثل صور الرجال، يعلوهم كل شيء من الصغار ثم يساقون إلى سجن في جهنم يقال له بولس يعلوهم نار الأنيار يسقون من طين الخبال عصارة أهل النار”.

(أخرجه الترمذي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقال غريب).

وقال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة في صور الذر تطؤهم الناس لهوانهم على الله تعالى”.

(أخرجه البزار هكذا مختصرا دون قوله الجبارون وإسناده حسن).

وعن محمد بن واسع قال: دخلت على بلال بن أبي بردة فقلت له: “يا بلال ! إن أباك حدثني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إن في جهنم واديا يقال له هبهب حق على الله أن يسكنه كل جبار”، فإياك يا بلال أن تكون ممن يسكنه !”.(أخرجه أبو يعلى والطبراني والحاكم وقال صحيح الإسناد. قلت فيه أزهر ابن سنان ضعفه ابن معين وابن حبان وأورد له في الضعفاء هذا الحديث).

وقال صلى الله عليه وسلم: ” إن في النار قصرا يجعل فيه المتكبرون ويطبق عليهم”. (أخرجه البيهقي في الشعب من حديث أنس … وروى أبو داود وابن ماجه من حديث جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء الحديث: ” أعوذ بالله من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه”، قال: نفثه الشعر ونفخه الكبر وهمزه الموتة. ولأصحاب السنن من حديث أبي سعيد الخدري نحوه تكلم فيه أبو داود وقال الترمذي هو أشهر حديث في هذا الباب).

وقال: ” من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة: الكبر والدين والغلول”.(أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ثوبان).

قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ” لا يحقرن أحد أحدا من المسلمين فإن صغير المسلمين عند الله كبير”.

وقال وهب: “لما خلق الله جنة عدن نظر إليها فقال: “أنت حرام على كل متكبر”. وكان الأحنف بن قيس يجلس مع مصعب بن الزبير على سريره فجاء يوما ومصعب ماد رجليه فلم يقبضهما وقعد الأحنف فزحمه بعض الزحمة فرأى أثر ذلك في وجهه فقال: “عجبا لابن آدم يتكبر وقد خرج من مجرى البول مرتين”.

وقال الحسن: “العجب من ابن آدم يغسل الخراء بيده كل يوم مرة أو مرتين ثم يعارض جبار السموات”. وقد قيل في “وفي أنفسكم أفلا تبصرون” هو سبيل الغائط والبول. وقد قال محمد بن الحسين بن علي: ” ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر قط إلا نقص من عقله بقدر ما دخل من ذلك أو كثر”. وسئل سليمان عن السيئة التي لا تنفع معها حسنة فقال: “الكبر”، وقال النعمان بن بشير على المنبر: “إن للشيطان مصالي وفخوخا، وإن من مصالي الشيطان وفخوخه البطر بأنعم الله، والفخر بإعطاء الله، والكبر على عباد الله، واتباع الهوى في غير ذات الله”. نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة بمنه وكرمه.

بيان ذم الاختيال وإظهار آثار الكبر في المشي وجر الثياب

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا ينظر الله إلى رجل يجر إزاره بطرا”. (متفق عليه من حديث أبي هريرة).

وقال صلى الله عليه وسلم: “بينما رجل يتبختر في بردته إذ أعجبته نفسه فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة”. (متفق عليه من حديث أبي هريرة).

وقال صلى الله عليه وسلم: “من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة”. وقال زيد بن أسلم: دخلت على ابن عمر فمر به عبد الله بن واقد وعليه ثوب جديد فسمعته يقول: أي بني ارفع إزارك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا ينظر الله إلى من جر إزاره خيلاء”. (رواه مسلم مقتصرا على المرفوع دون ذكر مرور عبد الله بن واقد على ابن عمر وهو رواية لمسلم أن المار رجل من بني ليث غير مسمى).

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوما على كفه ووضع أصبعه عليه وقال: ” يقول الله تعالى ابن آدم أتعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد جمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق وأنى أوان الصدقة؟”. (أخرجه ابن ماجه والحاكم وصحح إسناده من حديث بشر بن جحاش).

وقال صلى الله عليه وسلم: ” إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم سلط الله بعضهم على بعض”. (أخرجه الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر. المطيطاء بضم الميم وفتح الطاءين المهملتين بينهما مثناة من تحت مصغرا ولم يستعمل مكبرا قال ابن الأعرابي: هي مشية فيها اختيال).

وقال صلى الله عليه وسلم: ” من تعظم في نفسه واختال في مشيته لقي الله وهو عليه غضبان”. (أخرجه أحمد والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من حديث ابن عمر).

عن أبي بكر الهذلي قال: بينما نحن مع الحسن إذ مر علينا ابن الأهتم يريد المقصورة وعليه جبة خز قد نضد بعضها فوق بعض على ساقه وانفرج عنها قباؤه وهو يمشي يتبختر إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال: ” أف أف ! شامخ بأنفه، ثاني عطفه، مصعر خده، ينظر في عطفيه، أي حميق أنت ! تنظر في عطفيك في نعم غير مشكورة ولا مذكورة غير المأخوذ بأمر الله فيها ولا المؤدي حق الله منها. والله أن يمشي أحد طبيعته يتخلج تخلج المجنون في كل عضو من أعضائه لله نعمة وللشيطان به لفتة”. فسمع ابن الأهتم فرجع يعتذر إليه فقال: ” لا تعتذر إلي وتب إلى ربك. أما سمعت قول الله تعالى: ” ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا”.

ومر بالحسن شاب عليه بزة له حسنة فدعاه فقال له: “ابن آدم معجب بشبابه محب لشمائله، كأن القبر قد وارى بدنك وكأنك قد لاقيت عملك. ويحك ! داو قلبك، فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم”.

وروي أن عمر بن عبد العزيز حج قبل أن يستخلف فنظر إليه طاوس وهو يختال في مشيته فغمز جنبه بأصبعه ثم قال: ” ليست هذه مشية من في بطنه خراء ! “فقال عمر كالمعتذر: “يا عم لقد ضرب كل عضو مني على هذه المشية حتى تعلمتها”. ورأى محمد بن واسع ولده يختال فدعاه وقال: ” أتدري من أنت؟ أما أمك فاشتريها بمائتي درهم، وأما أبوك فلا أكثر الله في المسلمين مثله!”.

ورأى ابن عمر رجلا يجر إزاره فقال: ” إن للشيطان إخوانا”. كررها مرتين أو ثلاثا.

ويروى أن مطرف بن عبد الله بن الشخير رأى المهلب وهو يتبختر في جبة خز فقال: ” يا عبدالله هذه مشية يبغضها الله ورسوله”، فقال له المهلب: “أما تعرفني؟” فقال: بلى أعرفك ! أولك نطفة مذرة، وآخرتك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك تحمل العذرة”، فمضى المهلب وترك مشيته تلك. وقال مجاهد في قوله تعالى: ” ثم ذهب إلى أهله يتمطى”، أي يتبختر.

وإذ قد ذكرنا ذم الكبر والاختيال فلنذكر فضيلة التواضع والله تعالى أعلم.

بيان فضيلة التواضع

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما زاد عبد بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله “. ( أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وقد تقدم).

وقال صلى الله عليه وسلم: ” ما من أحد إلا ومعه ملكان وعليه حكمة يمسكانه بها فإن هو رفع نفسه جبذاها ثم قالا: اللهم ضعه، وإن وضع نفسه قال: اللهم ارفعه”. (أخرجه العقيلي في الضعفاء والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة والبيهقي أيضا من حديث ابن عباس وكلاهما ضعيف).

وقال صلى الله عليه وسلم: ” طوبى لمن تواضع في غير مسكنة، وأنفق مالا جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة”. ( أخرجه البغوي وابن قانع والطبراني).

وعن أبي سلمة المديني عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا بقباء وكان صائما فأتيناه عند إفطاره بقدح من لبن وجعلنا فيه شيئا من عسل فلما رفعه وذاقه وجد حلاوة العسل فقال:

” ما هذا؟ قلنا: يا رسول الله جعلنا فيه شيئا من عسل. فوضعه وقال: ” أما إني لا أحرمه، ومن تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله، ومن اقتصد أغناه الله، ومن بذر أفقره الله، ومن أكثر ذكر الله أحبه الله”.

(رواه البزار من رواية طلحة بن طلحة بن عبيد الله عن أبيه عن جده طلحة فذكر نحوه دون قوله: ” ومن أكثر من ذكر الله أحبه الله” ولم يقل بقباء. وقال الذهبي في الميزان: إنه خبر منكر وقد تقدم. ورواه الطبراني في الأوسط من حديث عائشة قالت: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فيه لبن وعسل الحديث، وفيه أما إني لا أزعم أنه حرام الحديث وفيه من أكثر ذكر الموت أحبه الله. وروى المرفوع منه أحمد وأبو يعلى من حديث أبي سعيد دون قوله ومن بذر أفقره الله) .

وقال صلى الله عليه وسلم: ” خيرني ربي بين أمرين: أن أكون عبدا رسولا أو ملكا نبيا فلم أدر أيهما أختار، وكان صفيي من الملائكة جبريل فرفعت رأسي إليه فقال: تواضع لربك. فقلت: عبدا رسولا”. (أخرجه أبو يعلى من حديث عائشة والطبراني من حديث ابن عباس وكلا الحديثين ضعيف).

وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: “إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي ولم يتعاظم على خلقي وألزم قلبه خوفي وقطع نهاره بذكري وكف نفسه عن الشهوات من أجلي”.

وقال صلى الله عليه وسلم: ” الكرم التقوى، والشرف التواضع، واليقين الغنى”. (أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب اليقين مرسلا وأسند الحاكم أوله من رواية الحسن عن سمرة وقال صحيح الإسناد).

وقال المسيح عليه السلام: “طوبى للمتواضعين في الدنيا هم أصحاب المنابر يوم القيامة. طوبى للمصلحين بين الناس في الدنيا هم الذين يرثون الفردوس يوم القيامة. طوبى للمطهرة قلوبهم في الدنيا هم الذين ينظرون إلى الله تعالى يوم القيامة”. وقال بعضهم بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا هدى الله عبدا للإسلام وحسن صورته وجعله في موضع غير شائن له ورزقه مع ذلك تواضعا فذلك من صفوة الله”. ( أخرجه الطبراني موقوفا على ابن مسعود نحوه وفيه المسعودي مختلف فيه).

وقال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا تواضع العبد رفعه الله إلى السماء السابعة”. (أخرجه البيهقي في الشعب نحوه وفيه زمعة بن صالح ضعفه الجمهور).

وقال صلى الله عليه وسلم: ” التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرحمكم الله”. (أخرجه في الترغيب والترهيب من حديث أنس، وفيه بشر بن الحسين وهو ضعيف جدا ورواه ابن عدي من حديث ابن عمر وفيه الحسن بن عبد الرحمن الاحتياصي وخارجة بن مصعب وكلاهما ضعيف).

وقال صلى الله عليه وسلم: ” إنه ليعجبني أن يحمل الرجل الشيء في يده يكون مهنة لأهله يدفع به الكبر عن نفسه”. (حديث غريب).

قال عمر رضي الله عنه: “إن العبد إذا تواضع لله رفع الله حكمته، وقال: انتعش رفعك الله، وإذا تكبر وعَدَا طَورَه رهصه الله في الأرض، وقال: اخسأ خسأك الله، فهو في نفسه كبير وفي أعين الناس حقير حتى إنه لأحقر عندهم من الخنزير”.

وقال جرير بن عبد الله: ” انتهيت مرة إلى شجرة تحتها رجل نائم قد استظل بنطع له وقد جاوزت الشمس النطع فسويته عليه ثم إن الرجل استيقظ فإذا هو سلمان الفارسي فذكرت له ما صنعت فقال لي: يا جرير ! تواضع لله في الدنيا فإنه من تواضع لله في الدنيا رفعه الله يوم القيامة. يا جرير ! أتدري ما ظلمة النار يوم القيامة؟ قلت: لا، قال: إنه ظلم الناس بعضهم في الدنيا”. وقالت عائشة رضي الله عنها: ” إنكم لتغفلون عن أفضل العبادات: التواضع”.

مهالك الغرور

(…) وفرقة أخرى اغتروا بالصوم، وربما صاموا الدهر أو صاموا الأيام الشريفة وهم فيها لا يحفظون ألسنتهم عن الغيبة وخواطرهم عن الرياء وبطونهم عن الحرام عند الإفطار، وألسنتهم عن الهذيان بأنواع الفضول طول النهار، وهو مع ذلك يظن بنفسه الخير فيهمل الفرائض ويطلب النفل ثم لا يقوم بحقه، وذلك غاية الغرور.

وفرقة أخرى اغتروا بالحج، فيخرجون إلى الحج من غير خروج عن المظالم وقضاء الديون واسترضاء الوالدين وطلب الزاد الحلال، وقد يفعلون ذلك بعد سقوط حجة الإسلام ويضيعون في الطريق الصلاة والفرائض، ويعجزون عن طهارة الثوب والبدن، ويتعرضون لمكس الظلمة حتى يؤخذ منهم، ولا يحذرون في الطريق من الرفث والخصام. وربما جمع بعضهم الحرام وأنفقه على الرفقاء في الطريق وهو يطلب به السمعة والرياء، فيعصي الله تعالى في كسب الحرام أولا وفي إنفاقه بالرياء ثانيا، فلا هو أخذه من حله، ولا هو وضعه في حقه. ثم يحضر البيت بقلب ملوث برذائل الأخلاق وذميم الصفات، لم يقدم تطهيره على حضوره، وهو مع ذلك يظن أنه على خير من ربه، فهو مغرور.

وفرقة أخرى أخذت في طريق الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ينكر على الناس ويأمرهم بالخير وينسى نفسه. وإذا أمرهم بالخير عنف وطلب الرياسة والعزة، وإذا باشر منكرا ورُدَّ عليه غضب وقال أنا المحتسب فكيف تنكر علي؟ وقد يجمع الناس إلى مسجده ومن تأخر عنه أغلظ القول عليه، وإنما غرضه الرياء والرياسة. ولو قام بتعهد المسجد غيره لحرد عليه. بل منهم من يؤذن ويظن أنه يؤذن لله، ولو جاء غيره وأذن في وقت غيبته قامت عليه القيامة وقال لِمَ أُخِذَ حقي وزُوحِمتُ على مرتبتي؟ وكذلك قد يتقلد إمامة مسجد ويظن أنه على خير، وإنما غرضه أن يقال إنه إمام مسجد، فلو تقدم غيره وإن كان أورع وأعلم منه ثقل عليه.

وفرقة أخرى جاوروا بمكة أو المدينة واغتروا بمكة ولم يراقبوا قلوبهم ولم يطهروا ظاهرهم وباطنهم، فقلوبهم معلقة ببلادهم ملتفتة إلى قول من يعرفه إنَّ فلانا مجاور بذلك، وتراه يتحدى ويقول قد جاورت بمكة كذا كذا سنة، وإذا سمع أن ذلك قبيح ترك صريح التحدي وأحب أن يعرفه الناس بذلك. ثم إنه قد يجاور ويمد عين طمعه إلى أوساخ أموال الناس، وإذا جمع من ذلك شيئا شح به وأمسكه لم تسمح نفسه بلقمة يتصدق بها على فقير، فيظهر فيه الرياء والبخل والطمع وجملة من المهلكات كان عنها بمعزل لو ترك المجاورة، ولكن حب المحمدة وأن يقال إنه من المجاورين ألزمه المجاورة مع التضمخ بهذه الرذائل، فهو أيضا مغرور.

وما من عمل من الأعمال وعبادة من العبادات إلا وفيها آفات؛ فمن لم يعرف مداخل آفاتها واعتمد عليها فهو مغرور، ولا يعرف شرح ذلك إلا من قرأ كتب إحياء علوم الدين فيعرف مداخل الغرور في الصلاة من كتاب الصلاة، وفي الحج من كتاب الحج، والزكاة والتلاوة وسائر القربات من الكتب التي رتبناها فيها، وإنما الغرض الآن الإشارة إلى مجامع ما سبق في الكتب.

وفرقة أخرى زهدت في المال وقنعت من اللباس والطعام بالدون، ومن المسكن بالمساجد، وظنت أنها أدركت رتبة الزهاد، وهو مع ذلك راغب في الرياسة والجاه إما بالعلم أو بالوعظ أو بمجرد الزهد. فقد ترك أهون الأمرين وباء بأعظم المهلكين؛ فإن الجاه أعظم من المال، ولو ترك الجاه وأخذ المال كان إلى السلامة أقرب. مغرور إذا ظن أنه من الزهاد في الدنيا وهو لم يفهم معنى الدنيا ولم يدر أن منتهى لذاتها الرياسة، وأن الراغب فيها لا بد وأن يكون منافقا وحسودا ومتكبرا ومرائيا ومتصفا بجميع خبائث الأخلاق. نعم وقد يترك الرياسة ويؤثر الخلوة والعزلة وهو مع ذلك مغرور إذ يتطول بذلك على الأغنياء ويخشن معهم الكلام وينظر إليهم بعين الاستحقار ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم، ويعجب بعمله ويتصف بجملة من خبائث القلوب وهو لا يدري. وربما يعطى المال فلا يأخذه خيفة من أن يقال بطل زهده ! ولو قيل له إنه حلال فخذه في الظاهر ورده في الخفية لم تسمح به نفسه خوفا من ذم الناس، فهو راغب في حمد الناس وهو من ألذ أبواب الدنيا. ويرى نفسه أنه زاهد في الدنيا وهو مغرور. ومع ذلك فربما لا يخلو من توقير الأغنياء وتقديمهم على الفقراء، والميل إلى المريدين له والمثنين عليه، والنفرة عن الماثلين إلى غيره من الزهاد، وكل ذلك خدعة وغرور من الشيطان نعوذ بالله منه.

وفي العباد من يشدد على نفسه في أعمال الجوارح حتى ربما يصلي في اليوم والليلة مثلا ألف ركعة ويختم القرآن، وهو في جميع ذلك لا يخطر له مراعاة القلب وتفقده وتطهيره من الرياء والكبر والعجب وسائر المهلكات فلا يدري أن ذلك مهلك، وإن علم ذلك فلا يظن بنفسه ذلك، وإن ظن بنفسه ذلك توهم أنه مغفور له لعمله الظاهر وأنه غير مؤاخذ بأحوال القلب وإن توهم، فيظن أن العبادات الظاهرة تترجح بها كفة حسناته وهيهات وذرة من ذي تقوى وخلق واحد من أخلاق الأكياس أفضل من أمثال الجبال عملا بالجوارح ! ثم لا يخلو هذا المغرور مع سوء خلقه مع الناس وخشونته وتلوث باطنه عن الرياء وحب الثناء، فإذا قيل له أنت من أوتاد الأرض وأولياء الله وأحبابه فرح المغرور بذلك وصدق به وزاده ذلك غرورا وظن أن تزكية الناس له دليل على كونه مرضيا عند الله، ولا يدري أن ذلك لجهل الناس بخبائث باطنه !

وفرقة أخرى حرصت على النوافل ولم يعظم اعتدادها بالفرائض. ترى أحدهم يفرح بصلاة الضحى وبصلاة الليل وأمثال هذه النوافل ولا يجد للفريضة لذة ولا يشتد حرصه على المبادرة بها في أول الوقت، وينسى قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: “ما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضت عليه” أخرجه البخاري. وترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور، بل قد يتعين في الإنسان فرضان أحدهما يفوت والآخر لا يفوت، أو فضلان أحدهما يضيق وقته والآخر يتسع وقته، فإن لم يحفظ الترتيب فيه كان مغرورا. ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى. فإن المعصية ظاهرة والطاعة ظاهرة، وإنما الغامض تقديم بعض الطاعات على بعض: كتقديم الفرائض كلها على النوافل، وتقديم فروض الأعيان على فروض الكفاية، وتقديم فرض كفاية لا قائم به على ما قام به غيره، وتقديم الأهم من فروض الأعيان على ما دونه، وتقديم ما يفوت على مالا يفوت، وهذا كما يجب تقديم حاجة الوالدة على حاجة الوالد، إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: من أبر يا رسول الله؟ قال: “أمك”. قال: ثم من؟ قال: “أمك”. قال: ثم من؟ قال: “أمك”. قال: ثم من؟ قال: “أباك”. قال: ثم من؟ قال: “أدناك فأدناك”. (أخرجه الترمذي والحاكم وصححه من حديث زيد بن حكيم عن أبيه عن جده). فينبغي أن يبدأ في الصلة بالأقرب، فإن استويا فبالأحوج، فإن استويا فبالأتقى والأورع. وكذلك من لا يفي ماله بنفقة الوالدين والحج فربما يحج وهو مغرور، بل ينبغي أن يقدم حقهما على الحج، وهذا من تقديم فرض أهم من فرض هو دونه. وكذلك إذا كان على العبد ميعاد ودخل وقت الجمعة فالجمعة تفوت.