الغيث ينزل من السماء إلى الأرض ثم يظهر منها النبات، هذا الأمر ينزل من السماء إلى أرض القلوب فتهتز وتنبت من كل خير، تنبت الأسرار والحكم، والتوحيد، والتوكل والمناجاة والقرب من الله عز وجل.

يصير هذا القلب فيه أشجار وأثمار، يصير فيه فيافي وقفار وبحار وأنهار وجبال، يصير مجمع الإنس والجن والملائكة والأرواح..

إذا أحكمت الإيمان وصلت إلى دار المعرفة، ثم إلى وادي العلم، ثم إلى وادي الفناء عنك وعن الخلق، ثم إلى الوجود به لا بك ولا بهم، فحينئذ يزول حزنك، فالحفظ يخدمك، والحمية تحوطك، والتوفيق يطرق بين يديك، والملائكة تمشي حولك، والأرواح تأتيك تسلم عليك، والحق عز وجل يباهي بك الخلق، ونظراته ترعاك وتجذبك إلى دار قربه والأنس به والمناجاة له، خاب من قعد عني عن غير عذر .. أليس الله بكاف عبده؟

يا مستعجل اصبر وقد أكلت طيبا هنيئا، أنت ما تعرف الله عز وجل، لو عرفته ما شكوت منه إلى غيره..

أنت تعوزك لقمة، تضيع منك حبة أو ينكسر لك عرض تقوم قيامتك وتعترض على الله عز وجل، وتخرج غيظك في ضرب زوجك وولدك، وتسب دينك ونبيك، لو كنت عاقلا من أهل اليقظة والمراقبة لخرست بين يدي الله عز وجل، ولرأيت جميع أفعاله نعمة في حقك ونظرا لك.

اللعب واللهو والزينة للصبيان الجهال لا للرجال العقلاء، قد أعلمكم أنه لم يخلقكم للعب المشتغل بالدنيا، لاعب المقتنع بها دون الآخرة، قد قنع بغير شيء، جميع ما تعطيكم الدنيا حيات وعقارب وسموم إذا أخذتموه بأيدي النفوس والأهوية والشهوة، اشتغلوا بالآخرة وارجعوا بقلوبكم إلى ربكم عز وجل واشتغلوا به، ثم خذوا ما يأتيكم به من يد فضله، تفكروا في الدنيا والآخرة ورجحوا بينهما…

كن عاقلا، ودع رياستك وتعال اقعد ههنا كواحد من الجماعة حتى ينزرع كلامي في أرض قلبك، لو كان لك عقل لقعدت في صحبتي وقنعت مني في كل يوم بلقمة، وصبرت على خشونة كلامي، كل من له إيمان يثبت وينبت، ومن ليس له إيمان يهرب مني.

أنتم تعدون خلف الدنيا حتى تعطيكم وهي تعدو خلف أولياء الله حتى تعطيهم، تقف بين أيديهم ورأسها مطأطأ، اضرب نفسك بصمامة التوحيد، والبس لها خوذة التوفيق، وخذ لها رمح المجاهدة، وترس التقوى، وسيف اليقين، فتارة مطاعنة، وأخرى مضاربة، لا تزال كذلك حتى تذل لك وتصير راكبا لها، لجامها بيدك، تسافر بها برا وبحرا، فحينئذ يباهي بك ربك عز وجل، لم تقدم الذين بقوا مع نفوسهم ولم يتخلصوا منها.

من عرف نفسه وغلبها صارت راحلة له تحمل أثقاله ولا تخالف في أمره. لاخير فيك حتى تعرف نفسك، وتمنحها حظها، وتعطيها حقها، فحينئذ تطمئن إلى القلب، ويطمئن القلب إلى السر، ويطمئن السر إلى الحق عز وجل، لا ترفعوا عصا المجاهدة عن نفوسكم، لا تغتروا بدواهيها، لا تغتروا بتناومها … هذه النفس تظهر الطمأنينة والذل والتواضع والموافقة في الخير وهي تبطن خلاف ذلك. كن على حذر مما يتم منها بعد ذلك، فالعاقل منكم لا يفرح بالدنيا ولا بالأولاد والأهل والأموال والمأكولات والملابس والمراكب والمناكح، كل هذا هوس. فرح المؤمن بقوة إيمانه ويقينه ووصول قلبه إلى باب قربه عز وجل. ألا إن ملوك الدنيا والآخرة هم العارفون بالله عز وجل العاملون له، ألا إن ملوك الدنيا والآخرة هم العارفون بالله عز وجل والعاملون له.