قد يكون بعضنا تحت نظام من أنظمة الجبر ألجأته ضرورة البحث عن مشروعية ما أن يفتح باب الحريات العامة. إن كان فخط عالمنا المودودي رحمه الله أن يساهم المسلمون في اللعبة الديمقراطية. هذا يتيح للمسلمين أن يعرفوا بقضيتهم وحلهم لمشاكل الأمة على وضح النهار. ولوجود هذا الوضوح يتهيأ للمسلمين أن يقارعوا الحجة بالحجة ويبلغوا للناس رسالتهم من منابر البرلمان والتجمعات والمناصب الانتخابية.

هذا جيد، مع السكوت المؤقت الضروري عن أن الإسلام له مشروعيته وهي شيء آخر غير مشروعية الديمقراطية التي تسمح لصنائع أمريكا وروسيا بالتربع على منصات الأمة، يعلمونها الخنوع للكافرين والإلحاد في دين الله.

وقد يكون بعضنا تحت نظام غير ديمقراطي يتقرب للإسلام -كما يحدث ونحن نكتب في باكستان وغيرها- عندها يمكن للمؤمنين أن يطلبوا من الحكام المحتاجين لسند شعبي ميثاقا إسلاميا يعلن على الجميع، ويصوت عليه الشعب، ويعطي الحكام عهودهم على العمل لتهييء الحكم الإسلامي بعد مرحلة انتقالية تحدد.

وقد يكون -وهذا حادث فعلا- بعضنا تحت ظروف أعقبت إجهادا وبلاء. عندها يكون التسرب اللطيف إلى أجهزة دول الجبر الإعلامية والحكومية خدمة للدعوة على المدى البعيد. وليكف بعضنا عن اتهام بعض في قضية التميز والمنابذة، فإن لكل مقام مقالا. ومن أحنى رأسه أمام العاصفة بنية تغيير أسلوب الجهاد فإنما يعمل على المستوى الجماعي بهذا الحديث النبوي الوارد في حق المؤمن الفرد. ولا بأس. روى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مثل المؤمن كمثل خامة الزرع من حيث أتتها الريح كفتها. فإذا سكنت اعتدلت وكذلك المؤمن يكفأ بالبلاء. ومثل الفاجر كالأرزة صماء معتدلة. حتى يقصمها الله إذا شاء”.

ولو تتبعت سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم لرأيت هذا الصبر عند البلاء ومرونة خامة الزرع. مثلا عندما ألح سهيل بن عمرو في كتابة صلح الحديبية على أن يمحي من الصحيفة البسملة ونسبة الرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فمحاها نبي الرحمة بيده الكريمة.

على أن التسرب لأجهزة الحكم، وإعداد الرجال لكل مناصب الدولة ومواطن الخبرة والقيادة فيها، جزء أساسي من الخط اللاحب الذي يجب أن يمضي فيكون ذلك الخط صلب العمل وحواشيه مرونة، ويكون النهر وروافده الفرص التاريخية، ويكون الثابت على السير في الوجهة وما يأتي به الله من انعراجات سياسية متحركات لا توقف السير.

السياسة الشرعية تجيب أن القومة الإسلامية على حكام الجبر مشروعة، ولا يصطدم بالشرع أي من الرأي والخدعة الحربية والمكايدة التي وصفنا بعضها. ومن الرأي والخدعة والمكايدة أن نكتب هذا ونعلنه لمن يعلم قواعد اللعبة السياسية ومداخل الأمور. أما غيره فيحسب أن الرأي والحرب والكيد في أن يخفي أمره فلا يعرفه أحد، فتنسب إليه الطوام، وتنصب له الحبائل، ويسقط مضغة في قبضة الطاغوت. والله من ورائهم محيط. وإنها لعقبة واقتحام.