بعد العلم العمل، بعد الفقه النظري للتجديد وأسسه النفسية التربوية الفقه العملي بالممارسة الصابرة الذكية، بالتعلم من العمل إثر العمل على ضوء العلم.

لابد للعامل المجدد الذي يبعثه الله، قيادة وجماعة، من رؤية واضحة لمهمات التجديد وشروطه، ولابد له من الإرادة العازمة التي تنقل النية من آفاق التطلع والأمل إلى ميدان الجهاد.

والجهاد هو الفريضة الثابتة بالكتاب والسنة على المومنين، ما ثم إيمان ولا يصح أن يعتبر التجديد تجديدا إن لم تتوج تربيته بنية الجهاد فعزمة الجهاد فطلب الشهادة في سبيل الله عند الأفراد والجماعة.

قال الله عز وجل: “إنما المومنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله” وإنما حرف حصر يفصل هنا بين أهل الإيمان المجاهدين ببذل النفس والنفيس وبين أهل الأماني والركود والقعود.

كيف يقرأ المسلم أمر الله له بالجهاد ثم لا تنبعث في نفسه باعثته إن لم يكن إسلامه انتماء رخوا لا يبلغ درجة الإيمان؟ أم كيف يسمع وعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم للقاعدين فلا يقيم له وزنا إن لم يكن إسلامه حومانا حول الحق لما يتحقق بالنزول على أرض الجهاد؟ قال صلى الله عليه وسلم: “من لم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق” رواه مسلم وأبو داود والنسائي. قال عبد الله بن المبارك أن الوعيد كان خاصا بمن كان على عهده صلى الله عليه وسلم، والجمهور يحمل الحديث على عمومه في الزمان والمكان، ولا يكون الوعيد أشد في زمن كزماننا يغزى فيه الإسلام في عقر داره عقيدة وأرضا ويدجل به الحكام ويلعب بنصوصه علماء السوء أمثل.

كتاب الله يربط الإيمان بالجهاد وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوعد من لم يبلغ الحد الأدنى من الجهاد الذي لا أقل منه وهو حديث النفس به.

الإيمان البالي يستحيل خنوعا للطاغوت فيتعلل صاحبه بالتعبد القاعد، وتجديد الإيمان إنما يتأتى بالإكثار من قول لا إله إلا الله، قولها باللسان حتى تنفذ إلى القلب فيعمه نور اليقين فإذا بدل الخنوع شعور بعزة الإيمان وإذا بدل التعلل القاعد تحفز وتوثب يحدوه طلب الموت في سبيل الله ويعضده البذل في سبيل الله، حديث نفس أولا ثم رفض لكل قانون وكل حكم لا يتقيدان بلا إله إلا الله ثم عمل إيجابي لاستبدال المنكر بالمعروف، والطاغوت بالحق والظلم بالعدل والكفر بالإيمان.

هذا ما يعطينا النقل من العلم بما فرض الله على المومنين وما حده رسول الله صلى الله عليه وسلم من شروط لتجديد الإيمان حتى لا تبقى شعبة من شعب النفاق في قلب المومن، ومن شعب النفاق يتسرب الوهن إلى القلوب فيكون التخاذل والتنازل عن الحق وممالاة الباطل وأهله، من شعب النفاق النكوص عن الجهاد ومقتضياته والرضى بالتعبد المدخول، إن لا إله إلا الله معناها أن لا نكون عبادا إلا لله، فإذا رضينا بالذلة لمن دونه كان تعبدنا مدخولا وأشركنا به عز وجل قوى الشر الغالبة القاهرة بالباطل.

الصف المرصوص

قال الله عز وجل: “إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص”.

الآية تفسر في موقف محدود، موقف التعبئة العينية أمام العدو، على ظاهرها من وجب الثبات يوم الزحف والتآزر في وجه العدو، لكنها على عمومها تفيد من يحدث نفسه بجهاد ومن يريد جهادا ويخطط لجهاد أن الجماعة المنظمة المنضبطة هي الشرط التنظيمي للجهاد بعد الشرط النفسي في قلوب المومنين الذين طرحوا النفاق وشمروا للصدق.

ونقول لا إله إلا الله حتى تصفو القلوب لله وتنصب الوجوه لجلاله وتخضع الإرادات لأمره دون أمر غيره وتتجمع الطاقات الإيمانية الفردية في اتجاه الجهاد.

ثم يبتعث الله للأمة من يجدد لها أمر دينها فاعلا منتظما منضبطا، قيادة وجماعة، لتحقيق كلمة التوحيد على أرض الواقع بأسلوب الجهاد، بأسلوب القومة الإسلامية على الباطل وأهل الباطل.

وهذا يطلب من كل مومن أن يعلم أن الموت في سبيل الله غاية ما يتمناه المومن، ويريد الموت في سبيل الله، ويستعد له ويعد له القوة.

ويطلب من كل مومن أن يسعى لتأليف الصف المرصوص وينضم لإخوته على صراط الجهاد، ويبذل أنانيته التي تتأبى على الانضباط ويغير ما في نفسه من نفاق متشعب يراوده على لزوم الذهنيات الذليلة والعادات المترفة.

“الجهاد غايته إحدى الحسنيين بالنسبة لكل مومن، ونتيجته التي وعد الله بها الصادقين تغيير الباطل بالحق.

إرادة الموت في سبيل الله هي الطاقة التي لا تقهر لأنها المعيار الكلي للصدق، ومعرفة الحق الذي ينبغي أن يحل محل الباطل هي النور الذي يجلي طريق العمل منهاجا شاملا فتخطيطا فبرنامجا عمليا قابلا للتطبيق في هذا الزمان وهذا المكان وهذا الناس.

قال الله عز وجل: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” وقال عز من قائل: “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا”.

نعلم أن لا إيمان كاملا لمن لا يريد الموت في سبيل الله أو على الأقل يدخلها بعدم انزعاج أو بارتياح في حساباته، ونتعلم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن الذي يجب أن يغير في نفوسنا لنستحق الخلافة في الأرض وتمكين الله لنا هو موقفنا الكلي أمام ربنا عز وجل وأمام أمره وأمر رسوله، موقفنا كأفراد لها نفوس تتمرج بالغفلة عن الله، وموقفنا كقوم، كجماعة ندبت للتعاون في ذات الله، للوقوف صفا مرصوصا تجاه مهمات التغيير النفسي والجهادي.

لا يتم جهاد أكبر، وهو تزكية النفوس وتربية الإيمان حتى يتجدد، ولا جهاد أصغر وهو القيام لله والشهادة لله صفا متراصا إلا على توحيد العلم والإرادة في صفوف المسلمين المتناثرة في الأقطار والمذاهب والخلافات.

التمكين في الأرض والخلافة عن الله فيها أنما وعد بها المومنون من حيث كونهم يشكلون جماعة واحدة توحده سبحانه لا تشرك به شيئا وتسعى لنشر رسالته على الأرض.

كانت جماعة المسلمين يوم كان الأمر دعوة ودولة في كيان واحد، وهذه هي الخلافة الرشيدة بعد طور التأسيس على يد القدوة الأعظم صلى الله عليه وسلم، ثم كان الملك العاض المسمى خلافة انتهى بسقوط الدولة العثمانية كانت فيه جماعة المسلمين تابعة للسيف بعد أن كان السيف في يدها المتمثلة في الخليفة المنتخب عن رضى المومنين، ثم تدهور الأمر إلى الملك الجبرية، وهي هذه الاستبدادات الفطرية العاصفة الظالمة الحاكمة بغير ما أنزل الله، الداعي طواغيتها على أبواب جهنم.

هذا هو موعود الله لمن آمنوا وعملوا صالحا ووفوا بشرط التوحيد ونبذ كل حاكمية لغير الله لا يزال قائما، لكن بأي المومنون يناط هذا الموعود؟ على من يتنـزل نصر الله والتمكين في الأرض من هذه الجماعات الإسلامية المتعددة حتى في القطر الواحد من أقطار التمزيق الفتنوي؟ أين الصف المرصوص، أم كيف تأليفه وبناؤه.

إخوتنا الإسلاميون جزاهم الله عنا خيرا يبذرون بذور الإيمان ويربون في القلوب شجرة الإيمان ويبثون علم الإيمان، وينظمون صفوف الجهاد، ويجربون أساليب الجهاد، وكل حركة صادقة درس لنا معشر المتطلعين لموعود الله، درس لإرادتنا بما يعطيه الشهداء من مثال، ودرس لعقولنا بما يعلمه العلماء من معرفة.

كان الشيخ البنا رحمه الله ورضى عنه يحدث أصحابه عن صناعة الموت ويحرضهم على القتال كما أمر الله، صناعة الموت وهو تعبير للأستاذ محب الدين الخطيب رحمه الله ورضى عنه، تفرض علما وإرادة، وتفرض صفا منظما وخطة جهاد، وكانت تجربة الإخوان المسلمين: أراد الله عز وجل أن يكرمهم بالشهادة وينشر في الآفاق بدعوة المشردين منهم كلمته الحق.

وكان الشيخ المودودي رحمه الله ورضى عنه من أوائل مجددي القرن الرابع عشر الذين علموا الجهاد معرفة وإرادة، بل كان كتابه في الجهاد الرافد العلمي الأهم في فكر الإخوان خاصة فكر الشهيد سيد قطب رحمه الله ورضي عنه، لكن الخطة المودودية والأسلوب المودودي نشأ في أرضية تختلف عن أٍرضية مصر فاختلفت طبيعة الجهاد.

وها هو اليوم يبزغ في أفق الإسلام نير اقتبس مقوماته الفكرية والعملية من تراث إخوتنا الشيعة، إنها قومة إيران التي يسميها أهلها ثورة، ولا مشاحة في الألفاظ كما يقول فقهاؤنا ما دام المعنى المقصود معروفا.

تجتمع التجارب الإخوانية والمودودية والخمينية في بناء الإرادة الجهادية وتنظيم الصف الجهادي وتحبيب للموت في سبيل الله للمومنين وإن اختلفت المشارب، في كلها ينبثق العلم عن كتاب الله والنموذج الخالد لرسوله صلى الله عليه وسلم، وفي كلها تتيقظ الإرادة بتلقي أمر الله وبالاصطباغ العاطفي بحياة رسوله صلى الله عليه وسلم وحياة خلفائه الراشدين.

كل صف من هذه الصفوف الثلاثة يحق أن يعتبر صفا قطريا مرصوصا وإن لم يتيسر للجماعة في باكستان أن تستقطب أغلبية الإسلاميين كما تيسر للإخوان على عهد البنا وقطب رحمهما الله، ولا تيسر للجماعتين السنيتين صهر إرادة شعب إسلامي قطري بكامله حول قيادة واحدة قامت قومة رجل واحد على قلب رجل واحد فنزل على القطر بوادر موعود الله، حفظ الله المسلمين من النكسات.

واليوم يتحرك المسلمون في كل بقاع الأرض، يقاتلون ويقتلون في أفغانستان الشهيدة، ويحاربون ويشردون في سائر بلاد المسلمين، ويدمرون في أرتريا والفلبين وغيرهما، ويخطط لهم الصليبيون مخططات المحو في أندونسيا ومخططات الحرب الكلية في موسكو وواشنطن، يعتري الصهاينة حمى السعار منذ فتحوا عيونهم على الزلزال الإسلامي الجذري الذي أودى بالشاه أمس ويودي غدا بحول الله بحيوش موسكو في أفغانستان وبأذناب الجاهلية في كل مكان.

اليوم يتحرك المسلمون وتسري فيهم حياة التجدد، فما أساليب التربية المجددة بأقل أهمية من أساليب بناء الصف المرصوص، وإن كانت التربية جزءا لا يتجزأ من العمل الكلي الذي سميناه فقه التجديد فإن إطار هذا العمل الكلي هو اليوم مثار الجدل بين الإسلاميين.

مسألة الولاء والبيعة

كانت جماعة المسلمين كيانا واحدا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين، ثم انشقت الدعوة وتحاربت الدعوات وكان شعار كل مدافع عن الكيان الواحد الذي لم يبق إلا نموذجا مثاليا منشودا “السنة والجماعة” ومن لدن قيام الملك العاض احتلت الدولة وهمومها المكان الأول، فتعددت الدويلات على هوامش “الخلافة” الإسلامية، ثم في صميمها بل على أشلائها التي نراها اليوم مزعا شتى في يد الدعاة على أبواب جهنم.

فعندما يفكر الإسلاميون، اليوم في إقامة الدولة الإسلامية وعندما يجاهدون كذلك لا يختلف عنهم عاقلان على أن الدولة الإسلامية المنشودة هي تلك التي تقوم على جهاد وإرادة كل المسلمين في الأرض وتشمل كل الأقطار وتضم كل الشتات.

لكنهم يختلفون في تعريف جماعة المسلمين وبعضهم لا يولي هذا المفهوم كل ما يستحقه من اهتمام، وهو مفهوم أساسي في فقه التجديد وممارسة الجهاد.

ومن هذا الاختلاف أو التغافل عن تعريف النموذج التنظيمي لجماعة المسلمين وحدودها والطريق إلى تأليفها ينشأ سوء تفاهم، ومنه يتولد الخلل لا سامح الله.

هل يصح أن تدعي جماعة من جماعات الدعوة أنها هي “جماعة المسلمين” أم أن جماعة الإخوان وجماعة باكستان وجماعة آيات الله وسواها في دار الإسلام ما هي إلا جماعة من المسلمين”؟

ومتى قامت على جماعة الدعوة دولة إسلامية في مقاصدها وموقفها الجاهر بإرادة توحيد كل المسلمين كما هو الشأن بإيران فهل تصبح تلك الجماعة هي “جماعة المسلمين” يجب أن تنضوي كل الجماعات تحت قيادتها أم تبقى “جماعة من المسلمين” وإلى متى؟

الإخوان دعوة بلا دولة وهم يطلبون من كل الجماعات الإسلامية الولاء ووحدة التنظيم.

وآيات الله بإيران أقاموا أسس دولة تكون أداة في يد الدعوة فهم يدعون لبيعة الخميني إماما لكل المسلمين.

ومفاهيم الولاء والبيعة هنا وهناك لا تزال في طور التكوين، لكن للكلمتين وهجا وجاذبية تخاطب ببلاغة قلوب المسلمين المتشرذمين المقهورين على وجه الأرض المرذولين المعذبين.

وحدة الإسلام ووحدة قيادته هما شرط القوة لمواجهة الجاهلية وصدها عن غزونا وإبطال مخططاتها الرامية لاستغلالنا المستعملة في ذلك لأذنابها، فلا غرو أن تجد الدعوات للتوحيد والولاء والبيعة حماسا عند الشباب.

ملامح المثالية متجلية في دعوة توحيد الولاء والبيعة لتحقيق عالمية القومة الإسلامية أكثر من ملامح الفقه والحكمة في نظرنا.

1. فها هو الفرق المرحلي بين الدعوتين: بين دعوة أقامت دولة وأخرى لا تزال تعد أسباب القوة، فإن استمع الإسلاميون لداعي دولة إسلامية قائمة بالفعل أثبتت جدارتها بالقيادة على رقعة الجهاد أصبحت الدعوات الإقليمية مرتبطة بمصير دولة قطرية هي كغيرها من الدول عرضة لتغير المصالح الوقتية وتغير الأساليب في مصانعة الأوضاع الفتنوية الموروثة والجاهلية المحيطة ومن ثم تتعرض الدعوات الإقليمية التابعة لتلك الدول أن تواجه واقعها وواقع العالم باهتمام قد يتعارض مع اهتمامها.

وإن استمع الإسلاميون لنداء دولية الدعوة الإخوانية فهل تجتهد القيادة غير المرئية ولا المعروفة اجتهادا منسقا للجميع فإذن لا تجد الكفاآت الخبيرة المطلعة من بعد ومن خفاء على دقائق الأحداث القطرية أم تترك ذلك الاجتهاد لكل قيادة قطرية ويكون معنى الولاء هو التآزر في حدود الإمكان وتنسيق الجهود وإذن لا داعي لخفاء ولا لولاء شكلي.

2. ثم هناك الفرق المذهبي الذي لا ينبغي أن ندخله في الحساب لمجرد أننا نسعى لتذويبه على الزمان.

فهل المنهاج الذي ينبغي أن يسود هو المنهاج الخميني بالطاعة التي لا تراجع المنصبة من أعلى الانتصار التاريخي العظيم أم المنهاج الإخواني المتسلح بالتستر لتفادي خطر محاولات الاحتواء؟ هذه هي دويلاتنا المفتونة تحاول استقطاب الإسلاميين وشراء ضمائر رخوة لتمييع حركاتهم فهل يكون الجواب عنها هو الرفض الخميني وشجاعة المواجهة في طلب الشهادة حتى الزلزال الملاييني أم يكون الجواب هو الربط في الخفاء بين حلقات السلسلة التي ينبغي أن تخنق كل طاغوت آخر الأمر؟

ثم إن هناك الحساسيات المذهبية التي إن انمحت أو كادت في صدور الشباب الإسلامي فهي قائمة لا تزال في عامة الشعوب الإسلامية، فالتنازع على الولاء الذي بدأت قرونه تظهر بين الدعوة الإخوانية والدولة الخمينية لا مناص من تحوله إلى تناقض إن استمررنا في معالجة الأمر بالعاطفة بدل الإدارة الواعية وبتجنب وضع الأسئلة بدل الحكمة التي تضع كل أمر في نصابه.

إن نصاب المطلب الوحدوي في قلب كل مؤمن، إما أملا مشعا أو مشروعا يراود الضمير وتتحدث به النفوس.

أما نصاب تحقيق الأمل وإبراز المشروع لحيز الواقع فهو عقل القيادة الإسلامية التي لابد أن تحسب عوامل الزمان والمكان وعوامل الاستراتيجية والتكتيك كما يعبر أهل الحرب علينا.

كتاب الله وسنة رسوله يدعواننا للوحدة، لكن سنة الله في الكون تحدد الشروط العملية من تدرج وتوزيع للمهمات وتغلب عل المصاعب بتجزئتها وبناء الأساس قبل الهياكل العليا.

لا أظن بإخوتي الإسلاميين أن يحملوا حديثي على غير الصدق، فليسمحوا إن اعتبروا الصراحة خطأ.

3. لنفرض أن واجبنا قبل بناء الدول الإسلامية القطرية هو إعداد كيان “جماعة المسلمين” الموحدة.

ولنفرض أن الإجماع من قبل الإسلاميين حصل على قيادة وولاء وبيعة ومنهاج فحصلت هذه الجماعة.

فلابد من وضع سلم أسبقيات يحدد أين ومتى يجب أن تنصب الجهود الإسلامية لتوطيد حركة قطرية أوشكت على النجاح فيكون استثمار الجهود فيها أرجى.

وإذن فواجب كل الإسلاميين أن ينفضوا أيديهم مما هم فيه للقيام في ذلك الأين والمتى.

إن كانت الانطلاقة الجماعية من أرض فيها دولة إسلامية كإيران، ولو كان العدو الداخلي في كل بلد من بلاد المسلمين عدوا واحدا له أسلوب واحد ووجه واحد لأمكن الجهاد ابتداء من أرض إيران وتباعا حيثما سنحت الفرصة للضربة القاضية.

لكن العدو الداخلي متعدد الألوان والأساليب والمكر، والإسلام مهدد بنفس الخطورة في كل بلاد المسلمين رغم ما يبدو من مداهنة بعض الأنظمة المدجلة باسم الإسلام.

أما إن كانت الانطلاقة من الخفاء فإن المهمة الأسبق هي تحرير موطئ قدم للقيادة الموحدة في القلوب، فمتى وأين نضع اللبنة الأولى؟ وهل يظن إخوتنا أن القضاء على القومية قد تم بالفعل لمجرد تطهرهم هم من رجسها بحيث تقبل الشعوب الإسلامية التي لما ترب على الإسلام ولما تستعد لوحدة الإسلام قيادة إسلامية عالمية؟

4. إن طبيعة المهمة التجديدية تختلف من قطر إلى قطر، ففي بلد إسلامي كسوريا يحق التنظيم المسلح والمواجهة المسلحة لتدمير دولة الكفر والفساد.

ودول أخرى فيها الكفر والفساد بنسب ومقادير أخرى، لكن فيها زعم باحترام الديمقراطية، فهذه جهادها إن كان ذكيا يستعمل سلاح العدو.

الدول “الديموقراطية” تشترط لأية معارضة إسلامية أو غير إسلامية أن لا ترتبط بكيان خارجي، الشرط يسقط بالطبع حق الله في وحدة المسلمين التي لا تعترف بالحدود الجغرافية الفتنوية، لكن المعارك على المبادئ لا مجال لها مع قوم لا يعقلون ولا يفقهون، وإنما العبرة بالعمل المجدي وتفويت الفرصة على العدو أن يعرقل العمل الإسلامي باكتشاف خيط يربطك بما يعتبره هو خارجا وإن اعتبرته أنت جزء لا يتجزأ من كيانك وعضوا حيويا في جسم الأمة الواحدة.

إنه من باب تحصيل الحاصل إثبات الولاء بين كل مومن وسائر المومنين، فالإيمان لا معنى له ولا مدلول إن لم تكن ولاية المومنين هو إطاره، قال الله تعالى: “إنما المومنون إخوة” وقال عز من قائل: “والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض” وفسر مضمون هذه الولاية بقوله: “يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويوتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله”.

فالتعاون على البر، على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي على إقامة الحق محل الباطل ودولة الإسلام مكان دول الفتنة هو المهمة الأولى والواجب الأسبق في الولاية بين المومنين.

لكن هذا التعاون وتنسيق الجهود يريد مرونة في التطبيق وخدعة في الحرب ومواجهة مكر الشيطان واتباعه بمكر الله وأوليائه.

ثغور المسلمين

إن مفهوم “جماعة المسلمين القطرية” ليس مما يرده الكتاب أو ترده السنة، ولا مما يتنافى مع الاجتهاد التجديدي ومدلول الجهاد.

ففي وضع متطرف تكون فيه طوائف المسلمين، بل المومنين، في نزاع يفضي لقتال لا يعتبر الانقسام بين المومنين والقتال مخرجا لأية طائفة عن الإيمان، قال الله عز وجل: “وإن طائفتان من المومنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما” فما أخرج أيا منهما عن الإيمان بذلك الانقسام، إنما فرض أن تكون إحداهما باغية يجب قتالها على جماعة المسلمين أي على دولة المسلمين وهي أداة القوة في يد جماعة المسلمين.

هذا انقسام عن جمع وبغي لا يخرج أهله عن حوزة الإيمان، أما انقسامنا في أقطار لها دويلات فهو ميراث لا يد لنا فيه، فكيف يقول بعضنا أن كل جماعة دعوة لا تنضوي تحت لواء موحد يخرج تلك الجماعة عن الإيمان؟

وفي وضع يواجه فيه أهل الإيمان العدو في ساحة القتال يجوز شرعا أن ينقسم الجيش بدافع الحاجة والتفاعل الزمني المكاني مع الوقائع إلى فئات، قال الله عز وجل يوعد الفارين من الزحف: “ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبيس المصير”.

جنود الله إن تحرفت في مكان ما وتحيز بعضها إلى بعض لتجديد تدبيرها وحزم أمرها استجابة لظروف قاهرة لا جناح عليها، إذا كانت القيادة غائبة مثلا وفرق العدو الصف المرصوص فاستحال على جند الله أن يحافظوا على التعبئة الأولى فالأفراد والفئات في حل من الاجتهاد لتعبئة نفوسهم تعبئة يتطلبها الموقف. وهكذا أمرنا اليوم وقد انحل المعقود من وحدتنا وتمزق الجميع من شملنا على الزمان، فهل يجب علينا أن نسعى من مواقع ورثناها لتجميع فئات في هذا الحيز وذاك من دار الإسلام الممزقة استعدادا ليوم يتأتى فيه جمع الفئات في كيان وحدوي أم تفرض لهذه الحيزات القطرية وحدة هي في آمالنا كلنا ونتصرف كأن البناء قامت كل أعمدته القطرية فلم يبق إلا إعلاء الصرح؟

القطرية مفروضة علينا بقهر الدويلات المفتونة المتعددة الوجهات والأحلاف مع الجاهلية فكيف نقتحم السدود التي ضربتها بين أطراف الأمة أن نغير هذه الدويلات؟

حدود في نفوس المسلمين من صنع الانتماء القومي الذي تنفخ فيه رياح الفتنة الفكرية السياسية.

وحدود بين بلاد المسلمين تحجرت بداعي الضرورة الجغرافية السياسية الاقتصادية التي فرضتها يد العدو الجاهلي المتحالف مع العدو الداخلي بين ظهرانينا.

فإن أصبح المؤمن الملتزم بإيمانه، الإسلامي الحركي يحدث نفسه بجهاد بعد أن غير ما بنفسه فأفاء الله عليه سعة في الأفق وإرادة للوحدة فإن سائر المسلمين ببلادنا الإسلامية المفتونة لا يزالون يعيشون ضيق الانتماء القومي وضرورة الانغلاق القطري.

فهل يكون أحق بنا أن نكون وحدة عاطفية في قمة الدعوة لنفتح ما انغلق ونوسع ما ضاق أم نلزم الوعي حتى نستبدل الانتماء الضيق بالتوق للانتماء للأمة الواحدة عند سواد كل الشعب وحتى نفتت أسباب القوة الغاشمة التي تعتمدها دويلاتنا المفتونة لنقيم على أنقاضها الدول الإسلامية القطرية؟

هل نبني من أعلى أم من أسفل؟ هل نربح معارك جزئية يكون لنا نصر فيها رصيدا لما يليه أم نخطط لمعركة شاملة واحدة؟

يسمى المكان الذي يهجم منه العدو أو يظن أنه هاجم ثغرا من ثغور المسلمين، وهذا مفهوم إسلامي غني بالعطاء العلمي بهذا الصدد، فكل قطر من أقطارنا الإسلامية ثغر يهجم فيه العدو بل سقط فعلا في يد العدو، فنظرنا أن أسلوب الجهاد ينبغي أن يستوحى من مفهوم الثغر ويعتبر أن القيادة الإسلامية الواحدة غائبة منذ استبدت الدولة على الدعوة ومنذ انقسمت الدولة الإسلامية دويلات منذ حل الملك العاض فالملك الجبري محل الخلافة على منهاج النبوة، وبما أن تكوين قيادة مستقبلية ثم إعلان الولاء لها ومبايعتها على أرض الآمال يصطدم بما أسلفنا ذكره من عوائق فلا بد لكل ثغر من ثغور المسلمين أن يستبد مرحليا بتدبير جهاده.

نعم الولاية بين كل المومنين واجبة شعورا بالأخوة وتعاونا على البر وتشاورا واستفادة كل فئة من تجارب أختها. وهذه الولاية حاصلة شعوريا، لكن إعطاءها شكلا هو بمثابة تعريض صفحة العمل الإسلامي لضرب الضاربين.

الولاء الأفقي والرأسي

في بعض البلاد الإسلامية جماعات عمل إسلامي أعطت شكليا ولاءها لهذه القيادة الإسلامية “العالمية” أو تلك، (وتعدد القيادة يتناقض مع العالمية وقانا الله من أسباب الانشقاق أن يتكرر).

وفي بعضها لا يزال الانقسام القطري يتمخض عن شعور بضرورة التوحد.

وهكذا تغطي القيادة الرأسية لجماعة المودودي رحمه الله باكستان والهند وبنغلاديش، لم تستطع وحدة الدعوة لضعفها وعدم تمكنها من مقاليد الدولة أن تجنب باكستان أمس من الانشطار.

وتغطي جماعة الإخوان ما شاء الله من الأقطار العربية وغير العربية.

وتقترح الدولة الإسلامية المتوثبة بإيران قيادتها على كل ما كانت تغطيه الجماعتان السابقتان بالإضافة إلى سائر ما بقي في انقسامه الأفقي القطري فالجبهة العالمية جبهة المستضعفين في الأرض من كل الأديان والألوان.

لو ضربنا الانقسامات الأفقية القطرية في الانقسامات الرأسية الولائية لكان الحاصل مزيدا من الوهن والضعف لا مزيدا من القوة.

ذرونا نطرح قليلا بريق الأمل من عيوننا وننضى قاطع الفكر، ذرونا نحكم العقل على العاطفة والحكمة اليقظة على الصورة المداعبة لإرادتنا.

أظن أن مرحلة التوحيد والعالمية إن حانت لدولة أقامتها الدعوة في إيران فإنها لم تحن بعد للدعوات القطرية التي تغالب واقعا عالميا مضطربا لأقطارنا المسخرة كما يضطرب بحر هائج بمراكب واهية، فلو جئنا نركب من أخشاب مفتتة سفينة أكبر في ظروف الهيجان والعدوان لكان كسرها أهون على العدو، كيف والأخشاب التي يمكن البناء بها وهي الدول القطرية لا تزال في يد قيادات لا تمت إلى الإسلام إلا بصلة الاسم والجغرافية؟

كل عقد بين ذمم المومنين سمى ولاء أو بيعة قبل قيام “جماعة المسلمين” الواحدة إنما هو عقد إمارة واتمار جزئي وتسميته بيعة خطأ.

بعض الإسلاميين من رجال الدعوة يظنون أن الابتداء من الصفر هو أقرب نقطة في خط الجهاد لبلوغ الغاية، وكثيرا ما يكون الدافع حب الرئاسة أو عدم الاستعداد للتعاون.

الابتداء من صفر يعني أن يقوم رجل من رجال الدعوة يدعو لبيعة نفسه ويهدد من استجاب له بالحديث النبوي الذي رواه أبو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه”، ويهدد بأحاديث مثله في وجوب الوفاء بالبيعة مخافة أن ينفض عنه الناس.

وهكذا يصبح رجل واحد في قطر واحد هو “جماعة المسلمين” التي تشخص في الشريعة إجماع كل المسلمين وإرادة أهل الحل والعقد والشورى منهم، ويصبح الخروج عن جماعته المتبدئة من صفر خروجا عن الإسلام.

كان الشيخ البنا رضي الله عنه يبايع (فتحا وكسرا) بيعة تربية هي أشبه بالبيعة الصوفية، ولست أدري كيف استحال مفهوم البيعة في يد غيره من بعده إلى ما نرى.

الدعوة والدولة

لو كانت مهمة الدعوة تقتصر على تبليغ الناس رسالة ربهم فرادى وتربيتهم على الإسلام الفردي لكان أسلوب وحدود “رجال التبليغ” أمثل، ولو كان لجماعة المسلمين أن تقتصر على ذلك لكانت جماعة التبليغ نواة صالحة، لكن “جماعة المسلمين” جماعة دعوة مسؤولة أن تقيم دولة الإسلام في الأرض وقد فعلت ذلك على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، وهي يوم تقوم مرة أخرى مسؤولة عن إعادة بناء الدولة الإسلامية في الأرض الشاهدة (أي الحاضرة) على الناس كلهم لعدلها ودفاعها عن المستضعفين وتمثيلها خلافة الله في الأرض.

لو كانت الدعوة الإسلامية دينا بلا دولة  وهذا مفهوم ورد علينا من الغرب واستقر في أذهان الناس كمرادف لكلمة رلجيون عندهم- لكان توحيد الإسلاميين نزهة عاطفية فاكهتها المحبة وطعامها الأخوة، لكن الأمر جهاد وصبر ومغالبة الطاغوت.

والحوار الأخوي الحبي بين رجال الدعوة مخدر متى رضوا أن يبقوا معارضة أبدية تتعلل في كل قطر بالنهي عن المنكر بواسطة الصراخ على الظلمة وتأمر بالمعروف دون أن تستعد لتأخذ زمام الدولة يوما، لكن المحبة والأخوة بين المومنين رجال الدعوة عبر الأقطار الفتنوية رحمة يؤيد الله بها العزائم المنبرية لجهاد الثغور يزيد عزم كل فئة في ثغرها متى علمت أن سائر الثغور محفوظة قائم أهلها بواجب الآن وهنا.

تبادل التأييد المعنوي وتبادل الخبرة وتبادل النصح أمر حاصل بعضه بين رجال الدعوة نرجو أن يطرد، والتأييد المعنوي والخبرة التربوية والنصح الحكيم مقولات دعوة.

أما التوجيه العازم والشورى الملزمة وطاعة الأمر الماضي فهي مقولات تنطبق فقط على الموجِّه والموجَّه، على المستشير والمستشار، على الآمر والمطيع عندما تجتمع الدعوة والدولة في يد واحدة في قيادة واحدة.

فلو قامت دولة إسلامية في قطر ما كما هو الحال في إيران فإن التأييد المعنوي والخبرة التربوية والنصح تتطابق تطابقا تاما في عمل واحد مع التوجيه والشورى والطاعة، يد الدعوة يومئذ ومكانئذ تصافح يد الدولة فتتعاونان على أمر واحد.

لكن ازدواجية الدعوة والدولة في الأقطار المفتونة واقع مرير تسوم فيه الطبقة الحاكمة رجال الدعوة سوء العذاب، وتتربص الطبقة الحاكمة بأهل الدعوة الفرص لتضربهم الضربة القاضية إن وجدت سببا، ولو شعرة، تربطها “بالخارج” على مستوى التوجيه والشورى والطاعة.

فنحن في أقطارنا نحس التأييد المعنوي لإخوتنا المشتتين داخل الحدود الفتنوية، ونحن نسترشد بفكرهم وتجربتهم، ونحن نحس في أعماقنا بتلك الأخوة وتلك الوحدة.

فلعلنا إن ربطنا حبلنا قبل الأوان بقيادة من هذه القيادات الرأسية “العالمية” فاتتنا الحكمة بما نبديه للعدو المتربص من مكنون الغيب، وفاتتنا الحكمة بحسبان أن مهمة الدعوة القطرية يمكن أن ينفصل عن مهمة الآن وهنا وهي مواجهة الدولة القطرية حتى يورثنا الله مقاليد الحكم.

ولعلنا أضفنا ولاء رأسيا، وبالطبع ستعدد الولاآت الرأسية في كل قطر أو لوجود النداء لبيعات “عالمية” متعددة، نكون استوردنا عاملا خطيرا لتشتيت الصف الذي يحب الله عز وجل أن يكون مرصوصا.

إن هندسة بناء الإسلام وفقه تجديده لا يقف عند صواب إن طغت الحماسة الثورية أو النية العالمية على مقتضيات العمل في الحقل إبان المطر وصلاح الأرض، إن حافز الرفض والقيام على الباطل حتى زلزلته حظ الجهاد من الدفع العاطفي الإرادي، لكن حظ الجهاد من الحكمة في تصفيف قنوات الطاقات الإرادية والعقلية بحيث تصب في مجرى واحد يكون قوة لا تجرف بل تسقى، يمكنها أن تهدم الباطل ويمكنها معا أن تحق الحق وتبني مستقبل الوحدة الإسلامية.

ومن سبق الزمان وسوء الاستعداد لموعود الله أن نبني في سماء الدعوة قناة جامعة آمالية قبل أن يحكم صرف المياه النابعة من الأرض وتوجيهها رويدا رويدا في اتجاه الملتقى، انطلاقا من أرض الجهاد.

لا جدال في أن واجب كل مومن أن يهب لنصرة إخوته المجاهدين في ثغر من ثغور المسلمين أن تعرض هذا الثغر لهجمة مفاجئة غير عادية بصورة وبحجم لا تطيق التصدي له الجماعة القطرية.

هذه أفغانستان هاجمها الروس فهم يغذون طبقة مرتدة تحالفهم من داخل وتساعدهم على إبادة المسلمين، تستعمل الجيوش الروسية الغازات السامة المشوهة والنابلم المحرق وتوطد وجودها في تلك الأرض المسلمة.

وإخوتنا في أفغانستان ينادون ويستغيثون، لا مجال في هذه الحالة للتردد في مسك دويلاتنا الدعية من حيث تفتضح، إن هذه الدويلات تزعم أنها مع المجاهدين الأفغان، فنحن نطلبها أن تبرهن على هذه المعية بإرسال ما معها من أقوات وأموال وعتاد.

ولعلها تفعل لو رضيت أمريكا فتحارب بذلك عدو أمريكا لا عدو الله، ونرى على الساحة مزايدة بعض دويلاتنا وتباريها في تقديم الوعود للمجاهدين ما دامت سياسة أمريكا  وهي سندهم- تستفيد ولا تمانع.

حرب العملاقين الباردة وقودها المسلمون، ونزاعهم على مناطق النفوذ في العالم يكون على حساب المسلمين دائما، وإن تغير موقف أمريكا تجاه القومة الإيرانية إنما هو وليد حساب التوازن بين الكتلتين الذي حسبته أمريكا.

دع دويلاتنا تقضي على الأوهام التي بذرتها في عقول الشعب من أنها تنصر الإسلام في حركة واحدة تجمع بين محاربة إيران ومناصرة أفغانستان، وكأن الإسلام هنا وهناك لا يقاس إلا بمصالح الأمبرياليتين العالميتين.

ولننظر ما تفعله حكومة المغرب في تقديم المعونة لأفغانستان بعد تقديمها العون الناجز الجاهز المقاتل لزائير موبوتو وغابون بونغو وغنيا وما شاء الله من البلاد.

لننظر هل تمنعنا الحكومة من جمع تبرعات المومنين علنا، ولنقس إرادة الشعب المسلم في المغرب للبذل في سبيل الله لنقس بإقبال المسلمين أو ترددهم لإجابة ندائنا مقدار الضغط والتخويف المسلطين عليهم في دار الإسلام وأقطار الفتنة.

نـــداء

أيها المومنون والمومنات، أيها المسلمون والمسلمات:

إن الله عز وجل أمركم بنصرة إخوتكم متى استنصروكم. قال الله عز وجل: “وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق”.

أصبح أيها المومنون والمسلمون ثغر أفغانستان مهاجرا واجبا عليكم أن تقصدوه في حدود الإمكان، أي في حدود بذل جهدكم كله، وإن استحال النفر لميدان الجهاد فعليكم بذل المال فهو أحوج ما يحتاجه إخوانكم بأفغانستان، هناك رجال والحمد لله لكن المال في جيوبكم أنتم. فحي على الفلاح !

ما بينكم وبيم أعداء الله ميثاق فهبوا لنصرة إخوتكم.

من كان منكم ساهم سريا في الاكتتابات التي قام بها أهل الدعوة فقد أدى الواجب، ومن فعل أو لم يفعل وأحب أن يؤيد موقفنا هذا أمام الحكومة فليبعث بمساهمته إلينا وسننظر بحول الله في وسيلة لتبليغ الأمانة.

ابعثوا للحساب البريدي: عبد السلام ياسين 79-232 الرباط

ولينصرن الله من ينصره.

وقد أعذرنا، فاللهم اشهد !

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.